إعلان

"كل ما زادت الآلات ضعفت الصحة".. حكاية "الحج حسني" مع مهنة صناعة الفؤوس بالمنوفية

كتب : أحمد الباهي

02:08 م 13/06/2026

تابعنا على

أمام منزل قديم تفوح منه رائحة الأصالة ومبني من الطوب اللبن بقرية "سنجلف" التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية، يجلس الحج حسني سليمان الحنفي، صاحب الـ 66 عاماً بلحيته الوقورة، وعينيه الخضراوين اللتين تحملان ملامح الزمن، وجلبابه الفلاحي البسيط، يقضي الرجل يومه محاطاً بالأخشاب والمطارق، ليواصل ممارسة واحدة من أندر الحرف التراثية التي أوشكت على الاختفاء تماماً من تفاصيل الريف المصري.

سر المهنة.. إرث "الحنفي" الكبير

لم يتلقَ الحج حسني أسرار صنعته في مدرسة أو ورشة حديثة، بل أشربها من والده الراحل "سليمان الحنفي"، الذي كان واحداً من أشهر صناع الأدوات الزراعية في مركز الباجور.

ويقول الحج حسني في حديثه لـ "مصراوي": "نشأت وعيت على الدنيا وسط الفؤوس، المعاول، البلط، المنقرة، الكوريك، الأزمة، والعوائة.. كان من الطبيعي أن تتشرب يداي الصنعة منذ الصغر، لأجد نفسي اليوم واحداً من القلائل الذين يمسكون بمطرقة هذه الحرفة في المحافظة".

35 عاماً بين طوع الخشب وصلابة الحديد

على مدار أكثر من 35 عاماً، يمضي الحج حسني ساعاته بين قطع الخشب والحديد؛ حيث يتولى تجهيز المقابض الخشبية وتركيبها بدقة شديدة.

وعن مراحل التصنيع يشرح قائلاً: "تبدأ مهمتي بعد أن يجلب الفلاح الجزء المعدني (السلاح) من عند الحداد، وهنا يأتي دوري في اختيار الخشب المناسب وتشكيله، ثم تثبيته بالمسامير وإجراء عمليات التخشين والتنعيم والتجهيز حتى تصبح الأداة طوع يد المزارع". لافتاً إلى أن متوسط تكلفة تجهيز وفنش الفأس الواحدة تبلغ نحو 200 جنيه تشمل الخامات والمصنعية.
ورغم دقة الحرفة، لا يعتمد الحج حسني سوى على أدوات يدوية بدائية، فيشير إلى مطارقه قائلاً: "لكل مبرّد ومطرقة عمل؛ فالمطرقة الثقيلة مخصصة للمسامير الكبيرة وضبط الحديد، والصغيرة للأعمال الدقيقة والتثبيت، وهي أدوات لم تتغير هندستها منذ عقود طويلة".

من الأسواق إلى بيوت الأبناء

ولا يتوقف نشاط صانع الفؤوس عند عتبة منزله؛ إذ يحرص على التردد على الأسواق الشعبية بمركز الباجور، لاسيما أسواق المستلزمات الريفية، من أجل جلب واختيار أفضل أنواع الأخشاب، ليعود بها ويركبها لتصنيع "المنقرة" التي تُستخدم لإزالة الحشائش الضيقة، و"القدوم" و"العوائة" وغيرها.
ويسترجع الحج حسني ذكرياته مع الصنعة بكثير من الرضا قائلاً: "هذه الحرفة كانت كريمة للغاية في سنواتها الذهبية، ومن رزقها تيسر لي تربية أبنائي وتزويجهم، ورغم تراجع الإقبال حالياً إلا أن بركتها ما زالت مستمرة".

كل ما زادت الآلات ضعفت الصحة

ويرى الحج حسني أن دخول الميكنة الحديثة بدّل أحوال المهن والناس في القرى؛ ويتذكر سنوات شبابه قائلاً: "الفلاح زمان كان يعتمد على قوته البدنية، وكان ذلك يمنحه صحة ونشاطاً؛ فحصاد القمح (ضم الغلة) كان يتم بالمنجل وبجهد يدوي جماعي تملؤه البهجة، أما اليوم فتدخل (الضمامة) الآلية لتنهي كل شيء في دقائق".

ويختتم الحج حسني حديثه بعبارة تلخص فلسفته: "كل ما زادت أعداد الآلات، كلما ضعفت صحة البشر وزال الاعتماد على حركة الإنسان ونشاطه".
ورغم زحف التكنولوجيا وتراجع الطلب، لا يزال الحج حسني متمسكاً بمقعده الخشبي أمام بيته الطيني، مستقبلاً بابتسامة صافيه مزارعاً يبحث عن فأس أصلية، ليظل حارساً وفياً لحرفة تقاوم الاندثار بفضل يدين تجاوَزتا الستين وما زالتا تطوعان الخشب والحديد.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان