في قلب محافظة أسيوط، وتحديدًا بين أزقة منطقة "القيسارية" العتيقة بحي غرب، التي تُعد واحدة من أقدم الشرايين التجارية بالمحافظة، لا تزال إحدى أعرق الحرف اليدوية والتراثية تقاوم شبح الاندثار.
حرفة النحاس
وهناك يقف "عم مصطفى النحاس"، أحد أقدم الحرفيين بالمنطقة، متمسكًا بمهنة ورثها عن الأجداد، رافضًا التخلي عن حرفة ارتبطت بطفولته وأصبحت جزءًا أصيلًا من هويته.
رحلة بدأت في سن العاشرة
لم تكن رحلة عم مصطفى في عالم النحاس وليدة الصدفة، بل بدأت فصولها الأولى عندما كان طفلًا لم يتجاوز العاشرة من عمره، إذ تعلم أصول المهنة وأسرارها الدقيقة على أيدي كبار الحرفيين والأجداد، الذين نقلوا إليه خبراتهم المتراكمة في الإبداع اليدوي.
وأكد الحرفي المخضرم "عم مصطفى" لـ" مصراوي"، أن العمل في النحاس ليس مجرد مهنة روتينية، بل "غواية" تحتاج إلى شغف حقيقي وصبر لا ينفد، موضحًا أن عشقه للحرفة ساعده على تجاوز صعوباتها وحفظ تفاصيلها ومهاراتها المعقدة في ذاكرته على مدار عقود طويلة.
صناعة تعتمد على براعة الأنامل
داخل ورشته الصغيرة التي تفوح منها رائحة التاريخ، يعتمد عم مصطفى على مهارته اليدوية في تصميم وتشكيل القطع النحاسية من البداية إلى النهاية، محافظًا على الطابع التقليدي للحرفة رغم التطورات التي طرأت عليها.
وتبدأ دورة التصنيع بجلب ألواح النحاس الخام من مناطق الوجه البحري، ثم إخضاعها لعمليات دقيقة من التطويع والتشكيل لإنتاج قطع متنوعة، من أبرزها "البوري"، الذي يستغرق تصنيع القطعة الواحدة منه ما بين ساعتين وثلاث ساعات من العمل المتواصل على آلة المخرطة.
سر إتقان الصنعة
ويرى عم مصطفى أن عملية التنظيف تمثل معيارًا أساسيًا لإتقان الحرفة، إذ يتطلب إصلاح القطع القديمة إزالة اللحام السابق وتنظيف القطعة بصورة كاملة ودقيقة، قبل البدء في وضع طبقة اللحام الجديدة.
ويشدد على أن الدقة والنظافة في جميع مراحل العمل هما حجر الأساس والسر الحقيقي وراء نجاح الحرفة واستمرارها، مؤكدًا أن أي تقصير في تجهيز القطعة يؤثر بصورة مباشرة في جودة العمل النهائي.
لم تكن مهنة النحاس بعيدة عن التحولات، إذ شهدت تغيرات كبيرة في الأدوات والمواد المستخدمة في عمليات التصنيع واللحام على مدار السنوات.
فبعد أن كان الحرفيون يعتمدون على آلة "الكور" اليدوية لنفخ الهواء وإشعال الفحم أثناء عمليات اللحام، فرضت التقنيات الحديثة نفسها لتحل المواتير محل "الكور"، باعتبارها بديلًا عمليًا أكثر سهولة.
كما تُستخدم مادة "ماء النار" في تنظيف النحاس وتجهيزه قبل اللحام، لما لها من دور في إزالة الشوائب وتهيئة سطح القطعة للعمل.
وفي المقابل، اختفت بعض المواد التقليدية التي كانت تمثل أساس عملية اللحام في الماضي، من بينها أنواع معينة من الفحم ومادة "المونة" الناعمة، التي كان الحرفيون يتكبدون عناء جلبها خصيصًا من القاهرة.
تواجه صناعة النحاس اليدوية عددًا من التحديات القاسية التي تضعها على حافة الاندثار، وفي مقدمتها عزوف الأجيال الجديدة عن تعلمها، بسبب ما تحتاج إليه من صبر وقوة تحمل لمشاق العمل وتدريب طويل.
ويرى عم مصطفى أن الشباب والأطفال لم يعودوا يقبلون على تعلم المهنة كما كان يحدث في الماضي، الأمر الذي يهدد بانقطاع حلقات نقل الخبرة من جيل إلى آخر، واختفاء الحرفة تدريجيًا برحيل العاملين القدامى فيها.
يمثل الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام عقبة أخرى أمام استمرار صناعة النحاس، إذ وصل سعر الكيلوغرام من القصدير، المستخدم في عمليات اللحام، إلى نحو 5 آلاف جنيه، في حين اقترب سعر كيلوغرام النحاس الخام من ألف جنيه.
وأدت هذه الزيادات إلى ارتفاع تكلفة التصنيع والإصلاح، ما أثر في حجم الإقبال على المنتجات النحاسية الجديدة، وزاد من الأعباء التي يتحملها الحرفيون في سبيل الحفاظ على مهنتهم.
ومن بين أبرز التحديات التي تواجه الصناعة التقليدية دخول الألومنيوم إلى الأسواق وانتشاره باعتباره بديلًا أقل تكلفة وأكثر انتشارًا، ما تسبب في تراجع الطلب على الأواني والمصنوعات النحاسية مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي.
ومع انخفاض أسعار الألومنيوم مقارنة بالنحاس وسهولة الحصول عليه، فقدت المنتجات النحاسية جانبًا كبيرًا من حضورها داخل المنازل، بعدما كانت عنصرًا أساسيًا في حياة الأسر المصرية.
رغم التحديات وارتفاع تكاليف الخامات، لا تزال ورشة عم مصطفى مقصدًا للزبائن الراغبين في إصلاح وتجديد مقتنياتهم النحاسية القديمة.
وأصبح إصلاح القطع القديمة خيارًا اقتصاديًا للكثيرين في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المنتجات النحاسية الجديدة، ما أسهم في استمرار الورشة وحافظ على جانب من حضور الحرفة حتى اليوم.
وبينما يطرق عم مصطفى على معدنه المفضل، يستعيد بحنين ما يصفه بـ"العصر الذهبي" للمهنة، حين كانت المنازل المصرية بمختلف طبقاتها لا تخلو من الأدوات النحاسية بمختلف أنواعها، من الحلل إلى الأطباق والكؤوس.
ويصف تلك الفترة بالعصر الذهبي لمهنة النحاس، عندما كانت منتجاتها جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للأسر المصرية، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع ظهور البدائل الحديثة وتغير أنماط الاستهلاك.
وسط هذه التحديات، يتمسك عم مصطفى بمهنته، مؤكدًا أنه سيواصل العمل بها حتى آخر يوم في عمره، وفاءً لتراث الآباء والأجداد.
ويصف بقاءه في المهنة بأنه أشبه بـ"حلاوة الروح"، رافضًا التخلي عن صنعة اختلطت بدمائه وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من شخصيته وهويته، ليظل صوت مطرقته شاهدًا على حرفة عريقة لا تزال تقاوم النسيان.
اقرأ أيضًا:
40 عنبرًا وعيادة بيطرية.. تفاصيل مشروع مركز الكلاب الضالة الجديد بأسيوط