إعلان

دفاع وماء وزراعة.. أسرار الإمبراطورية الرومانية في حصون الوادي الجديد -صور

كتب : محمد الباريسي

03:30 م 06/08/2026

تابعنا على

شكّلت حصون الوادي الجديد واحدة من أكثر الشبكات الدفاعية إثارة في الصحراء الغربية، إذ لم تكن مباني منعزلة أُقيمت لصد الهجمات فقط، بل نقاطًا متكاملة للمراقبة والإمداد وإدارة المياه والزراعة، وتأمين حركة المسافرين على درب الأربعين والطرق الممتدة بين واحة الخارجة ووادي النيل والواحات المجاورة.

وتصف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» واحة الخارجة بأنها ملتقى لطريقين رئيسيين للقوافل؛ أولهما درب الأربعين الواصل بين مصر الوسطى والسودان، وثانيهما طريق عين أمور الذي ربط واحة الخارجة بواحة الداخلة، وهو ما يفسر كثافة المنشآت المحصنة حول مصادر المياه ومسارات الحركة.

هذا ما أكده الخبير الأثري بهجت أبو صديرة، مدير آثار الوادي الجديد السابق، في تصريحات خاصة لمصراوي، قائلا إن الصحراء الغربية ظلت معرضة لمحاولات التسلل والهجوم من الجنوب والغرب والشمال، ما دفع إلى إنشاء أكثر من 15 قلعة وحصنًا، تركز معظمها خلال العصرين الروماني والبيزنطي.

يتصدر قصر الجب قائمة حصون الوادي الجديد في القطاع الشمالي من واحة الخارجة، ويقع الحصن على ربوة طبيعية مرتفعة على مسافة تقارب 45 كيلومترًا شمال مدينة الخارجة، ما أتاح مراقبة مساحات واسعة من الصحراء واستقبال القادمين من الشمال.

وأوضح أبو صديرة أن قصر الجب أدى دور برج مراقبة ومنارة تهدي المسافرين، كما ارتبط بآخر نقطة مياه عند الطرف الشمالي للمنخفضK وتؤكد بعثة مسح شمال واحة الخارجة التابعة للجامعة الأمريكية بالقاهرة أن قصر الجب كان أقصى المنشآت الدفاعية شمال الواحة، وأن موقعه المرتفع جعله علامة مرئية للقوافل والمسافرين القادمين من الشمال.

شيد قصر الجب من الطوب اللبن، وارتفع في الأصل إلى ثلاثة طوابق، بينما توزعت داخله غرف ضيقة متقاربة لخدمة الحامية. ودُعمت أركانه بأبراج دائرية، وجاء مدخله من الجهة الجنوبية، في تصميم قد يكون استهدف الحماية من الرياح الشمالية إلى جانب الوظيفة الدفاعية.

ويقول أبو صديرة، إن الطوب اللبن لم يكن مادة بناء بدائية، بل خيارًا ملائمًا للمناخ الصحراوي، ساعد مع تقنيات البناء الدقيقة والجفاف الشديد على بقاء أجزاء واسعة من حصون الوادي الجديد لأكثر من 16 قرنًا.

السميرة.. التوأم الأصغر

على بعد نحو كيلومترين جنوب شرقي قصر الجب يظهر قصر السميرة، وهو نموذج أصغر يشبه الحصن الكبير في تخطيطه وشكله الخارجي.

وقال الأثري محمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن قصر السميرة يرجع إلى أواخر العصر الروماني، وإن موقعه على درب الأربعين منحه وظيفة تتجاوز الحراسة العسكرية المباشرة.

وأضاف إبراهيم، أن المنطقة المحيطة بقصر السميرة احتضنت نشاطًا سكنيًا وزراعيًا وصناعيًا، وربما كانت محطة إمداد مهمة للقوافل، وتنتشر جنوب الحصن بقايا أفران ومواضع طحن وشظايا فخارية وآثار منشآت غمرتها الرمال، إلى جانب مقابر مبنية بالطوب.

وىرى إبراهيم أن قصر الجب وقصر السميرة عملا كتوأمين دفاعيين ضمن مشروع واحد، وأن المياه والزراعة والتخزين كانت عناصر ضرورية لاستمرار أي حامية في هذا الامتداد الصحراوي البعيد.

لم تكن حصون الوادي الجديد قلاعًا عسكرية بالمفهوم الضيق؛ فكل موقع روماني متأخر تقريبًا ارتبط بمنظومة زراعية تضم آبارًا أو قنوات جوفية وحقولًا واسعة.

وأضاف مفتش آثار الخارجة وباريس بالوادي الجديد، دكتور محسن جابر، أن الرومان طوروا نظمًا كبيرة للقنوات تحت الأرض، عُرفت محليًا باسم "المناور"، لتوصيل المياه إلى مساحات زراعية ممتدة، بما يضمن توفير الغذاء والمياه للسكان والجنود والمسافرين.

وقال محسن، إن منطقة أم الدبادب النموذج الأكثر اكتمالًا؛ إذ تضم حصنًا ومستوطنة محصنة ومساكن وكنيسة ومعبدًا ونظام مياه جوفيًا ومناطق زراعية وعدة جبانات، ما يعكس تنوع الأنشطة التي شهدها الموقع، وفى أجزاء من حصني أم الدبادب وقصر اللبخة قائمة على ارتفاع يتجاوز 10 أمتار، مع غرف تخزين وسلالم ومستويات متعددة، بينما يظهر في اللبخة معبد ومقابر ونظام قديم للقنوات والحقول.

اكد الأثري محسن جابر، أن الجمع بين الدفاع والإنتاج منح هذه المواقع قدرة على خدمة الجنود والسكان والمسافرين، وحولها إلى مراكز صغيرة لإدارة الموارد، وليست مجرد نقاط حراسة مؤقتة.

تاريخ يواجه الرمال

قال مدير عام الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، محسن يونس، في تصريح لمصراوي، أن منظمة اليونسكو نشرت تقارير عن أن قيمة حصون الوادي الجديد لا ترتبط بكل مبنى منفردًا، بل بكونها أجزاء من مشروع واحد جمع التخطيط العسكري بالزراعة وإدارة المياه والتحكم في الطرق الصحراوية.

وقال يونس، إنه قد أسهم المناخ شديد الجفاف في حفظ مباني الطوب اللبن والأنظمة الزراعية، لكنه لم يمنع ظهور أخطار حديثة تشمل التغيرات المناخية وامتداد الزراعات والمرور غير المنظم فوق القنوات والحقول الأثرية القديمة.

واختتم يونس، تصريحه بالتأكيد أن قصر الجب وقصر السميرة ليست أطلالًا صامتة، بل سجل لكيفية تحويل الصحراء إلى مساحة قابلة للحياة قائلا : " إن بين الأبراج والمخازن والمناور، تروي واحة الخارجة قصة هندسة نجحت في حماية درب الأربعين، وإطعام الحاميات، وإرشاد القوافل عبر واحد من أقسى المشاهد الطبيعية في مصر".

اقرأ أيضًا:

"يضم 3 كليات".. استلام موقع أول فرع لجامعة الوادي الجديد بالداخلة

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان