يحتفظ جبل الإنجليز غرب مدينة الخارجة بحكاية تتجاوز مشهده الصحراوي؛ فعلى قمته تتجاور الصخور السوداء مع بقايا ثكنة عسكرية، لتروي الطبيعة والإنسان فصلين مختلفين من تاريخ الوادي الجديد.
جبل الإنجليز التاريخي بالخارجة
وبين حجر داكن وعلبة طعام صدئة ونقش تركه جندي، يستعيد الزائر ملامح مكان جمع بين التكوينات الجيولوجية ومراقبة الدروب خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن يتحول إلى مقصد للمهتمين بالتاريخ والطبيعة.
ويقع الجبل على مسافة تقارب 25 كيلومترًا غرب مدينة الخارجة، منها نحو 20 كيلومترًا على طريق الخارجة–الداخلة، المعروف قديمًا بدرب الغباري.
وتبدو القمة مختلفة بلون صخورها وتكويناتها، بينما تفتح بقايا المباني بابًا لقراءة تاريخ الموقع، بعيدًا عن اختزال حكايته في الاسم الذي توارثه الأهالي.
الصخور السوداء
قبل ظهور الثكنة العسكرية بزمن طويل، تشكلت الملامح الطبيعية التي منحت جبل الإنجليز صورته المميزة، إذ تبرز فوق القمة طبقات صخرية صلبة داكنة.
ويوضح الدكتور جبيلي أبو الخير، أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم بجامعة الوادي الجديد، أن هذه الصخور تتكون من حجر رملي ارتبط بأكاسيد الحديد، وهو ما يفسر لونها الذي يتراوح بين الأسود والأحمر الداكن.
وبحسب تفسيره، ارتبط تكوّن هذه الصخور بمرور سوائل أرضية حارة تحمل الحديد، وترسيب مركباته بين حبيبات الحجر الرملي، لتعمل مادةً لاحمة تزيد من تماسكه. وبذلك، تتيح القمة فرصة لفهم التفاعلات بين الصخور والسوائل، دون اعتبار اللون الداكن وحده دليلًا على أصل بركاني أو احتراق سابق.
وأشار أبو الخير إلى أن هذه الخصائص تمنح الموقع قيمة تعليمية إلى جانب جاذبيته البصرية؛ إذ يستطيع المهتمون بالجيولوجيا تأمل اختلاف اللون والصلابة والتكوين، بينما يلاحظ الزائر التباين بين الصخور الداكنة والرمال المحيطة.
وهكذا تبدأ الحكاية الأقدم للجبل، التي سبقت أسماء الجنود ونقوشهم، وظلت حاضرة بعد انتهاء مهمتهم العسكرية ورحيلهم عن المكان.
الحرب العالمية الأولى
مع اندلاع المواجهات بين السنوسيين والقوات البريطانية في أواخر عام 1915، دخلت الصحراء الغربية مرحلة من الاضطراب العسكري.
وتشير الروايات التاريخية التي وثقها النصب التذكاري للحرب الأسترالية إلى خوض السنوسيين مواجهات ضد البريطانيين في مصر منذ أواخر ذلك العام، ضمن أحداث الحرب العالمية الأولى، وهو السياق الذي يفسر أهمية مراقبة طرق الصحراء ومداخل الواحات.
وقال محمد محسن عبد المنعم، المرشد السياحي بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن تحركات مجموعات السنوسيين القادمة من اتجاه ليبيا، مرورًا بالواحات، دفعت القوات البريطانية إلى تعزيز إجراءات المراقبة.
وأضاف أن إعادة تنظيم القوات والاستعانة بالهجانة والسيارات المدرعة ساعدتا على استعادة المبادرة خلال عام 1916، مع تراجع المجموعات عن بعض المواقع الداخلية.
ثلاث غرف لمراقبة الصحراء
في ظل هذه التطورات، ارتبط جبل الإنجليز بإقامة نقطة بريطانية لمتابعة الدروب غرب مدينة الخارجة.
وبحسب رواية المرشد السياحي، أنشأ ضابط يُعرف باسم «ويلمز» مقرًا يتكون من ثلاث غرف متلاصقة ودورة مياه للجنود، لأداء مهام المراقبة والإنذار المبكر.
وأوضح محسن أن اختيار موقع الثكنة فوق القمة أتاح مجالًا أوسع للرؤية، وساعد الجنود على رصد التحركات قبل اقترابها؛ إذ كانت التضاريس المكشوفة والارتفاع عنصرين مهمين في عمل نقطة المراقبة، خصوصًا في بيئة ترتبط الحركة فيها بالدروب ومصادر المياه والمسافات الطويلة بين الواحات.
وأشار إلى أن الجنود تركوا أسماء وعلامات وأرقام وحدات وتواريخ للوصول والمغادرة، فيما تحمل بعض النقوش تاريخ 9 أغسطس 1916.
وتضيف هذه الكتابات بُعدًا إنسانيًا إلى تاريخ الثكنة؛ فهي تنقل الحكاية من وصف عام للحرب إلى آثار أشخاص عاشوا فوق القمة وسجلوا حضورهم على جدرانها وصخورها.
وبحسب محسن، لا تقتصر الشواهد الباقية في الموقع ومحيطه على المباني والنقوش، بل تشمل أجزاء من أسلاك شائكة، وقواعد مصابيح قديمة، وعلب طعام معدنية، بينها عبوات تونة، فضلًا عن أجزاء من أحزمة الجنود.
وتكشف هذه البقايا جانبًا من تفاصيل الإقامة والإضاءة والغذاء، وتمنح قراءة المكان بُعدًا يوميًا يتجاوز شكل المباني.
وتبرز أهمية هذه الشواهد في اجتماعها داخل المشهد نفسه؛ فالمباني توضح طبيعة الإقامة، والنقوش تحفظ أسماء وتواريخ، بينما تشير الأدوات إلى بعض الاحتياجات اليومية للجنود الذين أقاموا في الموقع.
وقال محسن إن الموقع يستقطب هواة الجيولوجيا والمهتمين بالتاريخ العسكري، ومن بينهم زائرون بريطانيون.
ويرى أن الجمع بين المشهد الطبيعي والشواهد العسكرية يمنح جبل الإنجليز فرصة للاندماج ضمن مسارات الزيارة بمدينة الخارجة، إلى جانب معبد هيبس ومقابر البجوات ودرب الأربعين، بما يوسع تجربة التعرف إلى تاريخ الوادي الجديد وطرق القوافل القديمة.
واختتم المرشد السياحي بالتنبيه إلى وجود جبل آخر يحمل الاسم نفسه في الواحات البحرية بمحافظة الجيزة، ويرتبط أيضًا بموقع للمراقبة البريطانية.
لكن تشابه التسمية لا يعني وحدة المكان؛ فجبل الإنجليز بالخارجة مستقل جغرافيًا وإداريًا عن نظيره في الواحات البحرية، وهو ما يجعل تحديد موقع كل منهما أمرًا ضروريًا لفهم تاريخه وتجنب الخلط بين الروايتين عند الزيارة أو التوثيق.
اقرأ أيضًا:
رحلة إلى كوكب آخر.. حين تشاهد "موائد الشيطان" وعيون الماء في قلب الصحراء -صور
مياهها تظهر وتختفي.. لغز "عين السرو" بين الخيال والعلم في صحراء الفرافرة - صور