لم يكن الطفل «سيف أحمد عيد»، صاحب الاثني عشر ربيعًا، يدرك أن رحلته القصيرة بحثًا عن مساعدة أسرته ستكون الأخيرة في حياته. فمثل غيره من أطفال قرى الفيوم، خرج سيف إلى الحقول مدفوعًا برغبته في الذهاب مع أقرانه، والمشاركة في أعمال جمع البصل، رغم أن ظروف أسرته المعيشية لم تكن بالقسوة التي تعانيها بعض الأسر الأخرى.
لم يكن سيف يحلم سوى بمشاركة أقرانه في العمل، بدافع الغيرة الطفولية منهم، بينما كان والده يعمل بمدينة السادس من أكتوبر في أحد مصانع الحديد والصلب، موزعًا أيامه بين مشقة الغربة ومتطلبات الحياة الأسرية.
ولسيف ثلاثة أشقاء؛ شقيقه الأصغر «إياد»، الطالب بالصف الأول الإعدادي الأزهري، وشقيقتاه «نيرة» و«بسنت»، اللتان تصغرانه سنًا.
كان يوم السبت يوافق عطلة رسمية بالمعهد الأزهري في نجع الأبيض، فاستغل إياد إجازته للتوجه برفقة إحدى قريباته، وتدعى «مروة»، للعمل في تنظيف البصل، مقابل أجر لا يتجاوز 100 جنيه، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تدفع بعض الأطفال إلى العمل في سن مبكرة.
وكما خرج إياد للعمل، دفع حب تقليد الأقران والغيرة الطفولية سيف إلى التوجه معهم إلى الحقول، لكن القدر كان له رأي آخر، لتنتهي رحلته داخل ميكروباص كان يقل عددًا من الأطفال، وسط ظروف نقل تثير تساؤلات بشأن توافر وسائل الأمان والحماية.
ويقول أحد أبناء القرية، بأسى وحزن: «ذهب سيف مثل أقرانه بدافع الغيرة، خاصة أنه أقلهم معاناة، لكن القدر دفعه إلى الهلاك داخل مركبة تحولت إلى تابوت طائر».
وكانت محافظة الفيوم قد استيقظت على وقع الحادث المأساوي، الذي أودى بحياة 10 أطفال، وأسفر عن إصابة 8 آخرين بجروح متفاوتة، أثناء توجههم للعمل في جمع البصل.
وتوزعت الخسائر البشرية للحادث بين القريتين، حيث لقي 8 أطفال مصرعهم من أبناء عزبة تادروس، فيما سقط ضحيتان من عزبة أبو حجاب، وكلتاهما تابعتان لمركز سنورس بمحافظة الفيوم.
لم يكن الحادث المروع مجرد واقعة تصادم على الطريق، بل أعاد تسليط الضوء على ظاهرة عمالة الأطفال، والظروف التي تدفع صغار السن إلى العمل في الحقول، فضلًا عن تكدس وسائل المواصلات المستخدمة في نقل العمالة الموسمية والزراعية.
وتطرح المأساة تساؤلات ملحة بشأن سبل حماية الأطفال، والرقابة على وسائل نقل العمالة الزراعية، ومدى توافر اشتراطات السلامة والأمان خلال رحلات نقلهم إلى مواقع العمل.
وبينما يبحث كثير من هؤلاء الأطفال عن لقمة العيش ومساعدة أسرهم، تبقى عائلات سيف وإياد وباقي ضحايا الحادث أمام فاجعة لا تعوض، بعدما خطف الموت أحلام أطفال لم تتح لهم الفرصة لاستكمال طفولتهم.
اقرأ أيضًا..
عزبة تادرس بالفيوم تتشح بالسواد حزناً على مصرع 7 صغار في حادث الأوسطي