إعلان

بالصور- حكاية أعظم مجمع ديني في تاريخ مصر القديمة على أرض الأقصر

كتب : محمد محروس

09:00 ص 27/10/2026

تابعنا على

على الضفة الشرقية لنهر النيل بمدينة الأقصر، تقف معابد الكرنك شامخة بشواهد حضارة مصر القديمة، لتحكي تاريخ آلاف السنين من عظمة المصريين القدماء وإبداعهم في فنون العمارة والنحت والتشييد، وتظل واحدة من أبرز المعالم الأثرية التي تستقطب الزائرين من مختلف دول العالم، بما تضمه من صروح ضخمة وأعمدة شاهقة ونقوش تسجل جانبًا مهمًا من تاريخ مصر الفرعونية.

"إبت سوت".. أكثر الأماكن تميزًا

عُرف الكرنك في مصر القديمة باسم "إبت سوت"، ومعناه "أكثر الأماكن تميزًا"، وكان من أعظم المعالم الدينية والسياسية في مصر القديمة، إذ يقع على الضفة الشرقية للنيل في مدينة طيبة (الأقصر حاليًا)، وكان مقرًا لعدد من المعابد والمقاصير.

ويمتد مجمع معابد الكرنك على مساحة تقدر بنحو 200 فدان، ويضم مجموعة من المعابد والمنشآت الدينية التي شيدت على مراحل متعاقبة، على مدار قرون طويلة، بمشاركة عدد كبير من ملوك مصر القديمة، الذين حرصوا على ترك بصماتهم داخل هذا الموقع الذي أصبح من أكبر المجمعات الدينية في العالم القديم.

وكان يُمارس في معبد آمون الكبير الطقوس الخاصة بالمعبود آمون، الذي تمتع بنفوذ كبير في مصر كمعبود رئيسي لطيبة، ويُعد الموقع مركزًا للثروة والقوة، إذ كان للكهنوت سلطة سياسية هائلة.

عصور من البناء المتواصل

لمع نجم طيبة في بداية الدولة الوسطى، مع نشأة السلالة الملكية التي وحدت مصر بعد عصر الانتقال الأول، ليصبح المكان أحد أعظم وأهم المدن في مصر القديمة، وتزامن ارتفاع مكانة آمون مع تقدم طيبة وازدهارها.

ومن عهد الملك إنتف الثاني (حوالي 2112–2063 ق.م) وحتى العصر البطلمي (305–30 ق.م)، استمر الملوك في الاهتمام بمعبد آمون من خلال مشروعات البناء ومستلزمات الطقوس الدينية، مع بعض الإضافات في العصر الروماني (30 ق.م–306 م)، وترك كل ملك بصمته في هذا الموقع المهم.

بينما يشير الدكتور محمد حراجي، أستاذ المصريات، إلى أن معبد آمون رع يعد أبرز منشآت مجمع الكرنك، وخصص لعبادة الإله آمون، الذي احتل مكانة بارزة في العقيدة المصرية القديمة، خاصة خلال عصر الدولة الحديثة، عندما أصبحت طيبة، الأقصر حاليًا، مركزًا سياسيًا ودينيًا مهمًا.

ولفت حراجي إلى أن المعبد شهد توسعات وإضافات معمارية على أيدي ملوك متعاقبين، من بينهم أمنحتب الثالث وسيتي الأول ورمسيس الثاني، إلى جانب ملوك آخرين تركوا آثارهم في أرجائه، ما أسهم في تشكيل صورته المعمارية الحالية التي تجمع بين صروح ضخمة ومسلات وأعمدة وقاعات ونقوش تاريخية.

مجمع هائل من المعابد

يتألف الكرنك من مجمع هائل من المعابد، بما في ذلك مقصورة آمون الكبيرة، ومقصورة موت زوجة آمون في الجنوب، ومقصورة مونتو في الشمال، ومعبد إخناتون المخصص لعبادة آتون في الشرق.

وبُني معبد آمون بمحور شرقي-غربي، في محاكاة لرحلة إله الشمس عبر السماء، ويمتاز أيضًا بمحور شمالي-جنوبي يجعله متصلًا بمعبد الأقصر، وهو معبد آخر مخصص لآمون في طيبة الجنوبية.

ويوجد معبد "آخ منو" الذي بناه تحتمس الثالث (حوالي 1479–1425 ق.م) في الطرف الشرقي من الكرنك، وكان مخصصًا لعبادة مجموعة من المعبودات وأسلافه، فضلًا عن أتباعه.

ويضم الجدار الخارجي لمعبد آمون معبدًا مخصصًا لخونسو في الزاوية الجنوبية الغربية، إضافة إلى معبد أوبت، أنثى فرس النهر (معبودة الولادة)، الذي تم بناؤه غالبًا في العصر البطلمي. ولا تزال البحيرة المقدسة، التي كان الكهنة يتطهرون فيها قبل أداء الطقوس، قائمة حتى اليوم.

صالة الأعمدة الكبرى

الخبير الأثري والسياحي محمود فرح، يقول إن عبقرية المصري القديم تتجلى في تصميم أعمدة معبد الكرنك، خاصة داخل صالة الأعمدة الكبرى، التي تعد من أبرز العناصر المعمارية بالمجمع، إذ تتزين تيجان عدد من الأعمدة بأشكال مستوحاة من النباتات المصرية القديمة، وفي مقدمتها زهرة البردي، التي ارتبطت بالحياة والبيئة الطبيعية في مصر القديمة.

ويضيف فرح: "وتضم صالة الأعمدة الكبرى 134 عمودًا حجريًا ضخمًا، تتوزع في صفوف متناسقة، وتصل ارتفاعات الأعمدة الكبرى في وسط الصالة إلى نحو 21 مترًا، بينما تتميز بقية الأعمدة بتصميماتها ونقوشها التي تعكس تطور العمارة الدينية لدى المصريين القدماء، ويصل ارتفاع بعضها إلى 15 مترًا".

ويوضح: "وتمنح هذه الأعمدة الضخمة الزائر إحساسًا بعظمة المكان، خاصة مع المشاهد المنقوشة على جدرانها، والتي توثق طقوسًا دينية وانتصارات ملكية واحتفالات ارتبطت بعقيدة المصري القديم".

وبدأت أعمال بناء هذه القاعة في عهد أمنحتب الثالث (حوالي 1390–1352 ق.م)، ولكن الزخارف والبناء الرئيسي تم في عهد كل من سيتي الأول (حوالي 1294–1279 ق.م) ورمسيس الثاني (حوالي 1279–1213 ق.م).

وبالقرب من هذه الأعمدة تقف مسلتان ضخمتان، شيدت إحداهما الملكة حتشبسوت (حوالي 1473–1458 ق.م)، ويبلغ ارتفاعها نحو 30 مترًا، ووزنها أكثر من 300 طن.

ولا تقتصر أهمية الكرنك على مبانيه الضخمة، بل تمتد إلى ما تمثله جدرانه من سجل تاريخي يوثق جانبًا من الحياة السياسية والدينية والعسكرية في مصر القديمة، من خلال مشاهد المعارك والطقوس والاحتفالات التي حرص الملوك على تسجيلها على الأحجار.

طريق الكباش وعيد الأوبت

ويرتبط معبد الكرنك بطريق الكباش، الذي يمتد حتى معبد الأقصر، وتزينه تماثيل على هيئة أبي الهول برأس كبش في أجزاء منه، بينما تظهر أشكال أخرى لأبي الهول برأس إنسان في أجزاء من الطريق.

واستخدم المصريون القدماء هذا الطريق في المواكب والاحتفالات الدينية، ومن أبرزها "عيد الأوبت"، أحد أهم الاحتفالات في التقويم المصري القديم، الذي ارتبط بانتقال تماثيل الآلهة في موكب احتفالي بين معبدي الكرنك والأقصر.

وأعادت أعمال الكشف والترميم والتطوير إحياء أجزاء الطريق، ليصبح أحد أبرز المقاصد التي تجمع بين المعالم الأثرية في قلب مدينة الأقصر، وتتيح للزائرين التعرف على جانب من الطقوس الاحتفالية التي شهدتها طيبة القديمة.

متحف مفتوح

ويحتفظ معبد الكرنك بمكانة بارزة على خريطة السياحة الثقافية في مصر، بفضل قيمته التاريخية والمعمارية، وما يضمه من آثار تعكس تطور الحضارة المصرية القديمة على مدار قرون.

وينتشر في أنحاء الكرنك العديد من المعابد الصغيرة والكنائس، مما يجعل الموقع بمثابة متحف مفتوح يعكس فنون وعمارة مصر القديمة في أبهى صورها.

ويحرص السائحون من مختلف الجنسيات على زيارة المجمع الأثري والتجول بين صروحه وأعمدته، والتعرف على النقوش التي تروي حكايات الملوك والآلهة والمعارك والاحتفالات، فيما تمثل الزيارات فرصة لاكتشاف جانب من تاريخ مدينة طيبة التي كانت عاصمة مهمة لمصر القديمة.

اقرأ أيضًا:

بالصور- تقنية حديثة بالطاقة الشمسية لحماية معبد هابو بالأقصر من الطيور

رعد وبرق في السماء.. الأقصر ترفع درجة الاستعداد القصوى لمواجهة الطقس السيئ - صور

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك