إعلان

بالأرقام والتفاصيل.. رحلة "سمك السويس" من قاع الخليج إلى حلقات البيع -صور

كتب : حسام الدين أحمد

03:13 م 03/09/2026

تابعنا على

يستفتح الصيادون والبحرية أول رحلة صيد في الموسم الجديد بتلاوة فاتحة الكتاب بصوت مرتفع، ثلاث مرات، للرُّوح وللرحلة والرزق أيضًا؛ رحلة لا تسلم من المخاطر في عرض البحر، لكنها العمل الذي يجيده الرجال، ليعودوا بخير وفير يمتد أثره إلى خارج مصر، عبر أسماك تكتسب سمعة طيبة بسبب جودة المرعى.

تتغير أسعار الأسماك يومًا بعد يوم، وربما ينخفض سعرها في المساء عن الصباح؛ حيث يتحكم في ذلك العرض والطلب. وفي الأيام الأولى من الموسم تكون أسعار الأسماك مرتفعة، كون المعروض لا يكفي الطلب على أسماك البحر الطازجة التي يطلبها المواطنون بعد شهور من تناول سمك البحر المجمد أو إنتاج المزارع.

عادة لا تعجب الأسعار المواطنين لأمرين؛ الأول لاعتقادهم أن رحلة الصيد سهلة (تسرح المركب لتجمع السمك وتعود)، والثاني لاعتقادهم أن تلك الرحلة تكلفتها بسيطة، لكن وراء كل رحلة صيد قصة تبدأ بالتجهيز المكلف للغاية على عدة مراحل، ثم رحلة سروح في البحر، وعمل مكثف على المركب لا يتحمل غياب فرد أو تقصيرًا في مهامه وسط أجواء ليست عادية، حتى العودة بالخير الذي ينتظره أهالي السويس.

بعد 4 أشهر من الهدوء على رصيف ميناء الأتكة في السويس، يعود النشاط والضجيج مرة أخرى قبل ساعات من انطلاق موسم الصيد؛ شاحنات تنقل بلاطات من الثلج، وسيارات نقل يُفرغ البحارة حمولاتها من الزاد والطعام، وصيادون يغزلون الشباك ويُجرون صيانة لها قبل الإبحار في الموسم الجديد.

في الأول من مايو الماضي، توقف نشاط الصيد داخل خليج السويس تنفيذاً لقرار هيئة تنمية البحيرات والثروة السمكية؛ والهدف الرئيسي وراء ذلك هو منح البيئة البحرية راحة بيولوجية وفرصة لتكاثر الأسماك.

تجهيز المراكب

في فترة الوقف، يبحث الصيادون وعمال البحرية عن أنشطة أخرى توفر لهم -مع ما ادخروه خلال الموسم- ما يكفيهم عن سؤال الناس. ومع انتهاء أعمال صيانة المراكب والفُلك ونزولها للبحر مرة أخرى، يتحول رصيف الميناء إلى خلية نحل لتجهيز المراكب لأول رحلة في الموسم الجديد؛ الرحلة التي تفتح الموسم بقراءة فاتحة كتاب الله ثلاث مرات للروح والرزق والرحلة، في مهنة محفوفة بالمخاطر.

"بنحاول نجيب جمبري أكثر في أول رحلة عشان الفلوس اللي علينا، والصيادين والبحارة يلاقوا عائد يغطي طلبات المدارس"، هكذا يقول الريس سيد النيلي، صاحب مركب صيد "النيلي مكارم الأخلاق"، مضيفاً أنه بعد انتهاء عملية الصيانة الشاملة للمراكب والعائمات المختلفة على "القزق"، تبدأ عملية تجهيز المركب بالمعدات اللازمة للصيد.

وأوضح سيد النيلي أن أولى مراحل التجهيز بعد الصيانة هي دعم المركب بالغزول الجديدة، مشيراً إلى أن موسم الصيد يبدأ بسروح 78 مركب جر، وهو العدد المرخص له بالصيد والمقيد في دفاتر السروح الرسمية، إضافة إلى 320 فلوكة صيد، تتبعها بعد شهر رحلات لنشات "الشانشولا"، وتحتاج الغزول مراجعة في البداية واستبدال التالف والشباك الضعيفة بأخرى قوية.

واستطرد صاحب مركب النيلي، أن العدة الواحدة للغزل تصل تكلفتها إلى 200 ألف جنيه، يمكن أن يُستهلك نصفها، وتشمل الشبك والجنازير والحبال والرصاص، ولا يشتريها جاهزة، بل يجري تجهيزها على متن المركب عبر غزلها بواسطة البحارة والصيادين وفق الطول المناسب للنوع المطلوب صيده؛ إذ تختلف شباك الجمبري عن الأنواع الأخرى من حيث الفتحات وقُطر الحبال، وهي المطلوبة عادة أول الموسم للقيمة الاقتصادية المرتفعة للجمبري مقارنة بالأصناف الأخرى.

يُضاف إلى ذلك سعر وايرات الونش، وهو الجزء المثبت في مؤخرة المركب لرفع شباك الصيد المحملة بالأسماك، وتستهلك تلك الوايرات كل موسم إذ تتصل بالشباك وتمتد مسافة كبيرة في البحر، وتبلغ قيمة بالة الواير من 40 إلى 45 ألف جنيه، وتحتاج المركب إلى اثنين منها بقطر 13 أو 15 ملم.

صيد قريب

يخبرنا النيلي أن أول أسبوعين في الموسم تسرح المراكب في مناطق قريبة من رأس خليج السويس ومنطقة عتاقة؛ حيث الأرض ما زالت خصبة وغنية وتجمعات الأسماك تكون كثيرة بعد فترة توقف الصيد، وتقطع المركب الرحلة في 3 أو 4 أيام، لتعود بالسمك والجمبري لبيعه في الميناء بالمزاد وتغادر لتستكمل الصيد، إلى أن تتراجع كمية الأسماك في المناطق القريبة، فتسرح المراكب جنوباً بحثاً عن الرزق.

على الرصيف، توقفت سيارة نقل "جامبو" بصندوق يحفظ حرارة ما بداخله، ينقل عبرها 7 عمال بلاطات الثلج، وهم مسؤولون عن شحن الثلاجة بـ 800 أو 1000 بلاطة حسب المتوفر، وهي كافية لحفظ الأسماك لمدة 12 يومًا.

يقول سعيد غريب، سائق سيارة شحن الثلج، إن سعر البلاطة يتراوح من 25 إلى 28 جنيهاً، وهي المصدر الرئيسي لحفظ السمك، يذكر أنه قبل سنوات كان من بين هؤلاء العمال المكلفين بنقل الثلج، ويشرح طبيعة الثلاجة في مراكب الصيد العاملة بحرفة الجر داخل الخليج، واصفاً إياها بأنها غرفة كبيرة ببطن المركب بعيداً عن أي مصدر للحرارة، معزولة بطبقتين من الخشب بينهما فوم عازل للحرارة؛ حيث تُرص البلاطات، وبعد الصيد يُجرش الثلج لوضعه فوق السمك، ثم تُرص طاولات الأسماك فوق بعضها بطريقة معينة.

سمك الفلايك

"سمك الفلايك عزيز"، هكذا يصف بائع الثلج حصيلة صيد فُلك الصيد، ويشرح أن الثلج يمكنه حفظ السمك لمدة أسبوع أو يزيد، لكن ما يعرفه الصيادون ولا يخبرون به أحداً، أنه كلما قلت مدة حفظ السمك كان أفضل، وأن سمك صيد الأمس تحت الثلج أفضل من المحفوظ قبل أسبوع وسعره أعلى، لذلك يتفوق "سمك الفلايك" على سمك المراكب؛ فالأول يكاد يُحفظ بضع ساعات لأن الفلوكة تسرح وتعود كل يوم، فضلاً عن طريقة الصيد والفرز التي تحفظ للسمكة حالتها وكأنها خرجت للتو من الماء.

غريب أبو الحارث، صاحب مركب صيد عاملة خارج الخليج، كان يزود مركبه بالمؤن على الرصيف؛ وهو لا يحتاج الكثير من الثلج رغم طول الرحلة، والسر وراء ذلك يكمن في "الفريون".

يشرح أبو الحارث اختلاف الوضع في مراكب الصيد خارج الخليج أو صيد أعالي البحار قائلاً: "المركب بطول 32 متراً تسرح من ميناء برنيس أقصى الجنوب على ساحل البحر الأحمر"، ويضيف أن الرحلة تستغرق شهراً لا تبحر خلاله قرب الشواطئ بل في المياه الإقليمية وتمتد إلى مياه دول الجوار وفق اتفاقيات رسمية للصيد، وبعد الصيد يُرص السمك في الكراتين ثم يُغلف ثم يدخل ثلاجة التجميد.

تحتوي ثلاجات تلك المراكب الكبيرة على دائرة فريون أكبر من تلك الموجودة في ثلاجة منزلك، وتساعد نسبة ملوحة مياه البحر الأحمر في حفظ السمك؛ فكلما اتجهنا جنوباً نحو المحيط الهندي وقرب خط الاستواء زادت نسبة ملوحة المياه وكانت السمكة أكثر تماسكاً إذا ما قورنت بأسماك السويس وأسماك البحر المتوسط.

425 حصانًا

داخل ميناء الأتكة، يجلس عامر سعد في محل مواجه للرصيف الشرقي، يوفر للبحارة كل ما يحتاجون إليه لصيانة الماكينة؛ محرك بقوة 425 حصانًا قادر على دفع مركب يزيد وزنها على 150 طناً في البحر، ويحفظ توازنها بحمولتها من الصيد التي يمكن أن تتجاوز 3 أطنان أول الموسم.

يخبرنا أن المحرك يستهلك في اليوم الواحد 5 براميل من وقود السولار، بإجمالي طن في اليوم، ولرحلة السروح التي تستمر 12 يوماً يملأ الريس والبحرية 60 برميلاً من الوقود، أما بعد العودة من الرحلة فيجري تغيير زيت المحرك المحترق بالتخلص من الزيت القديم بمعرفة مندوبي شركات المخلفات البترولية، وسكب 7 جراكن من الزيت الجديد في جوف المحرك.

حتى إن كنت تحب السمك وتفضله على الدواجن واللحوم الحمراء، لا يمكن أن تأكله أكثر من 3 مرات في اليوم، أو لـ 3 أيام متواصلة، وهكذا الصيادون والبحارة على متن المركب، لذلك يوفر صاحب المركب أصنافاً أخرى من الطعام والزاد ليقوى الطاقم على مواصلة العمل الشاق ليل نهار، لا يقطعه إلا وقت النوم فقط.

تحمل مركب الجر من 12 إلى 15 فردًا بين بحارة وصيادين وريس المركب، يوفر صاحب المركب كميات من المواد الغذائية تشمل أجولة الأرز لوجبات الغداء، بينما الفول والعدس للإفطار والعشاء، يُضاف إليها وجبة من اللحم ووجبة من الدجاج تكفي كل منهما لمرتين على الأقل، كما يأكل الصيادون من طعام البحر؛ فأرز الصيادية يناسب كل أنواع السمك التي تُحضَّر على المركب بطرق بسيطة توفيراً للوقت وللحفاظ على مذاق السمك الطازج.

ومع كل رحلة سروح يوفر صاحب المركب الخضار والفاكهة، فهي لا تصلح للتخزين وتتعرض سريعة للتلف بعكس المواد الجافة، ولا تخلو صيدلية المركب من بعض الأدوية والمسكنات لعلاج الصداع والمغص ونزلات البرد وألم الأسنان.

على كل صياد وبحري أن يحافظ على صحته على متن المركب، ولا يهمل العلاج والأخذ بالأسباب حتى لا يضطر إلى الذهاب للمستشفى وقت الرحلة؛ فعلى متن المركب لا يوجد طبيب أو ممرض، وعودة صياد للبر بسبب مرضه مكلفة وتعطل الصيد لمدة يوم، مما يؤثر عليه وعلى كل الطاقم.

كاشف أعماق

داخل كابينة القيادة، يتفقد الريس سعد حريدة الأجهزة التي أُدخلت قبل 3 عقود من الزمن على مراكب الصيد؛ شاشة صغيرة تكشف ما تحت المركب وحولها، جهاز "سكان ديب" هو بديل للحبل البدائي المثبت في طرفه ثقل يقيس العمق، والجهاز الدقيق يجنب المركب الإبحار فوق جسم غارق، أو الدخول في حيد مرجاني يؤدي لجنوحها، فضلاً عن كشف أسراب الأسماك المارة من حوله.

تحتوي كل كابينة أيضاً على جهاز ستالايت يحدد المواقع، يستفيد منه الصيادون في عرض البحر عند إدخال إحداثيات أماكن تجمع الأسماك، أو لتجنب المسارات التجارية الخاصة بالسفن المترددة على الموانئ، أو المسار التجاري للسفن العابرة لقناة السويس.

مردود اقتصادي

مع توافر الأسماك، تنشط حركة البيع في الحلقة وتزداد العمالة سواء من بائعي الأسماك، أو السماكين وعمالة تنظيف الأسماك، وكذا توصيل الطلبات، وحركة نقل الأسماك من السويس إلى المحافظات المجاورة لا سيما القاهرة حيث سوق العبور أكبر أسواق مصر في بيع الأسماك.

وتحقق الأنواع الفاخرة من الأسماك قيمة اقتصادية مرتفعة مثل الدراك والناجل والهامور والكوشر والوقار والشعور الحر والشريفة؛ فهي تُصدَّر للخارج وتُطلب أسماك السويس بالاسم بسبب جودة المرعى في خليج السويس، ومنطقة العنبك ورأس خليج السويس حيث التقاء البحر بالمدخل الجنوبي للقناة.

اقرأ أيضا:

استعدادًا لموسم الصيد.. صيانة شاملة لمراكب الجر في خليج السويس - صور

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان