"تظهر لمن يضل الطريق".. حكايات مثيرة عن واحة زرزورة المفقودة بالوادي الجديد (صور)
كتب : محمد الباريسي
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
اختلطت في حكاية واحة زرزورة حدود الجغرافيا بظلال الأسطورة، حتى تحولت إلى واحدة من حكايات الصحراء الغربية التي تثير الفضول والبحث عن حقيقة المكان المفقود.
واحة زرزورة المفقودة
وبين إشارات وردت في مؤلفات قديمة وروايات تناقلها أهالي الفرافرة والداخلة، ظل اسم الواحة حاضرًا في التراث الواحاتي بوصفه مكانًا مفقودًا تتعدد أسماؤه، من واحة زرزورة إلى عين شوشاو وعين الغر، بينما لا توجد في الروايات المتداولة شهادة حاسمة تثبت موقعها بشكل نهائي.
وقال محمود عبد ربه، خبير التراث وتاريخ الواحات بالوادي الجديد، لـ"مصراوي"، إن أولى الإشارات إلى واحة زرزورة تعود إلى عام 1245، عندما تحدث عثمان النابلسي الصفدي، حاكم الفيوم، في كتاب عن الفيوم وبلاده، عن واحة تقع غرب الفيوم على مسيرة أيام.
وأضاف أن اسم الواحة تكرر لاحقًا في «كتاب الكنوز» في القرن الرابع عشر، مع وصف لموقع يبعد عدة أيام بالجمال إلى الجنوب الغربي من الداخلة.
وأوضح أنه في عام 1835، أورد السير جاردنر ويلكنسون في كتابه عن طيبة روايات منسوبة إلى أهالي الداخلة عن واحة بيضاء في قلب الصحراء الغربية، وربطت إحدى الروايات المكان بسلسلة من الأودية والواحات، بينما وضعته رواية أخرى على مسافة خمسة أو ستة أيام غرب الحيز أو البحرية.
وتابع أن اسم واحة زرزورة ظهر مجددًا في كتابات لاحقة، بينها ما نُسب إلى أحمد حسنين باشا في عشرينيات القرن الماضي، إضافة إلى أعمال أدبية وبحثية أجنبية تناولت فكرة الواحات المخفية أو المفقودة.
وأشار إلى أن تقي الدين المقريزي ذُكر أيضًا ضمن من تناولوا الحكاية في إطار المخيلة الشعبية، حيث ارتبطت المدينة في الرواية الشعبية بقوى خفية تمنع الوصول إليها.
وتظل هذه الإشارات، وفق ما ورد في المادة، غير كافية لحسم الوجود الجغرافي للواحة، لكنها تكشف قِدم الحكاية واتساع حضورها في الذاكرة والتراث.
وقال عبد الله علي، أحد جامعي وخبراء التراث الفرافروني بواحة الفرافرة، إن أهالي الفرافرة تناقلوا حكايات واحة زرزورة أبًا عن جد.
ووفق روايته، ارتبط اسم الواحة قديمًا بالخوف من جماعات قيل إنها كانت تهاجم الفرافرة وتستولي على المحاصيل أو المواشي، وهي روايات من التراث الواحاتي الشفهي لا يقدم النص دليلًا مستقلًا على وقوعها.
وأضاف أن بعض أهالي الفرافرة كانوا يصفون المكان بأنه «مسحور» وتسكنه ملوك الجان، وأن من يتعمد البحث عنه قد لا يصل إليه، بينما قد يعثر عليه من يضل الطريق في الصحراء الغربية.
وتداولت الحكايات أن واحة زرزورة تظهر في أوقات وتختفي في أخرى، وهي صورة تراثية تعزز الطابع الأسطوري للمكان.
أين تقع زرزورة؟
تعددت التصورات بشأن موقع واحة زرزورة؛ فبينما أشارت بعض الروايات القديمة إلى منطقة غرب الفيوم، ذهبت كتابات أخرى إلى الجلف الكبير.
أما محمد رضا، أحد مشايخ ورموز واحة الفرافرة والمهتمين بتراثها، فرجح، وفقًا للتراث الواحاتي، أن يكون الموقع في نطاق جنوب شرقي الفرافرة، أقرب إلى منطقة القصر بالداخلة، لكنه شدد على أن الأمر يظل مجرد توقع لا يمكن الجزم به.
وفي السياق نفسه، تبرز تسمية «عين شوشاو» نسبة إلى جبل شوشاو القريب، إلى جانب اسم «عين الغر».
وفسر رضا تسمية «عين الغر» بأن القوافل التي كانت تتحرك على طريق الداخلة كانت ترى طائرًا مائيًا أسود بعد مسيرة يوم من القصر، فاستنتج المسافرون وجود مصدر مياه قريب، وأطلقوا على المكان «عين الغر»، دون أن يعني ذلك أنهم وصلوا إلى العين بالفعل.
رواية الجيش السنوسي
من أكثر الروايات تفصيلًا في المادة حكاية تعود، بحسب الشهادة، إلى فترة مطاردة الجيش السنوسي في أواخر عام 1917 وبدايات عام 1918.
وروى عبد الله علي، نقلًا عن والده الحاج علي عبد النبي، قصة جندي قال إنه كان ضمن قوة من الهجانة المصرية ترافقها عناصر بريطانية وأسترالية أثناء التحرك خلف الجيش السنوسي.
ووفق الرواية، تحركت القوة شمال غرب من منطقة نقبة نيدة، ثم توقفت ليلًا بالقرب من مكان لم تكن تعرف طبيعته.
ومع بزوغ الفجر، قال الراوي إن أفراد القوة شاهدوا مياهًا كثيرة ونخيلًا كثيفًا وأشجارًا لم تُهذب منذ زمن، إلى جانب مرتفع كبير عليه قصر بباب خشبي مغلق.
وأضاف أن أصواتًا مجهولة دفعتهم إلى الابتعاد عن المكان قبل استكمال الطريق إلى الفرافرة.
وتذكر رواية أخرى أن مجموعة من الجيش السنوسي سبقتهم إلى الموقع نهارًا، فرأت منخفضًا تحيط به المياه والنخيل والنباتات، إلى جانب آثار جمال وعظام وفخار مكسور وقصر فوق مرتفع.
وحسب الحكاية، حاول أحد أفراد المجموعة الاقتراب من القصر، لكنه شعر بخوف شديد وتراجع.
عادت حكاية واحة زرزورة إلى الواجهة في روايات أهالي الفرافرة خلال أوائل التسعينيات، بالتزامن مع مرور رالي الفراعنة في طريق الداخلة القديم.
وقال عبد الله علي إن طائرة هليكوبتر كانت تصور المتسابقين، ورصدت من الجو مكانًا به مياه وأشجار وجمال تحركت بعيدًا عند مرور الطائرة.
وبحسب الرواية، اعتقد الحاج عبد العزيز عبد النبي، من أهالي الفرافرة، أن الجمال قد تكون من نسل جمال سبق أن تركها في الصحراء قبل سنوات طويلة، فخرج للبحث عن الموقع.
ووصل مع مرافقيه إلى وادي «السنط» واتجه جنوبًا شرقيًا، لكن نقص الوقود منعه من مواصلة التقدم نحو المكان الذي اعتقد أنه عين الغر أو واحة زرزورة.
وأضاف عبد الله علي أن رجلًا من الواحات البحرية تتبع آثار السيارة بعد أيام، وقال لاحقًا إنه وصل إلى مكان يبعد نحو كيلومتر واحد عن نقطة توقف المجموعة، ووصف وجود مياه وسلالم منحوتة في الحجر بالقرب من مرتفع.
ووفق شهادته المنقولة، شعر الرجل بخوف شديد وغادر المكان، ثم رفض العودة إليه.
حكاية فتاة زرزورة
ومن أكثر روايات التراث الواحاتي غرابة حكاية نُقلت عن رجل من منطقة القصر بالداخلة، لاحظ آثار بقرة تأكل من زرع القمح ليلًا.
ووفق الحكاية، ترقب الرجل المكان حتى شاهد فتاة تقود البقرة قبل الفجر، وقالت له إنها من مكان يُسمى زرزورة.
وتستكمل الرواية بأن الرجل تزوجها بعد ذلك، واشترطت عليه ألا يذكر اسم زرزورة أمامها، وبعد سنوات نطق بكلمة قريبة من الاسم أثناء حديثه مع أطفاله، فغادرت المرأة ليلًا ولم تعد.
تجمع حكاية واحة زرزورة بين إشارات في كتب قديمة، وتصورات جغرافية، وروايات أهالي الفرافرة والداخلة، لكنها تظل، وفق المادة المتاحة، منطقة معلقة بين التاريخ الشفهي والخيال الشعبي.
والمؤكد أن اسم واحة زرزورة ترك أثرًا واضحًا في التراث الواحاتي، وأن عين الغر والصحراء الغربية وجبل شوشاو وطرق القوافل شكلت جميعها عناصر متكررة في روايات البحث عنها.
أما موقعها الحقيقي، إن كانت واحة قائمة بذاتها أصلًا، فلا يحسمه ما ورد من روايات، وبذلك بقي اللغز حاضرًا في ذاكرة سكان الواحات.
وبين وصف العيون والمياه والقصر والنخيل، وبين الخوف من المكان وقصص الاختفاء، تظل واحة زرزورة واحدة من الحكايات التي تكشف كيف صنعت الصحراء الغربية ذاكرتها الخاصة، وكيف حافظ أهالي الفرافرة على رواية تنتقل من جيل إلى آخر دون أن تفقد غموضها.
اقرأ أيضًا:
"بطيخ" وسط الصحراء.. حكاية صخور غامضة تحير الزائرين في الوادي الجديد – صور
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News