إعلان

مرشد إيران.. الحاضر بالروح لا الجسد (تحليل 161 يومًا)

كتب : محمد طه

01:01 ص 16/08/2026 تعديل في 01:16 ص

تعبيرية تم إنتاجها بالـ AI لمرشد إيران

تابعنا على

يقال إن السلطة في السياسة قوة حضور قبل أن تكون قوة قرار، وإن الحاكم الذي لا يُرى يخسر نصف سلطته في كل يوم يمر. وإيران، التي بنت شرعيتها على واجهات الحشود وقراءة التواقيع باسم المرشد، تواجه اليوم مفارقة لم تعرفها في نصف قرن: مرشد أعلى يملك كل الصلاحيات ولا يملك مادة مؤرخة واحدة منذ 161 يومًا.

غير أن الغياب في الأنظمة الأيديولوجية خانة تملأ فورًا بمن يستطيع تفسير الإرادة باسم الغائب، وهنا تتحول الحكاية من سؤال عن صحة رجل إلى سؤال مؤسسي عن دولة. فإذا كانت صحة مجتبى خامنئي تخص طهران وحدها، فإن نمط إدارة ظهوره منذ 8 مارس وثيقة سياسية كاملة تستحق أن تقرأ كما تقرأ المعاهدات.

مرشد إيران.. 161 يومًا بلا ظهور واحد

الرقم الذي يفتح هذا الملف هو 161 يومًا تفصل 8 مارس عن 15 أغسطس، لم يظهر فيها المرشد الأعلى الجديد في مادة واحدة مؤرخة يمكن التحقق منها.

كان أول حضور "غيابي" لمجتبى خامنئي برسالة مكتوبة في 12 مارس تلاها مذيع على التلفزيون الرسمي، أعلن فيها إبقاء مضيق هرمز مغلقًا كأداة ضغط ومطالبة الجيران بإغلاق القواعد الأمريكية، وتوعد بالثأر وتحصيل تعويضات، بينما تكرر النمط نفسه في عيد نوروز (رأس السنة الفارسية) حين قرئت كلمة منسوبة إليه إلى جانب صورة ثابتة وعلم إيراني، ثم في رسالة الحج المكتوبة، وبعدها في رسالة 18 يونيو التي أجاز فيها مذكرة التفاهم مع واشنطن، على لسان قارئ لا على لسانه، حين قال: "من حيث المبدأ، كان لي رأي مختلف، ولكن في ضوء التزام الرئيس مسعود بزشكيان بحماية حقوق الشعب... فقد أجَزتُ الاتفاق".

مرشد إيران لم يظهر.. لكنه حضر

الأوقع في قراءة غياب مرشد إيران وفق هذا النمط، أن غيابات ظهوره لا تعني بالضرورة انعدام الحضور؛ فكل مساحة كان يُفترض أن يملأها جسد المرشد، امتلأت بـ "واجهة سياسية" تنوب عنه وتحاكي وجوده.

وقد تجلت هذه الواجهات في مراسم التعيينات لـ 6 من كبار القادة العسكريين في القوات المسلحة والحرس الثوري الإيراني، والتي صدرت باسمه في العاشر من أغسطس 2026، إلى جانب مرسوم تعيين محسن رضائي ممثلًا له في مجلس الأمن القومي.

ولكن حضور توقيعاته تلك لم يكن كافيًا للإجابة على التشكيك الواسع في مصيره، وهو ما استدعى أن تبث وكالة "مهر" مقطع فيديو مقتضبًا مدته 12 ثانية للمرشد في جلسة تدريس ديني، ظهر فيه من دون تاريخ أو مكان أو صوت، مع تعمد إخفاء الجانب الأيمن من وجهه، وذلك قبل أن يتعهد نائب قائد البسيج قاسم قريشي بنشر لقطات مستقبلية له بين الناس وفي الشوارع.

وحتى هذا الفيديو غير الموثق لا يمكن اعتباره إلا "سِتارًا" آخر للظهور العلني لمجتبى خامنئي، لكن أخطر "وكيل" للغياب تمثل في الاجتماع المعلن مع الرئيس مسعود بزشكيان، والذي تكمن خطورته في أن الرئيس نفسه عاد وشكك في صحته.

وقد نقلت قناة إيران إنترناشيونال المعارضة - عن مصادرها - أن الرئيس اقتيد إلى موقع سري في طهران، وجلس في المقعد الخلفي لسيارة داكنة النوافذ لدقائق معدودة مع رجل عُرض عليه على أنه المرشد، بينما منعه الحراس من المصافحة.

أُجري هذا الحوار كله في الظلام، فيما سأل بزشكيان لاحقًا إن كان الصوت الذي سمعه هو صوت المرشد فعلًا، ليطلب لقاءً ثانيًا في المقر الرسمي للمرشد، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض القاطع.

ويتعمق هذا الغموض عند التوقف أمام تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي في يوليو الماضي، والتي أقر فيها صراحةً بأنه لم يرَ مجتبى خامنئي طوال هذه الفترة، مؤكدًا أن دائرة من التقوه تقتصر على عدد محدود جدًا من الأشخاص.

وما يزيد المشهد ارتباكًا هو التخبط الحاد في روايات مؤسسة الرئاسة؛ إذ انقلبت تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان حول تواصله مع المرشد ثلاث مرات خلال ثلاثة أسابيع فقط؛ فبعد أن صرح الرئيس في 21 يوليو بأن التفاعل بينهما "يتزايد يومًا بعد يوم"، عاد في أوائل أغسطس ليصف التواصل مع المرشد بأنه "صعب جدًا"، قبل أن يناقض نفسه مجددًا في 10 أغسطس زاعمًا أنه التقاه في جلسة "استمرت سبعًا أو ثماني ساعات"، وأن المرشد "في صحة ممتازة"؛ وهو ادعاء يتصادم بوضوح مع تسريبات لقاء الدقائق المعدودة في المقعد الخلفي للسيارة المظلمة.

صورة تعبيرية بالـ AI

مرشد إيران.. 3 روايات حول الجسد الغائب

هناك ثلاث روايات تتنافس على تفسير الغياب الجسدي لمجتبى خامنئي؛ أولها الرواية الأمنية التي تقدمها وسائل إعلام موالية للحكومة مثل صحيفة همشهري التابعة لبلدية طهران، حين نشرت في 2 أغسطس مقطعًا يشرح لماذا لا ينشر أي تسجيل صوتي للمرشد، مؤكدةً أن أجهزة الاستخبارات قادرة على أن تستخرج من أي تسجيل توقيته وموقعه وبصمة جهازه وحالة صاحبه الصحية عبر خمس قنوات تقنية - وهي باختصار الآثار التي يتركها كل تسجيل صوتي وتكشف مكان التسجيل وحال صاحبه - من ترددات شبكة الكهرباء إلى رنين تجاويف الصوت.

ولتعزيز هذه الرواية، نقل المقطع نفسه عن ضباط في الموساد، أن المرشد إن كان حيًا فهو غالبًا في ملجأ تحت جبل قرب قم أو طهران، يبلغ أوامره عبر طبقات من الوسطاء لا يعرفون السلسلة كاملة، وأن اثنين أو ثلاثة من الحرس الثوري فقط يعرفون كيف يصلون إليه.

وقد أكد نائب في لجنة الأمن القومي أن المرشد كان واعيًا يقرأ الأدعية حين انتشل من تحت الأنقاض وقت اغتيال والده، وإن إصاباته سطحية. غير أن هذه الرواية التي تثبت صحة مجتبى تقابلها إصابات موثقة في أكثر من رواية متضاربة: كسر في القدم وكدمة في العين وجروح في الوجه، وتشوه في الوجه وإصابات في الساقين وفق رواية أخرى.

الرواية الدولية تتباين أيضًا حول مصير مجتبى؛ إذ منح ترامب فرصة موت مجتبى 90% قبل أسابيع، ثم عاد ليصفه بأنه مشارك 100% في المفاوضات وأبدى استعداده للقائه، بينما قال نتنياهو إنه حي.

ويرجح مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ احتمالين حول مصير مجتبى خامنئي: "هواجس أمنية مفرطة" أو "إصابات بالغة لم يتعاف منها بما يكفي"، بينما يخلص تحليل مركز المجلس الوطني الإيراني الأمريكي إلى أن الاختفاء "أشبه بضرورة لا باحتياط"، لأن وزير الخارجية نفسه قال إن الثغرة الأمنية التي سمحت بضرب مقر القيادة وقتل خامنئي الأب في 28 فبراير ما تزال قائمة.

السلطة حاضرة للحرس الثوري

عند جمع شظايا المشهد تتبدى الجهة الوحيدة الرابحة من الحضور الغائب للمرشد مجتبى خامنئي: الحرس الثوري؛ فالقرارات الكبرى التي صدرت باسم الغائب، بدءًا من مراسيم تعيين ستة قادة أعلنت في 48 ساعة - أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري، وحسين تائب قائدًا للبسيج مكلفًا بتقوية شبكة الاستخبارات الشعبية، وعلي أزماعي قائدًا للقوة البحرية، مع دمج هيئة الأركان العامة بمقر خاتم الأنبياء - كلها قرارات لا تحتاج إلى جسد، وهي تخدم جهة وحيدة هي الحرس الثوري.

الحرس الثوري

ولكن كيف تقرأ هذه القرارات؟

يقول الباحث سينا توسي في مجلة فورين بوليسي إنه حين تفحص هذه المراسيم خلص إلى أن تعيين محسن رضائي تحديدًا "تخطيط لحرب طويلة"، ومرسوم وحيدي يبرز عبارة "عمليات هجومية قوية" التي وصفتها التعليقات الإيرانية بأنها صياغة استثنائية في مهام قائد الحرس.

وقد امتدت إعادة البناء من مراسيم القيادة إلى قاعة التشريع؛ حيث أقرت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية هذا الأسبوع بالإجماع الخطوط العريضة لمشروع قانون يثبت السيطرة على هرمز، بين التفتيش الإلزامي للسفن ومنع عبور الأصول والمعدات الأمريكية والإسرائيلية وفرض رسوم على السفن مقابل الخدمات البحرية، حتى قال عضو الهيئة الرئاسية لمجلس الشورى علي رضا سليمي إن "مضيق هرمز اليوم أكثر قيمة لإيران من قنبلة ذرية".

ويتجاوز هذا الاتجاه الكلام إلى ما يشبه التأسيس التشريعي؛ إذ كشف نائب رئيس البرلمان حميد رضا حاجي بابائي عن العمل على دمج نحو 12 مقترحًا في قانون واحد ينظم الملاحة، قائلًا إن "مضيق هرمز ينبغي أن تديره الجمهورية الإسلامية لأننا نسعى إلى ممارسة السيادة على المضيق بأكمله".

والأشد كشفًا أن مؤسسة الرئاسة نفسها لا تملك تفسيرًا لإرادة المرشد؛ فكلام كمال خرازي، المقرب من العائلة، عن مواقف منسوبة إلى مجتبى قوبل بتكذيب من مكتب المرشد نفسه ووصف بأنه غير موثق، ثم حذفت مقاطع خرازي من إنستجرام بحلول 11 أغسطس، واستدعته السلطة القضائية للمثول، بما يعني أن الحديث باسم الغائب صار فعلًا يعاقب عليه صاحبه.

وفي القصة نفسها كشف تقرير لـ"ميدل إيست آي" أن استقالة أمين مجلس الأمن القومي السابق محمد باقر زلجدر، التي قبلها المرشد فورًا رغم محاولات بزشكيان إبقاءه في منصبه، جاءت بعد رسالة اعترض فيها على تصريح منسوب للمرشد بأنه "معارض من حيث المبدأ" لمذكرة التفاهم، فاكتمل المشهد: رجل لا يرى يزيح أمين المجلس ويجبر الرئيس على تعيين رضائي رغم مقاومته، ومن يملك القدرة العسكرية هو من يستطيع تحويل كلام الغائب إلى سياسة.

وعند هذه النقطة يقدم الكاتب أتا محمد تبريز، عبر "إيران إنترناشيونال" المعارضة، أبسط تفسير لما يجري: إيران اليوم تُحكم بنمط غير مألوف من السلطة يقوم على ثلاث ركائز؛ القرارات تتخذ وتصدر عبر رسائل مكتوبة تنسب إلى مرشد لا يراه أحد، وعدم حديثه يمنح كل طرف حرية تفسير ما ينسبه إليه، فيرجح في سباق التفسيرات الطرف صاحب النفوذ العسكري الأكبر، لأنه الأقدر على تحويل تفسيره هو إلى السياسة الرسمية للدولة.

وقد بلغ التشكيك في معنى هذه التعيينات حد أن المحلل رضا عليجاني وصفها بأنها تهدف إلى "تفعيل وإظهار" سلطة المرشد الجديد لا إلى تغيير المسار، متوقعًا أن تنتصر "مصلحة النظام" على أيديولوجيته في النهاية.

من يدير الحرب الآن؟

حين يوضع السجل كاملًا، تخرج الخلاصة قاطعة: صفر الظهور وثيقة حكم لا وثيقة صحة؛ فالنظام الإيراني بنى سلطة كاملة لا تحتاج إلى أن يظهر صاحبها، لأن كل وظيفة من وظائف المرشد أعيدت صياغتها ببديل؛ فالرسالة تقرأ، والمرسوم ينفذ، والصورة تدار، واللقاء يتم في الظلام، والرئيس الذي يوقع لا يستطيع الجزم بأنه جلس إلى مرشده. والرابح من هذا كله الحرس الثوري، الذي صار وحده القادر على تفسير إرادة المرشد الغائب.

لقد تبين لمن يدير إيران الآن أن مرشدًا لا يرى ولا يسمع ولا يمكن أن يناقض أحدًا أنفع للسلطة من مرشد يُرى.

وعليه، فإن السؤال الحاسم لم يعد "أين مجتبى؟" ولا "هل هو حي؟"، لأن سؤالًا واحدًا حل محله يملك جوابه الحرس وحده: متى يكون إظهار المرشد أنفع للنظام من إخفائه؟

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان