هربًا من السجن إلى الحرب.. كيف انتهت رحلة عبد الرحمن بمقتله في الحرب الروسية؟
كتب : سارة أبو شادي
عبد الرحمن صبحي
على مدار عام ونصف، حاولت أسرة الشاب عبد الرحمن صبحي معرفة مصير نجلها الذي انقطعت أخباره في روسيا. تمسكت العائلة بالأمل، وانتظرت اتصالًا يطمئنها إلى أنه لا يزال على قيد الحياة، لكن الاتصال الذي طال انتظاره جاء حاملًا الخبر الذي كانت تخشاه؛ إذ أبلغتها السفارة الروسية في القاهرة بمقتل عبد الرحمن على جبهة القتال بين روسيا وأوكرانيا.
وفي وقت تتزايد فيه قصص تجنيد شبان مصريين للقتال في صفوف الجيش الروسي، تبدو قصة عبد الرحمن مختلفة. فبحسب رواية أحد أفراد أسرته لـ"مصراوي"، لم يسافر إلى روسيا من أجل الحرب، ولم ينضم إلى الجيش بإرادته، بل وجد نفسه، كما تقول عائلته، مجبرًا على ذلك بعد سلسلة من الأحداث انتهت بدفعه إلى جبهة القتال.

كان حلم "عبد الرحمن"، ابن محافظة الوادي الجديد، بسيطًا: أن يصبح مهندسًا. لذلك دعمت أسرته سفره إلى روسيا لدراسة الهندسة في مدينة كازان، ليغادر مصر في أواخر أكتوبر 2019، حاملًا طموحات شاب في بداية طريقه. وبعد أشهر قليلة، عاد في إجازة منتصف العام الدراسي خلال يناير 2020، وقضى نحو خمسة عشر يومًا مع أسرته، ثم عاد إلى روسيا لاستكمال دراسته، غير مدرك أن تلك ستكون زيارته الأخيرة إلى مصر.
لكن أحلام عبد الرحمن، الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، لم تدم طويلًا. فبعد أشهر قليلة من وصوله إلى روسيا، انقلبت حياته رأسًا على عقب. ووفقًا لرواية أسرته، استخدم صديقٌ مصري هاتفه في محادثات مرتبطة بأنشطة غير قانونية، لتقود الأدلة السلطات الروسية إلى عبد الرحمن بدلًا من المتورط الحقيقي. وبينما اختفى صديقه، وجد نفسه المتهم الرئيسي في القضية، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات.

بدأت رحلة مختلفة لعبد الرحمن وعائلته. فمن داخل السجن، كان الشاب يتواصل مع أسرته بشكل شبه أسبوعي عبر مكالمات فيديو باستخدام شريحة هاتف وصلت إليه، ويتمسك بالأمل في الخروج مع اقتراب موعد الإفراج المقرر في أغسطس 2025. لكن في نوفمبر 2024، عرضت عليه السلطات الروسية الانضمام إلى الجيش.
في البداية، كان الشاب متخوفًا إلا أنه، وفقًا لأسرته، تعرض لما وصفته بـ"المساومة"، إذ خُيّر بين الالتحاق بالجيش الروسي لمدة عام مقابل الإفراج عنه، مع وعود بالحصول على الجنسية الروسية، واستكمال دراسته، والحصول على مقابل مادي، أو مواجهة تلفيق قضية جديدة قد تعيده إلى السجن لخمس أو عشر سنوات أخرى.
وبعد انضمام "عبد الرحمن" إلى الجيش، انقطع التواصل مع أسرته تمامًا، ولم يجرِ سوى مكالمة واحدة أخبرهم خلالها بقراره، قبل أن تختفي أخباره نهائيًا. وكان آخر اتصال به في ديسمبر 2024.

عاشت العائلة نحو عام ونصف العام دون أي معلومة عن مصيره، قبل أن تتلقى، قبل نحو يومين، اتصالًا رسميًا من السفارة الروسية في القاهرة يفيد بمقتله. ولم يكن اتصال السفارة وحده ما أكد الخبر، إذ تواصل مع الأسرة أيضًا أستاذ عراقي في الجامعة التي كان عبد الرحمن يدرس بها في مدينة كازان، وأبلغهم بالنبأ ذاته، لتتأكد العائلة أخيرًا من مصير نجلها.
وقع الخبر على الأسرة بقسوة بالغة. فوالد عبد الرحمن يعيش حالة من الانهيار، بينما تتلقى والدته، منذ علمها بوفاة ابنها الأوسط بين أربعة أشقاء، المهدئات لمساعدتها على تجاوز الصدمة. ولم تتوقف معاناة الأسرة عند تلقي نبأ الوفاة، إذ ترى أن استعادة جثمانه إلى مصر تكاد تكون مستحيلة بسبب تعقيدات الإجراءات الروسية، ما يدفعها إلى إلى دفنه داخل روسيا.

تمثل قصة عبد الرحمن واحدة من عشرات قصص الشباب المصريين الذين جُنّدوا للقتال على جبهات الحرب الروسية الأوكرانية. وفي تحقيق سابق أنجزه مصراوي بعنوان "الفخ الروسي.. تجنيد مصريين بإغراء المال والجنسية"، كُشف عن تورط سمسارة روسية في استدراج شبان مصريين وتجنيدهم، والدفع بهم إلى جبهات القتال في أوكرانيا.
لكن حكاية عبد الرحمن تتشابه، على نحو لافت، مع قصة أخرى وثّقها مصراوي في الجزء الثاني من سلسلة "الفخ الروسي"، بعنوان "من الفخ الروسي إلى الأسر الأوكراني.. رحلة عرابة التجنيد في القاهرة". وهي قصة الشاب المصري محمد السنوسي، الذي سافر إلى روسيا من أجل الدراسة، قبل أن يُلقى القبض عليه ويُتهم بالاتجار في مواد مخدرة، ويُحكم عليه بالسجن سبع سنوات. ووفقًا لما وثقه التحقيق، تعرض محمد هو الآخر للمساومة، قبل أن يُدفع إلى القتال على الجبهة الأوكرانية، لكنه لم يمكث سوى أيام قليلة هناك، لينتهي به الأمر أسيرًا لدى السلطات الأوكرانية.
اقرأ ايضا:
الفخ الروسي.. تجنيد مصريين بإغراء المال والجنسية"
من الفخ الروسي إلى الأسر الأوكراني.. رحلة عرابة التجنيد في القاهرة