s

ساعات بين الركام.. "مصراوي" يرصد تفاصيل انهيار عقارات روض الفرج (صور وفيديو)

05:56 م الثلاثاء 12 ديسمبر 2017

كتب - مها صلاح الدين وطارق سمير:
تصوير- فريد قطب
فيديو- عبير القاضي


في السابعة صباح اليوم الثلاثاء، أيقظت لسعة برد الشتاء "أميرة" من نومها، وبدأت تحضّر نفسها للذهاب إلى الجامعة كالمعتاد، وما إن انتهت من ارتداء ملابسها في الثامنة والربع، حتى سمعت دوي انفجار، هرولت نحو النافذة للوهلة الأولى، ظنت أن شبورة الشتاء هي التي تكاثفت وحجبت عنها الرؤية، وبينما أمعنت النظر، رأت أمام عينيها الطابق الثالث من البيت المقابل لها ينهار، وصغيرة تستغيث، تعالى صوت أميرة بالصراخ حتى يبادر الجيران بإنقاذ الطفلة وسكان العقار المكون من 5 طوابق، والذي تسبب انهياره في سقوط البيتين المجاورين، ومصرع سيدة وطفلة، وإصابة 9 آخرين، وفقدان شخص واحد، مازالت حثته تحت الأنقاض.

في الوقت نفسه، بدأت نعمة بائعة الخضروات في نصب فرشتها، في حارة "البرنس"، المتفرعة من شارع ترعة جزيرة بدران بروض الفرج، بمساعدة ابنها، الذي همَّ على الفور بالاتصال بالإسعاف والشرطة، وساعد في إنقاذ اثنين من الضحايا قبل وصولهم.

قصة بدأت منذ عشرة سنوات، حينما صدر قرار إزالة لمنزلين مجاورين في الحارة نفسها، ورفض سكانهما الخروج، إلا أنه خلال الثلاثة الأيام الماضية، كانت تأتي شاحنات الحي العملاقة، لتقوم بسفلتة أرض الحارة، التي أجمع أهلها أن جدران بيوتها عادة ما تهتز حينما تمر بها سيارة نصف نقل.

صراخ وعويل، غبار متطاير، وثلاثة بيوت تهدمت، كان أغلب ساكنيها تحت الأنقاض، وسيارات الإسعاف والمطافئ، ولوادر الإزالة في كل مكان، خارج كردون من العساكر، لم يتم اختراقه إلا بقدوم مدير الأمن، وقفت خارجه ماريا وخالتها، تطلق آهات المرارة بصوت مبحوح، وتتمتم باسم أمها وأخيها اللذين مازالا تحت الأنقاض، بعد أن خرج شقيقها الأصغر "مينا" وتم نقله مع المصابين إلى مستشفى الساحل.



أما داخل الكردون الأمني، فكوَنت أنقاض الثلاثة بيوت جبل صغير من الطوب اللأحمر والحجارة، ووقفت "أم يوسف" زوجة شقيق رامي، بهيئة أكثر ثباتا، تتوجه بكلمات الرجاء إلى الله، عسى أن يستجب في أن يخرج البقية أحياء، وأعلى البيوت التي لم يتبقَّ منها سوى أطلال الطابق الأرضي، وقف رجال الإنقاذ بوجوه جامدة يحاولون النجاح في مهمتهم.

دقات الهاتف أيقظت "أم يوسف" من نومها في الحادية عشرة صباحا، ليخبرها الجيران بالفاجعة، هرولت نحو مكان الحادث في دقائق، ثلاث أسر كانوا يعيشون داخل جدران منزل واحد، تمكن الجيران من إنقاذ إحدى الفتيات فور وقوع الانهيار، وكان شاب وفتاة من سكان البيت خرجوا إلى العمل في السابعة صباحا، وتم إنقاذ سيدة، وابنتها الصغرى، التي لم تتم عامها الثاني بعد، بينما فقدت ابنتها الكبرى التي كانت قد أتمت الـ 4 سنوات، تم العثور على جثتها بين الأنقاض، مع فقيدة أخرى تدعى صباح، وهي السيدة الوحيدة التي وافتها المنية في هذا الحادث، وبقي مينا ورامي، وأمهما تحت الأنقاض.

صمت وترقب خيَّم على أهالي الضحايا في انتظار خروج شخص جديد، شاركهم المشهد من داخل الكردون الأمني بعض الجيران والمتضريين من الانهيار، كان من بينهم إيمان ابراهيم، بيتها تهدم أيضا وهي في العمل، كان يقطنه 10 أفراد، وصل إليها الخبر في التاسعة والنصف صباحا كالصاعقة، هدأت قليلا حينما تذكرت أنه لا أحد في المنزل، قضى الله أن يكون جميع سكانه في الخارج في ذلك الوقت.

كان هذا البيت أيضا صدر له قرار إزالة، وقرر سكانه أن يسندوا جدرانه بـ 5 عواميد خشبية، إلا أنها تحقق الهدف المنشود منها بأن تحميه، تقول السيدة التي تسير في عقدها الثالث "صاحبة المنزل فور صدور قرار الإزالة، ذهبت إلى قسم الشرطة لتخلي طرفها من مسؤوليتها تجاه البيت.. فكنا نقوم نحن بترميمه".



ازداد الضجيج من حولنا، بدا أحد الضحايا من جديد تحت الأنقاض، توقفت "إيمان" عن الحديث، وبدأت تهرول لإحضار سكين كما طلب رجال الإنقاذ، وأخيرا، نجحوا في إخراج "عايدة"، مازالت على قيد الحياة، بينما أصاب جسدها بعض الجروح والكسور، التقطت "أم يوسف" أنفاسها، وبدأت تبحث عن غطاء تلتحف به حماتها، قبل أن تحملها سيارة الإسعاف إلى المستشفى.

لم يتبقَ غير "رامي"، كان نائما في غرفة بالطابق الأول، تعلوها دورات مياه كانت قد ذابت جدرانها، فتوقع الجميع أن يكون هو أول الضحايا، يئس رجال الإنقاذ من العثور على جثته، بينما وقفت "أم يوسف" تستجديهم الإسراع في عملهم كي يجدوه، طلبوا منها أن تدق على هاتفه المحمول، الذي ما زال يرن، يسمعون صوت الجرس، إلا أنهم لم ينجحوا في العثور عليه.

ومع دقات الثانية ظهرا، أصدر رجال الأمن قراراً بإخلاء المنازل المنهارة والمحيطة بها، كي تبدأ اللوادر في رفع الأنقاض، وهدم ما تبقى من الأطلال، افترش الجميع الشارع في أسى، بين أسرة لم تجد فقيدها بعد، وعائلات انهارت منازلها، وآخرين يطاردهم شبح التشرد والانهيار يصيحون: "خرّجونا من البيوت علشان مش هتستحمل"، وآخرون ينتظرون ذويهم أمام بوابة العناية المركزة في مستشفى الساحل، بين الحياة والموت.​

إعلان

إعلان

إعلان