إعلان

عاصفة كشفتها بعد آلاف السنين.. "عين أصيل" تحكي أسرار مدينة إدارية قديمة بالداخلة - صور

كتب : محمد الباريسي

09:00 ص 04/09/2026

تابعنا على

أعاد موقع عين أصيل الأثري في واحة الداخلة إلى الواجهة جانبًا مهمًا من تاريخ مصر القديمة؛ إذ تكشف أطلاله عن مدينة إدارية مزدهرة ترجع بداياتها إلى أواخر عصر الدولة القديمة، قبل أن تطويها طبقات الرديم والحريق لقرون طويلة، حتى أعادت عاصفة رملية عاتية كشف أجزاء منها عام 1947، في لحظة فارقة لفتت الأنظار إلى أحد أهم المواقع الأثرية في الوادي الجديد.

عين أصيل الأثري في واحة الداخلة

على مسافة غير بعيدة من طريق الخارجة - بلاط، تقف عين أصيل شاهدًا على تخطيط مديني وأنظمة إدارية متقدمة، وثقتها ألواح طينية وأختام أبواب المخازن المرتبطة بالحاكم.

ورغم نشأتها بعيدًا عن نهر النيل، عكست المستوطنة مستوى من التنظيم الإداري والمعيشي، إذ تشير الشواهد الأثرية إلى أن المدينة قامت بين أواخر الأسرة الخامسة وبدايات الأسرة السادسة، واستمر استغلالها خلال بدايات عصر الانتقال الأول.

وأوضح الخبير الأثري بهجت أبو صديرة، مدير الآثار المصرية السابق بالوادي الجديد، لـ«مصراوي»، أن البقايا الأثرية تكشف عن قصر للحاكم المحلي، ومساكن للموظفين والعمال، ومصانع للفخار، وورش للسباكة، ومخابز، بما يعكس نشاطًا اقتصاديًا وقاعدة خدمية متكاملة.

وأكد أن عين أصيل لم تكن مجرد نقطة حراسة، وإنما مركزًا للحكم والإدارة ارتبط بمؤسسات الدولة القديمة، مشيرًا إلى أن الألواح الهيراطيقية المكتشفة بالموقع تمثل دليلًا مهمًا على صلة الواحات إداريًا بوادي النيل منذ الأسرة السادسة.

تخطيط هندسي يوازن بين الهيبة والأمن

تمتد المدينة على مساحة مستطيلة تقارب 33 هكتارًا، وقُسمت إلى قلعة شمالية ومستوطنة من الطوب اللبن جنوبًا وشرقًا.

وقال الأثري محمد إبراهيم، مدير الآثار بالوادي الجديد، لـ«مصراوي»، إن سورين دفاعيين أحاطا بالمدينة؛ أحدهما خارجي يحيط بالكيان الحضري، والآخر داخلي يخص قصر الحاكم، وتعلوهما أبراج للمراقبة، بينما صُممت المداخل بطريقة غير مباشرة يصعب معها اقتحام المدينة.

وأضاف أن الحفائر كشفت عن أربع مقصورات للعبادة قرب السور الغربي، وبيوت للموظفين متفاوتة المساحات في الجزء الجنوبي، فيما فصل ممر طولي بين المقصورات وقصر الحاكم شرقًا.

وكشفت أعمال الحفر داخل القصر عن صالات للاستقبال وجناح للنوم، إلى جانب أسقف من خشب السنط مغطاة بملاط ملون بالأحمر والأبيض والأصفر.

قصر الحاكم

يتصدر قصر الحاكم مشهد شمال المدينة، بقاعة ذات أعمدة، ويمتد بطول 225 مترًا وعرض 95 مترًا، ليشكل أحد أبرز مكونات عين أصيل ومقرًا للحكم والإدارة ومساكن للنخب.

وبحسب محمد إبراهيم، يضم القصر سورًا داخليًا مستقلًا يبلغ طوله 210 أمتار، وجدارًا يصل سمكه إلى مترين، فيما يرجح باحثو المصريات أن الحاكم «خنتي-كا» كان أول من شيد القصر، وأن «مدو-نفر» أقام فيه لاحقًا مع بداية عصر الانتقال الأول.

وقال الدكتور صبري يوسف عبد الرحمن، الباحث في آثار الواحات، لـ«مصراوي»، إن عين أصيل تنفرد بتخطيط يؤهلها لتكون مقرًا للحكم في الواحات منذ الأسرة السادسة، موضحًا أن قصر الحاكم يشبه القصور الرئاسية من حيث الوظيفة والتعقيد، إذ تجمع مداخله وأسوارُه بين الهيبة والأمن.

اقتصاد نشط من الورش والمخابز

كشفت البقايا الأثرية عن ورش لصناعة النحاس والصوان، وأربع «فواخير» متكاملة العناصر، إلى جانب مخابز تضم أفرانًا وأحجارًا للطحن.

وأوضح صبري يوسف أن هذا النشاط الإنتاجي لم يكن يقتصر على تلبية احتياجات القصر، وإنما أسهم في توفير احتياجات العمال والحرفيين داخل المدينة، مرجحًا أن تكون عين أصيل قد استقدمت عمالة من خارج حدودها.

رغم ازدهار المدينة، تعرضت عين أصيل لحريق واسع طال القصر وأجزاء من المستوطنة بعد نحو ثلاثة أجيال من نشأتها.

ويرى صبري يوسف أن الحياة لم تنقطع بالكامل عقب الحريق، إذ أعيد إعمار أجزاء واسعة من المدينة خلال عصر الانتقال الأول، مع إعادة بناء جدار محيط وقناة مائية.

ويشير الباحثون إلى أن التخلي النهائي عن المدينة سبق العصر البطلمي، في ظل عدم تسجيل بقايا رومانية بالموقع حتى الآن.

في يناير 1947، كشفت عاصفة رملية غير مسبوقة أجزاء من المدينة بعد قرون من الطمر، لتبدأ بعدها رحلة الكشف العلمي عن الموقع.

وبعد نحو عقدين، انطلق أول موسم للحفائر العلمية في أكتوبر 1968 بقيادة عالم المصريات أحمد فخري، الذي كشف عن جدران من الطوب وكتل حجرية منقوشة.

وبعد وفاته، استأنف المعهد الفرنسي للآثار الشرقية أعمال التنقيب عام 1978 بإشراف عالم المصريات جان فيركوتير، واستكمل أعمال توثيق التخطيط والطبقات الأثرية.

وأكد محمد إبراهيم أن المدينة ارتبطت بحكمي بيبي الأول وبيبي الثاني، مشيرًا إلى أن من أبرز اكتشافاتها ألواح طينية هيراطيقية من الأسرة السادسة حملت أسماء حكام الواحات، بما أسهم في توثيق شبكة الإدارة في الدولة القديمة وصلتها بالمركز في وادي النيل.

مدينة تكشف أسرار الإدارة في الدولة القديمة

ويرى الباحثون أن عين أصيل تمثل نموذجًا استثنائيًا لمدينة إدارية من عصر الدولة القديمة، ساعد موقعها بعيدًا عن النيل وطبيعة مبانيها الطينية والحريق الذي أصابها على حفظ طبقات مهمة من تاريخها، قبل أن تكشفها العاصفة الرملية للباحثين.

وقال محسن عبد المنعم، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، لـ«مصراوي»، إن غياب البقايا الرومانية يعزز تأريخ الموقع كمدينة ارتبطت بشكل أساسي بعصر الدولة القديمة، مضيفًا أن الموقع يمثل نموذجًا مهمًا لدراسة التخطيط والإدارة في مصر القديمة، بدءًا من الأسوار والقصر، وصولًا إلى المقاصير والورش والمخابز.

اقرأ أيضًا:

"عظام تحت الرمال ومبنى أشباح".. ألغاز المكان الذي طمسته الصحراء بالوادي الجديد –صور

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك