إعلان

ديك يظهر ويختفي.. لغز الذهب المدفون في درب السندادية بواحة الخارجة - صور

كتب : محمد الباريسي

12:50 م 25/06/2026

تابعنا على

في قلب مدينة الخارجة، وبين أزقة درب السندادية التي تكاد تختفي تحت آثار الزمن، يقف بيت مصباح شاهدًا أخيرًا على ملامح الحياة القديمة في واحة الخارجة.

فالمنزل المبني من الطوب اللبن وجريد النخيل والدوم لا يحتفظ فقط بتفاصيل معمارية نادرة، بل يحيط به أيضًا إرث شعبي تتصدره حكاية "الديك والكنز"، التي تناقلتها أجيال الواحات باعتبارها إحدى أشهر أساطير الذهب المدفون.

تعود جذور درب السندادية، وفق ما قاله محمود عبد ربه، خبير التراث الواحاتي بالوادي الجديد، إلى المرحلة التي أعقبت انحسار الوجود الروماني وبدايات الحكم الإسلامي في مصر.

وأوضح خبير التراث الواحاتي محمود عبد ربه، لمصراوي أن غالبية الدراسات التاريخية تشير إلى أن الدرب بدأ يتشكل بوصفه النواة السكنية الأولى في المنطقة خلال القرن الرابع الهجري، الموافق القرن العاشر الميلادي، حول عين الدار أو «عين الحصن».

وأضاف عبد ربه أن الدرب لم يُبنَ دفعة واحدة، بل توسع تدريجيًا مع زيادة السكان، حتى صار شبكة من الممرات الضيقة والمتعرجة والمنازل المتلاصقة، وتنسجم هذه الصورة مع وصف الرحالة جورج ألكسندر هوسكينز عام 1832 لدروب واحة الخارجة، حين أشار إلى ضيقها والتفافها وصعوبة السير داخلها من دون دليل حتى في وضح النهار.

وقال عبد ربه، إنه على امتداد نحو 500 متر، كان درب السندادية يضم حارات صغيرة وبوابات عرفت بأسماء "المتاريس" و"الشيخ عتمان" و"كتان"، لكن هجرة السكان، وانهيار المباني، وتأثير الزمن، أدت إلى اختفاء معظم معالمه، ولم يبقَ منه بصورة واضحة سوى بيت مصباح، الذي تحول إلى مزار سياحي ووجهة للباحثين عن التراث الواحاتي.

روايات متباينة حول عمر المنزل

وتتباين الروايات الواردة بشأن عمر بيت مصباح؛ فبعضها يرجح بناءه عام 1875، بينما يقول مالكه منتصر مصباح إن عمره يتجاوز 500 عام، وتذكر رواية أخرى أنه يفوق 600 عام. كما تختلف الإفادات حول تكوينه بين ثلاثة وأربعة طوابق، وبين 12 و13 غرفة.

ويعكس هذا التباين الحاجة إلى دراسة توثيقية متخصصة تحسم تاريخ المنزل ومراحل بنائه بدقة.

وقال منتصر مصباح لمصراوي إنه اشترى المنزل بهدف إنقاذه من المصير الذي لحق ببقية درب السندادية، وأجرى له ترميمات محدودة حافظت على تصميمه الأصلي.

وأوضح أن البيت كان يستوعب عدة أسر من عائلة واحدة، مع تخصيص كل غرفتين لأسرة، إلى جانب غرفة لحفظ الحبوب والغلال، في مساحة تقدر بنحو 120 مترًا مربعًا.

وقال منتصر، إنه يبدأ بيت مصباح بممر منخفض مسقوف بجريد النخيل يعرف باسم "السقيفة"، وكان مشتركًا مع الجيران ويغلق بقطع خشبية قوية لحماية السكان من الغزاة واللصوص، ويرجع انخفاضه، بحسب منتصر مصباح، إلى الرغبة في منع الجمال والخيول من اقتحام المداخل، بينما ساعدت السلالم المزدوجة على حركة الأسر داخل المبنى.

أدوات تروي تفاصيل الحياة اليومية

وأضاف منتصر، أنه يحتفظ المنزل بأدوات استخدمها سكان واحة الخارجة، بينها "المهراس" لطحن الحبوب، و"الطابونة" لإعداد الخبز، والمنشار البلدي، و"المالقون" لحفظ التمر والطعام، ونول صناعة الحصير من نبات السمار، كما تضم غرفه مجسمات ولوحات لفناني الواحات، صنعت من جذوع النخيل وجريده، لتوثيق مظاهر التراث الواحاتي.

وتحول الطابق العلوي إلى مساحة لاستقبال زوار المزار السياحي، حيث تقدم مشروبات ووجبات محلية، وسط لوحات ومجسمات تحاكي الحياة القديمة. كما استقبل بيت مصباح وفودًا عربية وسياحية، من بينها وفد يمني ورد ذكره ضمن الزيارات الحديثة للمنزل.

أسطورة الديك والكنز المدفون

أما حكاية "الديك والكنز"، فيصفها منتصر مصباح بأنها أسطورة شعبية واحاتية، تقول إن ديكًا ذهبيًا يظهر للإنسان الطيب المحافظ على أسرته وعباداته، ثم يدله على موضع كنز مدفون داخل درب السندادية. ويرى أن القصة ربما استُخدمت قديمًا لجذب الأطفال إلى معرفة المكان وحفظ حكايته.

وطالب مالك بيت مصباح وزارة السياحة والآثار ومحافظة الوادي الجديد بدراسة توثيق المنزل، وتطوير الطريق المؤدي إليه، وتوفير خدمات مناسبة للزوار، مع ضمان استمرار دوره الثقافي.

ويؤكد أن الحفاظ على بيت مصباح لا يعني حماية مبنى قديم فحسب، بل صون آخر صفحة معمارية باقية من تاريخ واحة الخارجة ودرب السندادية.

ويقول خالد حسن، خبير سياحي، ووكيل مكتب السياحة السابق بالوادي الجديد، بالتراث لمصراوي إن قيمة المبنى لا تقتصر على قدمه، بل تمتد إلى نظام التهوية الطبيعية وسُمك الجدران واستخدام خامات البيئة المحلية، وهي عناصر جعلت بيت مصباح نموذجًا جديرًا بالدراسة.

أضاف خالد، أنه كما أسهم تحوله إلى مزار سياحي في إعادة تقديم التراث الواحاتي للزائرين، ودعم المطالب بالحفاظ عليه كمزار سياحي دائم ومهم.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان