إعلان

لماذا لم تُفعّل "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك في ظل الهجمات الحوثية على السعودية؟

كتب : محمود الطوخي

02:36 ص 20/09/2026

لماذا لم تُفعّل «اتفاقية مكة» في ظل الهجمات الحوثي

تابعنا على

أعاد التصعيد العسكري الأخير في البحر الأحمر واعتراض الدفاعات السعودية طائرة مسيّرة جنوب مكة يوم 15 سبتمبر الجاري تسليط الضوء على بنود "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك الموقعة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

على مدار الأيام اللاحقة، فجّرت الواقعة تساؤلات حيال غياب أي رد عسكري ثلاثي مشترك حتى الآن، وحدود الالتزامات الفعلية التي تفرضها المعاهدة على أطرافها.

وفي ردود الفعل المتلاحقة على هذا الهجوم، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، السبت، أن استهداف سيادة السعودية ووحدة أراضيها يمثل تطورا بالغ الخطورة، مشيرا إلى إمكانية وجود احتياجات عسكرية لدى الرياض، خصوصا في الشق التقني، مشددا على استعداد أنقرة الكامل لتلبيتها.

رغم ذلك، تخلو تصريحات فيدان من أي إشارة إلى أي تحرك عسكري تركي محتمل، أو اتخاذ قرار بنشر قوات.

يتطابق هذا التقييم مع ما أوردته وكالة "أسوشيتد برس" في 16 سبتمبر، استنادا إلى إفادات مسؤولَين تركي وباكستاني أكدا فيها، أن إسلامك آباد وأنقرة لم تتلقيا أي طلب رسمي من الرياض لطلب المساعدة العسكرية بموجب الاتفاقية.

أوضح المسؤولان، أن عملية بناء مؤسسات التحالف لا تزال بحاجة إلى استكمال هياكلها التنظيمية قبل التحول إلى الجاهزية العملياتية الكاملة.

جاء هذا السجال السياسي عقب إعلان التحالف بقيادة السعودية اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من اليمن جنوب مدينة مكة في 15 سبتمبر، إذ اتهمت الرياض الحوثيين بمحاولة استهداف الأماكن المقدسة.

في المقابل، نفي المتحدث العسكري للجماعة يحيى سريع صحة تلك الاتهامات، زاعما حصر الهجمات في ضرب المنشآت النفطية والقواعد العسكرية البعيدة عن المشاعر الدينية.

أبعاد وثيقة مكة بين المعلن والمحجوب

وقع قادة السعودية وتركيا وباكستان الاتفاقية في مكة يوم 7 أغسطس الماضي.

وحدد البيان المشترك الصادر عن قمة التوقيع ثلاثة محاور رئيسية تمثلت في تعزيز منظومة الردع الجماعي لمواجهة أي اعتداء خارجي، وترسيخ مبدأ اعتبار الهجوم المسلح على أي طرف بمثابة هجوم مباشر على بقية الأطراف مجتمعة، فضلا عن توسيع شتى مجالات التنسيق والتعاون الدفاعي والتسليحي المشترك.

ربطت الخارجية الباكستانية، في رسالة التوقيع المعتمدة، مفهوم الدفاع الجماعي بمحددات المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع الشرعي عن النفس فرديا وجماعيا، مؤكدة الطابع الدفاعي للاتفاق وعدم توجيهه ضد أية دولة بعينها.

في المقابل، لم تنشر الأطراف الموقعة النص الحرفي والكامل للاتفاقية حتى الآن؛ إذ أشارت وكالة "رويترز" إلى أن الوثيقة لم تتضمن تفصيلا محددا لطبيعة الالتزامات العسكرية الإلزامية المفروضة على كل جيش، تاركة مساحة واسعة من الغموض حول سقف الإلزام القانوني بالتدخل الحربي المباشر.

وهذا ما عززه وزير الدبلوماسية العامة السعودي رائد قرملي في حسابه على "إكس"؛ حيث أوضح أن الاتفاقية تهدف لتعزيز الشراكات الدفاعية دون أن تشكل تكتلا طائفيا أو حلفا عسكريا هجوميا، فضلا عن عدم ارتباطها بسباقات تسلح أو طموحات نووية، وعدم مساسها بالاتفاقيات الأمنية القائمة سابقا، وهو ما يعكس الغرض السياسي العام دون كشف النصوص الإجرائية التفصيلية.

الموانع الدستورية والهيكلية داخل تركيا

تفسر طبيعة النصوص الدبلوماسية جانبا رئيسا من أسباب غياب الرد الميداني السريع؛ إذ شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أن مسألة تقديم المساعدة وصيغتها الميدانية ومداها تخضع حصريا لمشاورات مسبقة ومستقلة بين قادة الدول الثلاث في حال استهداف أي طرف، ما يعني صراحة أن مبدأ "الهجوم على عضو هو هجوم على الجميع" لا يطلق ردا حركيا تلقائيا أو تحركا عسكريا موحدا بصورة ميكانيكية.

إلى جانب ذلك، أفادت تقارير إعلامية نقلا عن مسؤول تركي أن الالتزامات العسكرية المشتركة لم تحز النفاذ التشريعي داخل تركيا بعد، مرجحا إحالة مسودة المعاهدة إلى البرلمان التركي للتصويت عليها خلال شهر أكتوبر المقبل، موضحا أن بناء آليات تقييم المخاطر وخطط الانتشار الميداني والتنسيق اللوجستي المشترك قد يستغرق مدى زمنيا يمتد لسنوات.

ويكتسب هذا العائق بعدا تشريعيا حاسما في ضوء الدستور التركي؛ إذ تقضي المادة 90 بوجوب استصدار قانون تصديق رسمي من البرلمان لاعتماد الاتفاقيات الدولية، في حين تشترط المادة 92 الحصول على إذن برلماني صريح ومسبق قبل إرسال قوات مسلحة إلى خارج حدود للدولة، ما لم يكن التحرك مستندا إلى معاهدة دولية استوفت كافة شروط النفاذ الدستوري.

وقد أعلنت وزارتا الخارجية في تركيا وباكستان مخرجات اجتماع وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان المنعقد في 31 أغسطس الماضي، والذي تقرر فيه إنشاء مقر للأمانة العامة للتحالف في السعودية بإشراف أمين عام باكستاني طوال السنوات الثلاث الأولى.

تطرقت وزارة الدفاع التركية، إلى إعداد خطط لإجراء مناورات برية وبحرية وجوية مشتركة، وتطوير أنظمة دفاع جوي ورادارات وطائرات مسيّرة ودعم لوجستي مستدام، وهي كلها ترتيبات تؤكد أن التحالف لا يزال في طور التأسيس الإداري والتقني ولم ينتقل بعد إلى مستوى الجاهزية القتالية التامة.

الحسابات الدقيقة في إسلام آباد وتمايز المسارات

تعكس المواقف الرسمية في إسلام آباد حذرا ملموسا؛ فبينما أكدت وزارة الخارجية الباكستانية يوم 10 سبتمبر سريان الاتفاقية، عادت لتؤكد بقاءها في مرحلة التشكيل المبدئي وحاجتها لمزيد من الترتيبات الإجرائية.

في مؤتمر صحفي في 17 سبتمبر، تجنب المتحدث باسم الخارجية الباكستانية الرد على سؤال حول عرض الاتفاقية على البرلمان، مكتفيا باستعراض الأهداف العامة ومبقيا الموقف الإجرائي البرلماني دون حسم علني.

وبرز تباين ملحوظ بين تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجه محمد آصف وبيانات وزارة الخارجية؛ ففي 9 سبتمبر، صرح آصف لـ"رويترز"، أن امتداد العدوان للأراضي السعودية سيجعل الاتفاق عمليا حتما، لترد الخارجية في اليوم التالي بالنفي التام لوجود أي نقاشات جارية بشأن رد عسكري وشيك، مؤكدة أن التحرك سيأتي في التوقيت الملائم.

وعقب حادثة مكة، عاد آصف في تصريحات لقناة "جيو" الباكستانية ليؤكد أن اللحظة الحرجة قد حانت وقد آن الأوان لتفعيل اتفاقية مكة، وأن بلاده ستقف مع الرياض دبلوماسيا وعمليا، مشددا على أن بأن حماية المقدسات واجب يتجاوز النصوص المكتوبة، ورافضا في الوقت نفسه كشف أي استراتيجية عسكرية أو إعلان تحريك لقوات قتالية.

لاحقا، أكدت وزارة الخارجية الالتزام بالاتفاق كاملا، مع إدراج تفاصيل استخدام القوة وتوقيتها ضمن نطاق السرية العملياتية.

وعلى مستوى محددات الاشتباك، كشفت وكالة "رويترز" نقلا عن مصادر باكستانية مطلعة، عن وجود تفاهم ثلاثي مسبق يستبعد تماما دخول قوات الحلف إلى الأراضي اليمنية، مع حصر الدور الباكستاني المحتمل في تأمين خطوط الدفاع داخل الحدود السيادية للمملكة، وهو ما ينسجم مع تأكيدات الخارجية الباكستانية على اعتماد الدبلوماسية والمسارات السياسية في التعاطي مع ملف الحوثيين وتفضيل خفض التصعيد.

ويستند هذا التباين إلى فارق جوهري بين "اتفاقية مكة" الثلاثية و"اتفاقية الدفاع الاستراتيجي الثنائي" الموقعة بين الرياض وإسلام آباد عام 2025؛ فالقوات الباكستانية المتواجدة حاليا في السعودية ترتبط بالمسار الثنائي التاريخي الذي يحدده بروتوكول عام 1982 بحسب دراسات مؤسسة "بروكينجز".

وكانت وزارة الدفاع السعودية أعلنت في أبريل الماضي، استقبال تشكيلات جوية باكستانية في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية لتعزيز الاستقرار، فيما أشارت تسريبات نقلتها "رويترز" عن مصادر في مايو إلى أن قوام هذا الانتشار يقارب 8 آلاف عسكري، و16 مقاتلة معظمها من طراز "JF-17"، وسربين من الطائرات المسيّرة، ومنظومة دفاع جوي "HQ-9".

وأقرت الخارجية الباكستانية في 17 سبتمبر بهذا الوجود العسكري، واصفة الاتفاق الثنائي بأنه نافذ وعملياتي، بينما بينت في سياق منفصل أن آليات "اتفاقية مكة" الثلاثية لا تزال قيد الإعداد وتتطلب اجتماعات مقبلة لتثبيتها.

الاتصالات مع طهران والقيود المفروضة أطلسيا

وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية غير المباشرة، أفادت "رويترز" نقلا عن مصادر أن إسلام آباد نقلت تحذيرا سعوديا مباشرا إلى طهران للضغط على الحوثيين، وهو ما نفته الخارجية الباكستانية رسميا واصفة الأنباء بأنها لا تستند إلى وقائع.

وكشفت صحيفة "فايننشال تايمز" يوم الجمعة نقلا عن شخصين مطلعين، أن قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير طلب مساعدة طهران لوقف الضربات، مذكرا بالتزامات بلاده الدفاعية بموجب الاتفاق الثنائي مع الرياض لعام 2025 دون توجيه إنذار عسكري مشروط بمهلة زمنية محددة أو إطلاق تهديدات هجومية.

وفي المقابل، تخضع الالتزامات التركية لقيود معاهدة حلف شمال الأطلسي "الناتو"؛ إذ تفرض المادة الثامنة من المعاهدة عدم إبرام أي اتفاقيات دولية تتعارض مع مقتضيات الحلف، في حين تحصر المادة السادسة النطاق الجغرافي لتطبيق المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع الجماعي في أراضي الدول الأعضاء.

ولذلك، تقع الأراضي السعودية خارج النطاق العملياتي للمظلة الأطلسية، ولن تؤدي أية ضربات تطال قوات تركية داخل المملكة إلى تفعيل الدفاع الجماعي للناتو بصورة تلقائية، كما لا توفر اتفاقية مكة للرياض أو إسلام آباد أي ضمانات أمنية أطلسية.

وأكدت الرئاسة التركية هذا الفهم الدبلوماسي، مشددة على أن وثيقة مكة تمثل أداة تعاون إقليمية مكملة لا تتقاطع مع التزامات أنقرة الأطلسية ولا تطرح نفسها بديلا عن الحلف.

الاستنتاج الميداني والسياسي

تثبت مجمل المعطيات والوقائع الموثقة، أن عدم الإعلان عن عمليات عسكرية ثلاثية بموجب "اتفاقية مكة" لا يترجم غيابا للدعم الموجه للمملكة، بل يرجع في جوهره إلى الطبيعة التشاورية للاتفاق التي تشترط توافقا سياسيا مستقلا لكل حالة دون إقرار رد جماعي وفوري.

ويضاف إلى ذلك بقاء المعاهدة في طور التأسيس الهيكلي وتأخر استكمال مساراتها الدستورية والقانونية في تركيا، إلى جانب التباين الواضح بين المسار الثنائي السعودي الباكستاني الفعلي على الأرض، والمظلة الثلاثية التي لا تزال أمانتها العامة وأطرها القيادية قيد البناء والتنسيق.

ويتكامل هذا المشهد مع ثبات الخطوط الحمراء المتفق عليها بين العواصم الثلاث، والمتمثلة في الامتناع التام عن خوض أي مغامرة عسكرية برية داخل اليمن، وتكريس الجهد لحماية سيادة الأراضي السعودية ومنشآتها الحيوية، مع تفضيل فتح القنوات الدبلوماسية مع طهران لاحتواء رقعة الصراع وتفادي الانزلاق نحو مواجهة إقليمية غير محسوبة العواقب.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان