مع إحياء الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر، أفرجت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي أيه" عن 71 وثيقة كانت مصنفة سرية، كشفت عن تحذيرات مبكرة سبقت تنفيذ عمليات اختطاف الطائرات المدنية التي شكلت عصب تلك الأحداث.
وفي ذلك اليوم عام 2001، نفذ 19 عنصرا من تنظيم القاعدة مخططا عبر للسيطرة على 4 طائرات ركاب تجارية، صدموا بها برجي مركز التجارة العالمي، بينما سقطت الطائرة الرابعة في بنسلفانيا إثر مواجهة بين الركاب والخاطفين، ما تسبب في مقتل قرابة 3000 شخص.
وتوضح الملفات أن أجهزة الأمن رصدت مؤشرات الخطر قبل سنوات من وقوعه، بعدما سجلت الإيجازات الرئاسية تدريب عناصر تابعة لشبكة أسامة بن لادن على خطف الطائرات، واجتيازهم إجراءات التفتيش الأمني خلال تجربة في أحد مطارات نيو يورك، بجانب تحذيرات وردت بشأن استخدام طائرة محملة بالمتفجرات لضرب واشنطن ومدن أمريكية أخرى.
وورد في إيجاز استخباري يعود إلى سبتمبر عام 1998 أن الخيار المفضل لبن لادن يتمثل في "ضرب الولايات المتحدة في عقر دارها في واشنطن"، متضمنا الإشارة إلى احتمال تنفيذ تنظيم القاعدة عمليات عبر "صدم طائرة محملة بالمتفجرات في إحدى المدن الأمريكية".
وجاء هذا التقرير ضمن 71 وثيقة من الإيجازات اليومية للرئيس التي رفعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السرية عنها ونشرتها يوم الجمعة، ما أتاح الاطلاع على تقييمات الاستخبارات حول بن لادن والقاعدة في الفترة السابقة للهجمات.
واعتبر مدير الاستخبارات المركزية جون راتكليف عملية الكشف "عمل يتسم بشفافية استثنائية"، موضحا أن هذه المجموعة تعد أكبر عملية إفراج منفردة عن إيجازات رئاسية يومية في تاريخ الجهاز.
مسارات التسليح وتجارب اختراق المطارات
امتدت المخاوف المسجلة في الوثائق إلى محاولات تطوير أسلحة غير تقليدية وتجاوز الإجراءات الأمنية.
وفي يوليو 1998، أفاد مسؤولو الاستخبارات أنه "من المرجح أن يضع بن لادن أولوية قصوى لشن هجمات داخل الولايات المتحدة"، مع الإشارة إلى "اهتمامه بتنفيذ هجمات باستخدام مواد كيميائية وبيولوجية".
وبحلول ديسمبر من العام نفسه، تناول إيجاز آخر احتمالات الاختطاف، مبينا أن عناصر التخطيط "تمكنوا من تجاوز الفحوصات الأمنية خلال تجربة اختبارية في أحد مطارات نيويورك غير المحددة"، بالإضافة إلى أن "بعض أعضاء شبكة بن لادن تلقوا تدريبات على اختطاف الطائرات".
واستمرت متابعة تحركات التنظيم للحصول على مواد خاصة بتصنيع "القنابل القذرة" القائمة على دمج أسلحة تقليدية بمواد مشعة.
وفي يونيو 1999، أورد مسؤولو الاستخبارات أن عناصر القاعدة أجروا تجارب على مواد متفجرة بهدف "زيادة طاقتها التدميرية"، كما تطرقت الإيجازات التي رفعت إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن مطلع عام 2001 إلى متابعة "تجارب بن لادن بوسائل بدائية لتصنيع ونشر عناصر بيولوجية".
مؤشرات التخطيط قبيل سبتمبر 2001
تواصلت التحذيرات الموجهة للقيادة الأمريكية مع الاقتراب الزمني من تاريخ الهجمات.
وقبل شهر واحد من وقوعها، أفاد تقرير صدر في أغسطس عام 2001 أن بن لادن لا يزال عازما على "تنفيذ هجمات إرهابية في الولايات المتحدة"، لافتا إلى أن العمليات السابقة أظهرت "أنه يعد للعمليات قبل سنوات من تنفيذها ولا تثنيه الانتكاسات".
ورصد التقرير نفسه "أنشطة مشبوهة داخل البلاد تتوافق مع التحضيرات لعمليات اختطاف أو أنماط أخرى من الهجمات"، شملت مراقبة مبان تابعة للحكومة الفيدرالية في نيويورك، إلى جانب إجراء مكتب التحقيقات الفيدرالي قرابة 70 تحقيقا داخليا يعتقد بارتباطها ببن لادن.
ولا تكشف الأوراق المنشورة معرفة مسبقة لدى مسؤولي الإدارة الأمريكية بالتفاصيل الدقيقة الخاصة بمخطط 11 سبتمبر، في ظل شطب مساحات واسعة منها لحجب أسماء المصادر والبيانات التعريفية.
وأشارت وكالة "أسوشيتد برس"، إلى أن هذه الملفات لم تقدم معطيات جديدة حول مسار التخطيط للهجمات أو طبيعة استيعاب المسؤولين الأمريكيين لمجرياتها في ذلك التوقيت.
وكانت وقائع 11 سبتمبر عام 2001 قد أسفرت عن مقتل قرابة 3 آلاف شخص، إثر إقدام 19 عنصرا من تنظيم القاعدة على خطف 4 طائرات نقل تجارية اصطدمت ببرجي مركز التجارة العالمي، بينما تحطمت الطائرة الرابعة التابعة للرحلة رقم 93 لشركة يونايتد إيرلاينز في بنسلفانيا بعد مقاومة الركاب وأفراد الطاقم للخاطفين.
وتضمنت الوثائق تقريرا مؤرخا في 12 سبتمبر 2001 ذكر فيه أحد المصادر أن التحضير لتلك الهجمات استمر لمدة عامين، وكان يستهدف مبنى الكابيتول الأمريكي أيضا.
شهادات إدارة الأزمة في البيت الأبيض
تزامنت هذه الإفراجات مع استعادة قادة الإدارة الأمريكية السابقة لتفاصيل اللحظات الأولى للهجوم.
واستحضر الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، الذي كان يتولى الرئاسة أثناء الأحداث، تفاصيل تلقيه النبأ في كلمة ألقاها خلال مناسبة بمركز جورج بوش الرئاسي في دالاس يوم الأربعاء، مستذكرا وجوده في فصل دراسي بولاية فلوريدا لمتابعة طفلة تقرأ، حينما تقدم رئيس موظفي البيت الأبيض آنذاك أندي كارد لإبلاغه باصطدام طائرة ثانية ببرج التجارة العالمي وأن البلاد تتعرض لهجوم.
وقال بوش: "لم يكن لدي وقت كاف لاستيعاب الأمر، لكن كان واضحا جدا بالنسبة لي أنه إذا كنا نتعرض لهجوم، فإن وظيفتي هي حماية الطفلة التي كانت تقرأ لي وعائلتها وبلادها.. لقد كانت لحظة وضوح".
ومن جانبها، استعادت كونداليزا رايس، التي تولت منصب مستشارة الأمن القومي خلال عهد بوش وقت وقوع الهجمات، جوانب من مسار التعامل الحكومي أثناء مشاركتها في مراسم إحياء الذكرى بمقر البنتاجون يوم الجمعة.
وقالت رايس: "نحن الذين كنا في السلطة في ذلك اليوم لم ندرك طبيعة الخطر في الوقت المناسب لمنع هجوم 11 سبتمبر.. فعلنا ما كنا نعرف أنه يجب فعله، لكنه لم يكن كافيا بطبيعة الحال"، معربة عن استمرار "شعور عميق بالندم الشخصي على الألم الذي ما زالت عائلات الضحايا تشعر به، وعلى الصدمة التي تعرضت لها بلادنا".
مواقف ترامب ورؤساء أمريكيين في ذكرى الهجمات
شهدت الفعاليات الرسمية والشعبية مشاركة قادة أمريكيين للتأكيد على دلالات الحدث.
وحضر الرئيس دونالد ترامب رفقة زوجته ميلانيا ترامب المراسم التي أقيمت في البنتاجون يوم الجمعة لإحياء الذكرى الـ25، حيث جرى الاستماع لتلاوة أسماء 184 شخصا قضوا في استهداف مبنى وزارة الدفاع مع قرع الأجراس إثر ذكر كل اسم، مستعرضا سير عدد من الضحايا في خطابه.
وقال ترامب: "اليوم نجدد القسم المقدس الذي أديناه باسمهم قبل ربع قرن"، مضيفا: "لن ننسى أبدا. لهذا السبب نقاتل اليوم، فليس لدينا خيار آخر سوى تحقيق النصر. نقاتل بقوة ونقاتل لننتصر. وسنتذكر دائما الضحايا وعائلات 11 سبتمبر 2001".
بدوره، استذكر الرئيس السابق جو بايدن الضحايا البالغ عددهم 2977 شخصا، بالإضافة إلى الآلاف ممن وافتهم المنية لاحقا نتيجة الأمراض المرتبطة بمخلفات التفجيرات.
وشدد بايدن على وقوفه وزوجته جيل بايدن إلى جانب عائلات الضحايا، مع التعبير عن التقدير لأطقم الاستجابة السريعة وركاب الرحلة 93 وجميع من قدموا خدمات للبلاد في أعقاب تلك الأحداث.
وكتب بايدن عبر منصة "إكس" "حتى الآن، نتذكر الدرس الأكبر من أحد أكثر أيام أمتنا قتامة: في أوقات ضعفنا الأشد، تكون وحدتنا هي مصدر قوتنا الأعظم".
وفي السياق نفسه، تناول الرئيس الأسبق باراك أوباما حجم الصدمة والغموض اللذين رافقا يوم الهجمات، لا سيما للأجيال التي كانت في سن صغيرة عام 2001 أو لمن ولدوا بعد ذلك التاريخ.
وأوضح أوباما، عبر تدوينة على منصة إكس، أنه وزوجته ميشيل أوباما يستحضرون ذكرى الذين سقطوا في الهجمات وفي النزاعات المسلحة التي أعقبتها، موجها الدعوة للأمريكيين للتمسك بالعبرة المستخلصة من تلك الواقعة، قائلا: "يمكننا الصمود حتى في أشد أيامنا قتامة، طالما أننا نمضي قدما كأمة واحدة وشعب واحد".