اجتاحت احتجاجات واسعة النطاق عواصم ومدنا في آسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا والشرق الأوسط، بعد الارتفاع القياسي في أسعار الوقود وتجاوز خام النفط حاجز 100 دولار للبرميل نتيجة تداعيات حرب إيران، ما وضع الاقتصادات الهشة والقطاعات الحيوية أمام شلل تشغيلي وضغوط ديون غير مسبوقة.
واندلعت احتجاجات شعبية في امتدت من إندونيسيا إلى جواتيمالا وسوريا، جراء النقص الحاد في إمدادات الوقود والزيادات السعرية المتلاحقة، والتي تسببت في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي، وسط توجيه الحكومات أصابع الاتهام إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بالتسبب في هذه الأزمة العالمية المتجددة للطاقة.
ودفع وصول أسعار النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل المحتجين في جواتيمالا وسوريا إلى النزول للشوارع وإضرام النيران في الإطارات والسيارات للتعبير عن استيائهم، في حين شهدت شبكات الطرق في البرتغال مسيرات بطيئة للمركبات مع إطلاق متواصل للأبواق احتجاجا على تسجيل أسعار الديزل مستوى قياسيا تجاوز 9 دولارات للجالون الواحد.
وتتعرض قطاعات النقل والحكومات في الدول النامية في قارة آسيا، التي تعتمد بنسب كبيرة على واردات الطاقة من الشرق الأوسط وتثقلها الديون الناجمة عن محاولات سابقة لامتصاص آثار الحرب، لضغوط معيشية ومالية قاسية؛ إذ تسبب نقص المشتقات النفطية والصفوف الطويلة أمام محطات الوقود في إبطاء وتيرة النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع إضرابات نظمها سائقو سيارات الأجرة والعمال بعدما عجزت مداخيلهم عن تغطية التكاليف التشغيلية.
وتجد إدارات العديد من الدول نفسها أمام معضلة اقتصادية معقدة؛ بين خطورة تمرير الزيادات السعرية مباشرة للشارع المحتقن ما يغذي معدلات التضخم، وبين التوسع في شبكات الدعم الحكومي والمساعدات المالية، وهو المسار الذي يفاقم حجم الدين العام ويضع استقرار العملات الوطنية على المحك.
وصحيفة "نيويورك تايمز" نقلا عن سناء جفري، المحاضرة في الجامعة الوطنية الأسترالية والباحثة في شؤون النزاعات وبناء الدول في آسيا، أن التساؤل الملح يدور حول حجم القدرة المالية المتبقية لدى آسيا أو العالم النامي لإدارة هذه الهزة الجيوسياسية، مشيرة إلى أن استنزاف تلك القدرات سيقود إلى ارتدادات خطيرة على أسواق المال العالمية ويحول الأزمة في نهاية المطاف إلى مشكلة تخص المجتمع الدولي بأسره.
رصد لبؤر الاحتجاجات حول العالم
إندونيسيا
سجل سكان مدينة ماكاسار في جنوب سولاويسي خلال هذا الأسبوع شحا في غاز الطهي وانقطاعات دورية في التيار الكهربائي، إلى جانب اتجاه مفاجئ لتقنين استهلاك البنزين؛ حيث اضطر سائقو الدراجات النارية لدفع مركباتهم بعد نفاد الوقود أو تركها في صفوف ممتدة أمام مضخات مغلقة.
ونظم سائقو سيارات الأجرة في المدينة احتجاجات ضد اعتماد نظام تقنين جديد يقوم على تنظيم التزود وفق الأرقام الفردية والزوجية للوحات السيارات.
وامتدت رقعة التوتر إلى مدينة يوجياكارتا بجزيرة جاوا، حيث قاد الطلاب مسيرات منددة برفع أسعار الوقود، قبل أن تعترضها وتفرقها منظمات مؤيدة للحكومة بأسلوب هجومي.
وتصاعدت في الوقت نفسه النقاشات الرسمية بشأن حرمان الأسر الغنية والمتوسطة من الحصول على الوقود المدعوم، في ظل تسجيل الدين العام قفزات حادة منذ بدء الحرب، بعدما كانت تقديرات الموازنة الحكومية تفترض استقرار أسعار النفط عند حدود 70 دولارا للبرميل.
الفلبين
اضطرت أعداد كبيرة من الصيادين في خليج مانيلا، ممن يعتمدون على زوارق تعمل بالديزل أو البنزين، للبقاء داخل الموانئ بعدما كانوا يترقبون العودة إلى نشاطهم البحري إثر انتهاء موجة أمطار موسمية استمرت لأسابيع.
وأكد فيرناندو هيكاب، رئيس جمعية صيد رئيسية، أن رغبة الصيادين في استئناف العمل اصطدمت بالعجز عن شراء الوقود، لافتا إلى أن التعديلات السعرية الأخيرة شكلت عبئا ساحقا لا قبل للمشتغلين في المهنة باحتماله.
وشهدت مدينة كيزون مسيرات لسائقي الحافلات ومركبات النقل عبر التطبيقات الذكية، إلى جانب الاحتجاج الصامت عبر تعليق العمل، في سلوك تكرر أيضا في فيتنام خلال عطلة نهاية الأسبوع؛ حيث قاطع سائقو تطبيق "جراب" للنقل الذكي العمل رفضا لتدني الأجور المتأثرة بارتفاع تكلفة الوقود.
وأفاد مودستو فلوراندا، ممثل نقابي لمجموعة تضم 70 ألفا من سائقي ومالكي الحافلات في الفلبين، أن قضاء ما بين 15 إلى 18 ساعة عمل يوميا لم يعد يؤمن سوى وجبة طعام واحدة، معتبرا المنحة المالية غير المتكررة التي أقرتها الحكومة لسائقي النقل العام بنحو 80 دولارا غير كافية لمواجهة الغلاء.
جواتيمالا
خرج عمال قطاع النقل ونشطاء من السكان الأصليين في مسيرات عبر شوارع مدينة جواتيمالا، مطالبين بالانتقال من الحلول التسكينية المؤقتة كالدعم وتحديد السقوف السعرية، إلى قرارات جذرية تشمل تجميد الضرائب المفروضة على المحروقات، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي تصفه القوى الاحتجاجية بمصدر لتربح النخب والإضرار بالبيئة.
وأصابت حالة من الإحباط المزارعين في أمريكا اللاتينية جراء اعتمادهم الحيوي على الديزل لتشغيل الجرارات الزراعية؛ حيث وثقت تسجيلات مصورة في العاصمة جواتيمالا حشودا غفيرة يصف فيها أحد المنظمين الصراع القائم بأنه مواجهة بين تحالف الحكومات والأثرياء المترفين من جانب، وبقية الشعب المطحون من جانب آخر، مشددا على الاستمرار في الضغط على السلطات لتجاهلها الاحتياجات الغذائية الأساسية للطبقة العاملة.
وشهدت منطقة فيلا نويفا الواقعة إلى الجنوب من العاصمة مباشرة تصعيدا ميدانيا بعد بضعة أيام، تمثل في إضرام النيران بعدد من السيارات بالشوارع العامة.
البرتغال
احتشد السائقون في البرتغال استجابة لدعوات نُظمت عبر المنصات الرقمية، ونفذوا احتجاجات شملت السير البطيء للمركبات بالتزامن مع إطلاق الأبواق، ما تسبب في اختناقات مرورية خانقة على محاور رئيسية، شملت جسر 25 أبريل في العاصمة لشبونة.
وقام موكب من السيارات بقطع مسالك الوصول المؤدية إلى مصفاة تكرير رئيسية في مدينة سينيس للتعبير عن الغضب من مصالح شركات النفط والغاز، بحسب ما أورده موقع إخباري محلي.
وأوضحت نعومي حسين، الباحثة في علم الاجتماع السياسي بجامعة لندن والمتخصصة في صدمات الطاقة، أن الانطباع السائد لدى المجتمعات يربط بين غلاء الوقود والتضخم وبين وجود تحالف بين النخب السياسية وقطاع الأعمال.
ورأت حسين أن الارتفاعات التضخمية الكبيرة تدفع بالكتل التصويتية نحو التيارات اليمينية وتغذي الظواهر الشعبوية، في ظل عجز حكومات الوسط عن تحصين المواطنين ضد الصدمات الاقتصادية، وغياب البدائل الواقعية لدى أحزاب اليسار في معظم البلدان.
بنجلاديش
تعتمد بنجلاديش على الاستيراد لتغطية أكثر من 90% من استهلاكها النفطي الذي يتدفق معظمه من الشرق الأوسط، ما جعل النقص في الغاز الطبيعي المسال المخصص لتوليد الطاقة الكهربائية سببا مباشرا في فرض خطط تقنين وإغلاق مؤقت لمصانع الملابس الجاهزة التي تمثل القاطرة الأساسية لاقتصاد البلاد.
ولجأت قطاعات واسعة للديزل كبديل منذ اندلاع حرب إيران في فبراير الماضي، لتصطدم بزيادة متزامنة في أسعاره؛ حيث أوضح ربيع الحسن مهدي، المسؤول بأحد مصانع الملابس في جازيبور، المركز الرئيسي لصناعة النسيج، أن انقطاعات الكهرباء تتكرر بمعدل يتراوح بين 4 إلى 5 مرات يوميا، ليصبح التوقف القسري عن العمل لساعات طويلة هو الواقع المهيمن على المصانع وآلاف العمال.
سريلانكا
بدأت شركات توزيع المحروقات في سريلانكا في فرض قيود على الكميات الموردة للمحطات بانتظار تعديل تسعيرة الوقود الشهرية التي تحددها الحكومة، حيث صرح كومارا راجاباكشا، رئيس جمعية أصحاب محطات الوقود، لوسائل الإعلام بأن أصحاب المحطات باتوا يمارسون نشاطهم التشغيلي بخسائر مالية.
وأشار وزير الطاقة السريلانكي أنورا كاروناثيلاكا إلى أن الجهات المسؤولة تدرس الخيارات المتاحة بين إقرار زيادات سعرية رسمية أو توسيع حزم الدعم، في وقت تصنف فيه نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في البلاد ضمن المستويات الأعلى بين دول العالم النامي.
سوريا
اندلعت احتجاجات شعبية في المدن والساحات السورية فور إعلان السلطات عن خطة مؤقتة لرفع أسعار البنزين والديزل والمشتقات البترولية بنسب بلغت 40%؛ حيث تجمعت حشود المحتجين وعطلوا حركة السير وأشعلوا إطارات السيارات للمطالبة بالتراجع عن هذه القرارات وإلغاء الزيادات المقررة.
ووثق مقطع مصور متداول قيام أحد المواطنين بسكب مادة البنزين على جسده مهددا بإحراق نفسه قبل أن يتدخل المحيطون به لإنقاذه، فيما برر مسؤولو الحكومة القرارات الأخيرة بانعدام الخيارات البديلة أمام تداعيات الحرب وتأثيراتها المباشرة على تكاليف التوريد.