إعلان

خريطة الاستهدافات الحوثية في السعودية: ماذا تكشف وما دلالتها؟

كتب : محمود الطوخي

01:54 ص 16/09/2026

الهجمات الحوثية

تابعنا على

فجرت التوترات الإقليمية المتصاعدة حالة الهدوء النسبي التي أرستها الهدنة غير الرسمية بين السعودية وجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، لتشن الجماعة حملة قصف مكثفة لم تستهدف آبار النفط في باطن الأرض بقدر ما ركزت على الطرق والمنافذ التي يخرج منها الخام نحو الأسواق الدولية.

ويكشف التوزيع الجغرافي للعمليات، الذي رصده "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح (أكليد)" عبر توثيق 16 هجوما على أصول سعودية بين 13 يوليو و14 أغسطس شملت 7 منشآت نفطية و6 ناقلات بحرية، أن الضربات تركزت في الجنوب الغربي حيث المصافي ومراكز التوزيع.

وامتدت الضربات إلى العمق الشرقي في السعودية حيث كبرى منشآت المعالجة، وصولا إلى ممرات التصدير على البحر الأحمر، لتشكل خريطة مدروسة لقائمة مطالب تفاوضية صيغت بأدوات عسكرية.

المحطة الأولى: كسر الهدنة وبدء الحصار البحري في يوليو

تُوثق نقطة انطلاق المواجهة في 13 يوليو الماضي، حين شنت مقاتلات حربية غارات على مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، ليرد الحوثيون بقصف مطار أبها الإقليمي، في تصعيد عده "مركز صنعاء للدراسات" الأخطر منذ هدنة 2022 ومؤشرا مبكرا على الرغبة في ممارسة ضغط عسكري يدفع الرياض لتقديم تنازلات سياسية واقتصادية دون الانزلاق الفوري لحرب شاملة.

وسرعان ما نقلت الجماعة ضغوطها إلى الميدان البحري، حيث أعلن الحوثيون في 20 يوليو فرض حصار بحري على السعودية بدعوى الرد على حصار موانئهم ومطاراتهم، ليعقبه في 23 من الشهر نفسه استهداف ناقلتي النفط السعوديتين "إنسيليا" و"ليلى".

ونقلت وكالة الأنباء السعودية "واس" حينها تأكيدات رسمية بإصابة السفينة "إنسيليا" واشتعال النيران في مقدمتها مع نجاة طاقمها، في حين أعلن المتحدث العسكري للحوثيين إجبار قرابة 10 سفن على التراجع.

وتوسعت الهجمات الحوثية برا أواخر الشهر لتشمل أهدافا حيوية في الشرق والغرب؛ إذ استهدفت مصفاة أرامكو في جازان، البالغة طاقتها 400 ألف برميل في اليوم، لأول مرة في 25 و26 يوليو.

وأعلنت الرياض يوم 27 من الشهر نفسه اعتراض مسيرات استهدفت منشآت في المنطقة الشرقية والعاصمة والاحتفاظ بحق الرد، بالتزامن مع إعلان الحوثيين ضرب نقاط إمداد الخام المتجهة إلى ينبع واستهداف منشأة بقيق.

وتوضح مجلة "بوليتيكو" أن بقيق تعد أثقل هدف بخريطة الاستهدافات الحوثية؛ لمسؤوليتها عن معالجة 7% من إمدادات النفط العالمي وامتلاكها مكونات نادرة يصعب استبدالها سريعا مع استنفاد طاقة الاحتياط الدولية، مع بقاء أنباء الحريق المعلن هناك غير مؤكدة سعوديا.

المحطة الثانية: اتساع بنك الأهداف الحدودية في أغسطس

انتقلت العمليات في أغسطس إلى استهداف البنية التحتية والمطارات في المناطق المتاخمة للحدود؛ حيث استهدف الحوثيون مطار نجران يوم 4 أغسطس ردا على ما اعتبروه خرقا للأجواء في صعدة والحديدة، في إطار تصعيد طال 8 سفن ومنشآت طاقة ومطارا.

وأكدت صحيفة "فايننشال تايمز"، أن تكرار ضرب مصفاة جازان أحدث أثرا تشغيليا مباشرا تمثل في هبوط شحناتها بصورة حادة وتوقف صادراتها بالكامل خلال أغسطس، في وقت أعلنت فيه السلطات السعودية دراسة خيارات عسكرية تتضمن إسناد عمليات برية للقوات اليمنية التابعة للحكومة المعترف بها دوليا.

المحطة الثالثة: خنق شرايين التصدير وإسقاط المنافذ في سبتمبر

شهد شهر سبتمبر الجاري تحولا نوعيا في التكتيك العسكري؛ إذ خلص "معهد دراسات الحرب" إلى أن الحوثيين كثفوا استهداف المنشآت النفطية بعد إدراكهم عجز الحصار البحري عن إجبار الرياض على الامتثال، فلجأوا إلى ضرب قدرة المملكة التصديرية لرفع الكلفة السياسية والاقتصادية.

وشنت الجماعة اليمنية الموالية لإيران في 8 سبتمبر عملية واسعة استهدفت مدينة جازان للصناعات ومصفاتها وقواعد جوية ومنشآت أرامكو في أبها وخميس مشيط ونجران بعشرات الصواريخ والمسيرات، فيما أقرت وزارة الطاقة السعودية باندلاع حرائق وإيقاف مؤقت للعمليات في المنطقة الجنوبية، مع تسجيل إصابة 73 مدنيا، في تصعيد وصفته صحيفة "الجارديان" بالتوسع الكبير في المواجهة.

وتواصل القصف يومي 11 و14 سبتمبر مستهدفا حظائر الطائرات والرادارات في قاعدة الملك خالد بخميس مشيط وقاعدة شرورة بنجران دون تأكيد سعودي.

وتزامن ذلك مع سقوط ميناء المخا ثم سيطرة الحوثيين يوم 11 سبتمبر على جزيرة "بريم" قرب مضيق باب المندب، ليترافق ذلك مع إغلاق السعودية خط أنابيب "شرق - غرب" إثر تعرض محطات الضخ في الرياض والمدينة لهجمات مسيرة أكدت صور الأقمار الاصطناعية اشتعال النيران فيها رغم وصف وزارة الطاقة للإغلاق بالاحترازي، ما أدى إلى إغلاق حركة الممر المائي أمام السفن السعودية ومسار الضخ البري الذي ينقل 5 ملايين برميل يوميا نحو ينبع في غضون 48 ساعة فقط.

الدلالات الإستراتيجية والتفاوضية لخريطة الاستهداف

تكشف أبعاد هذا التحرك الميداني عن جملة دلالات حددتها مراكز الأبحاث؛ أولها ما تؤكده منصة "أربيان جولف بيزنس إنسايت" الاقتصادية و"مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، من أن الضربات استهدفت صمامات الأمان وممرات النقل البديلة لا آبار الإنتاج، موضحين أن القيد الحقيقي لم يعد حجم المخزون في باطن الأرض، بل سلامة شبكات التصدير نحو ينبع وجازان بعد تعطل هرمز، ما جعل قدرة المملكة على إيصال الخام للمشترين أدنى من طاقتها الإنتاجية.

ويرى "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، أن العمليات اعتمدت استراتيجية استنزاف غير نظامية بصواريخ كروز وباليستية ومسيرات لإلغاء الميزة الجغرافية لمسار البحر الأحمر وفرض تكاليف دفاعية مرهقة على الدفاعات الجوية السعودية.

ويوضح "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، أن التدرج في القصف استهدف توظيف شريان النفط لانتزاع مكاسب تخص الموانئ والمطارات دون التورط في مواجهة مباشرة.

ويؤكد "معهد دراسات الحرب" و"مشروع أكليد"، أن إعلان الحوثيين في 8 سبتمبر استمرار استهداف الشرايين الاقتصادية حتى تحقيق 4 مطالب، تشمل وقف العمليات العسكرية، ورفع القيود عن الموانئ والمطارات، ودفع الرواتب، وسداد تعويضات الحرب، يبرهن على أن الخريطة تحركت كأداة تفاوضية ترتكز على الإكراه الميداني مع إبقاء منافذ الحوار مفتوحة.

المسار الإقليمي العابر للحدود ومآلات الموقف

تتجاوز العمليات النطاق الجغرافي لليمن؛ حيث يوثق "معهد دراسات الحرب" أن مجموعات مسلحة متمركزة في العراق هي من نفذت على الأرجح الهجوم على خط أنابيب "شرق - غرب" ومحطات الضخ يوم 10 سبتمبر، في ظل تقييمات استخبارية تؤكد وجود تنسيق عملياتي بين الحوثيين وفصائل عراقية والحرس الثوري منذ أواخر يوليو لضرب مصالح الطاقة وتخفيف الضغط عن طهران.

وتعاملت الرياض مع هذا المسار بحزم عملياتي؛ إذ أعلن المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية تركي المالكي اتخاذ أقصى الإجراءات لردع التهديدات، مؤكدا أن أمن المنشآت الوطنية غير خاضع للمساومة.

ويخلص "مشروع أكليد"، إلى أن استمرار تعطل منفذي هرمز وباب المندب يضع صناعة الطاقة السعودية أمام ضغوط متزايدة، ويحصر الخيارات الاستراتيجية بين الذهاب نحو تسوية سياسية تلبي المطالب أو الانخراط في مواجهة أوسع، لتبقى خريطة الاستهداف مفتوحة على مزيد من التوتر ما لم تتوصل الأطراف إلى تفاهمات حاسمة تضمن فتح الممرات المائية واستقرار تدفقات الطاقة العالمية.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك