في قلب صحراء البر الغربي بمحافظة الأقصر، بعيدًا عن صخب الحافلات السياحية والزحام الذي تشهده المعابد الشهيرة، يقف معبد صغير يحمل بين جدرانه قصة مختلفة عن معظم المواقع الأثرية في طيبة القديمة.
معبد دير الشلويط
ويعد معبد دير الشلويط، المخصص للإلهة إيزيس، أحد أبرز الشواهد على حضور عبادة الإلهة في الأقصر خلال العصر اليوناني الروماني، كما أنه المبنى الديني الرئيسي الوحيد في المنطقة الطيبية من تلك الحقبة الذي كُرس لإيزيس بدلًا من ثالوث طيبة المتمثل في آمون وموت وخونسو.
لماذا سُمي "دير الشلويط"؟
سُمي معبد إيزيس بـ«دير الشلويط» بسبب ما تردد عن اختباء بعض المسيحيين الأوائل فيه هربًا من بطش الرومان، وقيل إن أحد الرهبان الذين اختبأوا في المعبد كان يُدعى «الشلويط»، فعُرف المكان بهذا الاسم.
ورغم صغر حجمه، يلفت دير الشلويط الأنظار بتفاصيله المعمارية ونقوشه التي ما زالت محتفظة بجزء كبير من ملامحها، فضلًا عن موقعه الهادئ الذي يمنح زائره إحساسًا مختلفًا عن التجربة المعتادة في المواقع الأثرية الكبرى بالأقصر.
موقع دير الشلويط ومساحته
يقع دير الشلويط على الضفة الغربية للأقصر، بالقرب من منطقة الملقطة وجنوب مدينة هابو، وتحيط بالمعبد بقايا المنطقة الأثرية التي تبلغ مساحتها نحو 74 × 51 مترًا، بينما تبلغ مساحة المعبد الرئيسي نحو 13 × 16 مترًا.
وللوهلة الأولى، قد يبدو المبنى بسيطًا للغاية مقارنة بمعابد الأقصر الضخمة، فلا توجد به صفوف الأعمدة الهائلة أو الصروح العملاقة التي تميز مواقع مثل الكرنك والأقصر ومدينة هابو، لكن صغر حجمه يخفي قيمة تاريخية كبيرة.
ويتكون ما تبقى من الموقع من المعبد الرئيسي، وأطلال المدخل، وجزء من السور المبني بالطوب، بالإضافة إلى بئر.
يقول الخبير الأثري والسياحي محمود فرح، إن أهمية دير الشلويط تكمن في طبيعته المختلفة عن أغلب المنشآت الدينية التي ظهرت في منطقة طيبة خلال العصر اليوناني الروماني.
ويضيف فرح أن معظم المعابد الكبرى في المنطقة ارتبطت بآمون وأسرته، بينما كُرس هذا المعبد للإلهة إيزيس، إحدى أشهر المعبودات المصرية التي اتسعت عبادتها خلال العصرين اليوناني والروماني، وانتقلت شهرتها إلى مناطق واسعة من العالم المتوسطي.
ويوضح أن النقوش داخل المعبد تُظهر إيزيس إلى جانب أوزوريس وحورس، فضلًا عن مناظر للحكام الرومان وهم يقدمون القرابين للآلهة، وهو ما يعكس استمرار استخدام الرموز والمعتقدات المصرية القديمة في ظل الحكم الروماني.
ومن بين الشخصيات الإمبراطورية التي تظهر أسماؤها على نقوش الموقع عدد من الأباطرة والحكام، من بينهم هادريان وأنطونينوس بيوس، إلى جانب حكام آخرين ارتبطوا بتاريخ المعبد وتطوراته.
"البروبيلون".. بوابة تكشف تاريخ المعبد
ويشير الدكتور محمد حراجي، أستاذ علم المصريات بكلية السياحة، إلى أن من أكثر العناصر اللافتة في دير الشلويط البوابة المعروفة باسم «البروبيلون»، والتي تقع على مسافة نحو 60 مترًا شرق المعبد الرئيسي.
ويضيف أن البوابة تتميز بنقوش وزخارف من جهاتها المختلفة، وتعد من أهم أجزاء الموقع من الناحية الأثرية، إذ تحمل نقوشًا ساعدت الباحثين في تأريخ مراحل بناء المعبد والتعرف على الحكام الذين ارتبطوا به.
أما داخل المعبد، فيحيط بالحرم ممر يسمح بالوصول إلى عدد من الحجرات والمصليات الجانبية، بالإضافة إلى غرفة التطهير المعروفة باسم «الوابيت»، كما يوجد بالممر سلم يؤدي إلى سطح المعبد.
ويشير أستاذ علم المصريات إلى أن هذه التفاصيل توضح أن المبنى، رغم صغر حجمه، لم يكن مجرد حجرة واحدة للعبادة، وإنما كان يضم مجموعة من العناصر المرتبطة بالطقوس الدينية.
ومن التفاصيل التي تكشف تعاقب الحضارات على المنطقة، العثور على أحجار أقدم أعيد استخدامها في أجزاء من الجدار الخارجي للمعبد.
وتشير دراسة النقوش الموجودة على بعض هذه الأحجار إلى ارتباطها بمبانٍ أقدم في منطقة مدينة هابو القريبة، وهو ما يضيف طبقة أخرى إلى تاريخ المكان؛ فمعبد روماني مخصص لإيزيس يحمل في جدرانه أحجارًا تعود إلى عصور مصرية أقدم.
ويكشف الدكتور محمد حراجي سبب عدم احتفاظ دير الشلويط بوظيفته الدينية إلى الأبد، موضحًا أنه مع انتشار المسيحية في مصر هُجر المعبد كمكان للعبادة القديمة، وهو ما انعكس أيضًا على اسمه، إذ ارتبط اسم «دير» باستخدام الموقع أو المنطقة في مرحلة لاحقة من التاريخ القبطي.
وظل المكان لقرون مدفونًا تحت طبقات من الأنقاض، قبل أن تبدأ أعمال التنقيب الأثري الحديثة في الكشف عن تفاصيله.
وخلال أعمال بعثة جامعة واسيدا اليابانية بين عامي 1971 و1979، أزيلت كميات كبيرة من الأنقاض من الموقع، وكُشف عن أجزاء من المعبد والبئر، التي عُثر بداخلها على طبقات متراكمة من المخلفات والأنقاض، كشفت عن فترة طويلة من الإهمال والنسيان.
وربما تكون المفارقة الأجمل في دير الشلويط أن أهميته لا تأتي من ضخامة مبانيه، وإنما من القصة التي تحملها جدرانه.
فهذا المكان الصغير يقدم صورة مختلفة عن الأقصر؛ صورة لمرحلة تاريخية امتزجت فيها المعتقدات المصرية القديمة بالتأثيرات اليونانية والرومانية، واستمرت فيها عبادة إيزيس داخل وادي النيل، في الوقت الذي كانت فيه عبادتها قد انتشرت خارج مصر أيضًا.
اقرأ أيضًا:
أسرار الـ 26 تحفة.. كيف نقل "الريس محمود" كنوز خبيئة الأقصر دون خدش واحد؟ -فيديو وصور
متزوج من 4 سيدات وأنجب 40 ابنًا.. حكاية رجل من الصعيد تجاوز أحفاده الـ100 تشعل السوشيال ميديا