إعلان

من المراكبي إلى عمر ناجي.. حكاية شاب عمره 31 عامًا بلا شهادة ميلاد في البحيرة

كتب : أحمد نصرة

12:00 م 13/09/2026

تابعنا على

ربما تبدو قصة "المراكبي"، الفيلم الذي قدمه الفنان صلاح السعدني عام 1995، بعيدة عن الواقع، لكنها في مركز بدر بمحافظة البحيرة تجد صدى حقيقيًا في حكاية شاب قضى 32 عامًا من عمره يبحث عن أبسط حق لأي إنسان.. ورقة رسمية تثبت هويته.

في الفيلم، يخرج "أحمد" من عالمه البعيد عن المؤسسات الحكومية بعدما يقرر تعليم ابنه، ليجد نفسه في مواجهة دوامة من الأوراق والإجراءات، بعدما اكتشف أن غياب المستندات الرسمية يقف حائلًا أمام مستقبل أسرته.

أما في الواقع، فيعيش "عمر ناجي النبوي"، البالغ من العمر 31 عامًا، تفاصيل أكثر قسوة؛ إذ مر معظم عمره دون شهادة ميلاد رسمية أو بطاقة شخصية، بسبب ظروف زواج والديه العرفي، قبل أن يتوفى والده وهو لا يزال رضيعًا.

حكاية شاب يعيش بشهادة ميلاد مكتوبة بالورق

يروي عمر أنه لم يعرف حقيقة وضعه القانوني في طفولته، بعدما تولى جده رعايته، وكان حريصًا على إدخاله المدرسة حتى لا يحرم من التعليم.

ويقول إن والده تزوج والدته زواجًا عرفيًا قبل توثيق الزواج رسميًا، وكانت والدته قاصرًا وقتها، قبل أن يتوفى والده عندما كان عمره نحو شهرين، وقبل استكمال إجراءات توثيق الزواج.

ويضيف: "جدي الله يرحمه هو اللي دخلني المدرسة بشهادة ميلاد مكتوبة ورقيًا لحين إثبات ميلادي رسميًا، وحتى لا يفوتني التقديم بالمرحلة الابتدائية".

واستمر عمر في الدراسة حتى الصف السادس الابتدائي، لكن وفاة جده كانت نقطة تحول جديدة في حياته، إذ بدأت أزمة أوراقه الرسمية تظهر بوضوح عند الاستعداد للانتقال إلى المرحلة الإعدادية.

ويقول: "لما وصلت لسنة سادسة ابتدائي توفى جدي، ومن هنا بدأت أكتشف إن مفيش إثبات شخصية رسمي ليا عند تجهيز ملف المرحلة الإعدادية".

متفوق دراسيًا.. لكن الأوراق أوقفت الطريق

لم تكن مشكلة عمر في قدرته على الدراسة، بل في غياب المستند الذي يثبت رسميًا أنه صاحب هذه الحياة.

ويؤكد أنه كان متفوقًا دراسيًا، ولا يزال يحتفظ بعدد من الأوراق التي تحمل اسمه، من بينها بيان نجاح صادر عن الإدارة التعليمية بمركز بدر، وشهادات تقدير، ومستندات دراسية موقعة من قيادات تعليمية، إلى جانب مستندات وأحكام وأوراق قضائية مرتبطة بإجراءات إثبات نسبه.

وأوضح أنه بدأ اتخاذ إجراءات قانونية لإثبات النسب، إلا أن الإجراءات واجهت عقبات متعلقة بعدم امتلاكه صفة قانونية تمكنه من استخراج بعض المستندات المطلوبة، خاصة القيود العائلية الخاصة بوالده وجده.

المحكمة طلبت قيدًا عائليا.. والعمة أقرت بالنسب

ويشير عمر إلى أن المحكمة طلبت عددًا من المستندات والقيد العائلي، كما شهدت عمته، شقيقة والده، أمام المحكمة وأقرت بوجود صلة النسب.

ويقول إنه نجح بالفعل في تعديل بعض البيانات رسميًا وإثبات اسم والده ووالدته في المستندات، إلا أن إجراءات استخراج الأوراق النهائية لا تزال تمثل أزمة بالنسبة له.

وعلى مدار سنوات، تحول ملف الأوراق التي جمعها عمر إلى ما يشبه "بطاقته" الخاصة؛ يحملها معه باستمرار، خاصة عندما يذهب إلى أماكن العمل، خشية أن يتعرض لموقف أمني بسبب عدم امتلاكه بطاقة شخصية.

ويقول: "أنا ماشي بالملف ده دايمًا، ولما أقابل ظابط أو أمين شرطة بيتعاطف مع مشكلتي، وبوريه الأوراق اللي معايا وبيمشيني".

يعمل باليومية.. وغياب البطاقة يطارده حتى في لقمة العيش

يعمل عمر "نقاشًا" باليومية، ويقول إنه مستعد للعمل في أي مهنة أخرى، فقط ليتمكن من الإنفاق على نفسه واستكمال الإجراءات التي بدأها منذ سنوات لإثبات هويته.

لكن غياب الأوراق الرسمية لم يكن عائقًا أمام العمل فقط، بل أغلق أمامه أبوابًا أخرى كثيرة، من السفر إلى الزواج وحتى الحصول على فرص عمل بعيدة عن محل إقامته.

ويقول: "أنا مش عارف أسافر، ولا أتجوز، ولا أعمل أي حاجة، حتى لو فيه شغل بعيد بسيب الشغل وبرجع لأني مش معايا إثبات شخصية".

دفتر توفير منذ عام 2000.. يحمل اسمه ولا يستطيع التصرف فيه

ومن بين الأوراق التي يحتفظ بها عمر دفتر توفير أنشأه له جده عام 2000، إلا أنه لا يستطيع التصرف في الأموال الموجودة به لعدم امتلاكه الصفة القانونية اللازمة.

ويحتفظ بالدفتر باعتباره واحدًا من المستندات التي تحمل اسمه، وتروي جانبًا من قصة بدأت معه منذ طفولته، وما زالت مستمرة حتى اليوم.

لم ير والده.. وكل ما يتمناه إثبات هويته

ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال غياب والده يمثل جانبًا مؤلمًا في قصة عمر، فقد توفي والده عندما كان عمره نحو شهرين، ولم تتح له فرصة رؤيته أو معرفة تفاصيل الحياة معه.

ويقول بحزن: "أنا ما شفتش والدي، كان حلمي إني أشوفه حتى لو نظرة واحدة، والدي توفى وأنا عمري شهرين".

لكن الحلم الذي يتمسك به عمر الآن ليس تعويض ما فاته فقط، وإنما أن يحصل أولًا على الأوراق التي تثبت هويته، ثم يعود إلى التعليم الذي توقف عنه منذ سنوات.

ويقول: "أكيد لو ربنا كرمني وعملت بطاقة وشهادة ميلاد هكمل تعليمي، ونفسي أرجع إعدادي وأقدم الملف بتاعي، أنا كنت متفوق جدًا، ويمكن أخد شهادة تنفعني في أي وظيفة".

رسالة من تجربة عمر: لا تتركوا أبناءكم بلا أوراق

وفي نهاية حديثه، يوجه عمر رسالة إلى الأسر بضرورة توثيق الزواج والحفاظ على حق الأبناء في إثبات هويتهم، محذرًا من النتائج القاسية التي قد تترتب على الزواج غير الموثق، خاصة عندما يتعلق الأمر بزواج القاصرات.

ويقول إن ما عاشه طوال 31 عامًا جعله يدرك قيمة ورقة قد تبدو بسيطة بالنسبة لغيره، لكنها بالنسبة إليه كانت مفتاح التعليم والعمل والسفر والزواج، بل وإثبات أنه موجود رسميًا في هذا العالم.

وهنا تتقاطع قصة عمر، بصورة مؤلمة، مع الفكرة التي طرحها فيلم "المراكبي" وما يدعو للدهشة أن تاريخ إنتاجه تزامن مع وجود "عمر " جنينا في بطن أمه، وكأنه نبوءة لقصته الحزينة التي سيواجهها عند خروجه إلى الحياة.

فبينما كان بطل الفيلم يخوض رحلة شاقة بين المصالح الحكومية بحثًا عن أوراق تمكن ابنه من دخول المدرسة، يخوض عمر رحلته الخاصة منذ طفولته وحتى عامه الحادي والثلاثين، بحثًا عن الأوراق نفسها تقريبًا.. لكن هذه المرة، ليست لإثبات حق ابنه في التعليم، وإنما لإثبات حقه هو في أن يكون له اسم وهوية وحياة رسمية.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان