إعلان

3500 عام تحت الرمال.. اكتشافات مدهشة لمدينة أثرية في تل الكوع بالإسماعيلية (صور)

كتب : أميرة يوسف

09:00 ص 05/07/2026

تابعنا على

على الحافة الجنوبية لوادي الطميلات، وبالقرب من مركز القصاصين الجديدة بمحافظة الإسماعيلية، ظل تل الكوع لقرون طويلة يخفي بين طبقاته واحدة من أهم القصص الأثرية في شرق الدلتا. ومع استمرار أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة الأثرية المصرية، لم يقتصر الكشف على مجموعة من المقابر، بل امتد ليكشف عن مدينة متكاملة كانت تضج بالحياة قبل أكثر من 3500 عام، لتفتح نافذة جديدة أمام الباحثين لفهم طبيعة المجتمع الذي عاش في هذه المنطقة خلال عصر الانتقال الثاني.

مدينة أثرية في تل الكوع بالإسماعيلية

قال مصطفى حسن، مدير عام منطقة آثار الإسماعيلية ومدير البعثة الأثرية، إن نتائج الحفائر غيّرت النظرة السابقة إلى تل الكوع، بعدما أثبتت أن الموقع لم يكن مجرد جبانة أثرية، وإنما ضم منطقة سكنية متكاملة ومرافق للإنتاج والتخزين، إلى جانب المقابر، بما يعكس وجود مجتمع مستقر مارس مختلف أنشطة الحياة اليومية.

وأوضح أن القيمة العلمية للكشف تكمن في ترابط عناصره، إذ ظهرت المساكن إلى جوار الأفران وصوامع الغلال، فيما جاءت المقابر داخل النطاق نفسه، وهو ما يمنح الباحثين صورة شبه مكتملة عن طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة خلال تلك الحقبة.

وأشار حسن إلى أن الموقع يحتل مكانة بالغة الأهمية على امتداد وادي الطميلات، الذي مثّل عبر التاريخ أحد أهم الممرات الطبيعية التي ربطت شرق الدلتا بالحدود الشرقية لمصر.

وأضاف أن هذا الموقع الاستراتيجي منح تل الكوع دورًا مهمًا في حركة انتقال الأفراد والبضائع، كما جعله محطة رئيسية على طرق التجارة القديمة، وهو ما تؤكده طبيعة المنشآت المكتشفة واللقى الأثرية التي عُثر عليها بالموقع.

كشفت أعمال الحفائر عن عشر مقابر شُيدت جميعها من الطوب اللبن، وتعود إلى الأسرة الخامسة عشرة من عصر الانتقال الثاني.

ولم تتشابه المقابر في تصميمها، إذ جاءت بعضها على هيئة مصاطب مستطيلة، بينما تميزت أخرى بواجهات وزخارف معمارية، بما يشير إلى وجود تفاوت في المكانة الاجتماعية أو اختلاف في الطقوس الجنائزية بين أصحابها.

ويرى مدير البعثة أن هذه الاختلافات تمثل مادة علمية مهمة لفهم التركيبة الاجتماعية لسكان المنطقة خلال تلك الفترة.

إلى جوار منطقة الدفن، كشفت البعثة عن مجمع سكني يمتد على مساحة تقارب 30 × 60 مترًا، يحيط به سور من الطوب اللبن يبلغ عرضه نحو متر ونصف المتر.

وضم المجمع وحدات معمارية منظمة تتكون من صالات وغرف متفاوتة المساحات، بما يدل على وجود تخطيط عمراني واضح، وليس تجمعًا عشوائيًا للسكان.

كما عثر الباحثون، إلى الشرق من المنطقة السكنية، على مجموعة من الأفران وصوامع تخزين الحبوب، التي كانت تستخدم في إعداد الطعام وحفظ المحاصيل، وهو ما يعكس طبيعة النشاط الاقتصادي والمعيشي داخل المدينة.

لم تتوقف الاكتشافات عند المباني، إذ أسفرت أعمال الحفر عن العثور على مجموعة كبيرة من اللقى الأثرية، شملت جعارين، وأدوات برونزية، وأواني فخارية، ومكاحل مصنوعة من الألباستر، إلى جانب قنينات تحمل طراز "تل اليهودية" المعروف، وهو أحد أبرز الطرز الفخارية المرتبطة بعصر الانتقال الثاني.

وأكد مصطفى حسن أن هذه القطع لا توثق فقط مستوى الصناعة في ذلك العصر، بل تكشف أيضًا عن أنماط الحياة اليومية، وطرق استخدام الأدوات، وحجم التبادل التجاري الذي شهدته المنطقة.

من أبرز النتائج التي توصلت إليها البعثة، اكتشاف عدد من الدفنات الآدمية خارج المقابر المبنية بالطوب اللبن، وهو ما يُعد سابقة في الموقع.

وأوضح حسن أن بعض هذه الدفنات جاء في وضع القرفصاء، وهو نمط دفن غير معتاد في تل الكوع، ويخضع حاليًا لدراسات متخصصة لمعرفة دلالاته، وما إذا كان يعكس ظروفًا استثنائية أو يرتبط بفئة معينة من السكان.

كما أظهرت الدراسات الأولية للهياكل العظمية أن أعمار أصحابها تراوحت بين 25 و40 عامًا، مع وجود اختلافات واضحة في أوضاع الدفن.

كشفت الدراسات أيضًا عن وجود علامات إنتاج وأختام تجارية على عدد من الأواني الفخارية، وهو ما يشير إلى أن تل الكوع لم يكن مجرد تجمع سكني، بل كان مركزًا نشطًا للتبادل التجاري على طرق التجارة القديمة.

كما أثبتت الشواهد الأثرية استمرار استخدام الموقع حتى منتصف الأسرة الثامنة عشرة، بما يعكس استمرارية الاستيطان خلال مرحلة التحول من حكم الهكسوس إلى بداية الدولة الحديثة.

رغم أهمية الكشف الحالي، فإن تاريخ تل الكوع يعود إلى فترات أقدم بكثير، إذ شهد الموقع حفائر أجرتها بعثة مصرية عام 2010 برئاسة الأثري حمدي أحمد مشالي.

وكشفت تلك الأعمال عن مبانٍ من الطوب اللبن تعود إلى أواخر الألفية الرابعة وبدايات الألفية الثالثة قبل الميلاد، إلى جانب أوانٍ فخارية وأدوات استخدمت في الأنشطة اليومية، بما يؤكد أن الموقع احتضن استيطانًا بشريًا متواصلًا قبل عصر الهكسوس بقرون عديدة.

يرى مصطفى حسن أن ما كشفته الحفائر حتى الآن يمثل جزءًا فقط من تاريخ تل الكوع، مؤكدًا أن كل موسم حفائر يجيب عن أسئلة قديمة، لكنه يفتح الباب في الوقت نفسه أمام تساؤلات جديدة حول طبيعة الحياة في شرق الدلتا خلال تلك الفترات التاريخية.

ومع استمرار أعمال التنقيب، يواصل تل الكوع الكشف عن صفحات جديدة من تاريخ مصر القديمة، ليؤكد أن الرمال التي أخفت مدينة كاملة لآلاف السنين لا تزال تحتفظ بالكثير من الأسرار التي تنتظر من يزيح عنها الغبار.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان