ترامب و مجتبى - صورة تعبيرية
بعد أشهر من المواجهة بين إيران وأمريكا، لا تزال الإجابة عن سؤال "مَن الرابح؟" محل خلاف بين القراءات السياسية والعسكرية. فالحسم يتوقف بدرجة كبيرة على معيار "الانتصار"؛ فإذا كان المعيار هو التفوق العسكري، تبدو واشنطن في موقع أقوى، بينما تملك طهران أوراقا مُهمة إذا كان المعيار هو "الصمود ورفع كلفة المواجهة على الخصم".
أما إذا كان المعيار هو الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والنظام الدولي، فإن الحرب قد تكون ألحقت خسائر متفاوتة بجميع الأطراف، بما في ذلك إيران وأمريكا وإسرائيل ودول المنطقة، وفق تحليل نشرته شبكة "يورونيوز".
تحوّل في مسار الحرب
عقب توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في يوليو الماضي، دخل الصراع مرحلة جديدة غيّر خلالها الطرفان من أساليبهما، واتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى "تشديد الضغوط الاقتصادية" على إيران، بينما تبنت طهران نهجا "أكثر هجومية" بهدف رفع كلفة المواجهة وإجبار واشنطن على إعادة حساباتها.
ومع استمرار التوتر، عاد سؤال "الرابح والخاسر" إلى الواجهة، في ظل اختلاف واضح بين تقييم نتائج الضربات العسكرية، وقدرة كل طرف على تحمل الضغوط، والتداعيات الاقتصادية والسياسية التي خلفتها الحرب.
الرأي الأول: "إيران لم تنتصر"
تستند إحدى القراءات إلى أن الحديث عن نجاح إيران في تحقيق انتصار من خلال الصمود أمام الضربات الأمريكية والسيطرة على مضيق هرمز كان سابقا لأوانه، وأن تطورات الأشهر الأخيرة أظهرت "تغيرا تدريجيا في موازين القوة"، وفق "يورونيوز".
وبحسب هذا التصور، "لا تُحسم الحروب بالضربات العسكرية وحدها، وإنما بمدى قدرة الأطراف على الحفاظ على النفوذ وتحمل الضغوط وفرض شروطها على أرض الواقع".
وتُقسم شبكة "سي إن إن" مسار الحرب إلى 4 فصول، بدأ أولها بالقصف الجوي المكثف في 28 فبراير، قبل أن يأتي الفصل الثاني مع وقف إطلاق النار في 7 أبريل وبدء المفاوضات.
أما الفصل الثالث، فشهد استئناف إيران استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز، في محاولة لتثبيت "معادلة جديدة" ورفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها.
لكن الفصل الرابع، وفق هذه القراءة، أظهر أن "أمريكا لا تزال قادرة على تغيير المعادلة"، بعدما أعادت منذ منتصف يوليو فرض حصار عسكري على الموانئ الإيرانية، مع تحركات لتأمين الممرات الملاحية ودعم عودة حركة الشحن.
وأفادت وكالة "بلومبرج"، بأن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز عادت إلى نحو ثلثي مستويات ما قبل الحرب، وهو ما يعني، إذا استمر، تراجع قدرة إيران على استخدام المضيق كـ"ورقة ضغط استراتيجية".
ومن هذا المنظور، فإن أهداف التحرك الأمريكي في المرحلة الحالية تبدو "أكثر وضوحا"، مع التركيز على الحصار وتسهيل حركة الملاحة، بما يمنح واشنطن، وفق أصحاب هذا الرأي، أفضلية لم تكن واضحة في المراحل الأولى من الحرب.
الرأي الثاني: "إيران لا تزال تملك أوراقا رابحة"
في المقابل، ترى قراءة أخرى، وفق "يورونيوز"، أن طهران "لا تزال الطرف الأكثر قدرة على الصمود"، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تواجهها.
ويستند هذا الرأي إلى أن النظام الإيراني لم يسقط، وأن طهران لا تزال تمتلك القدرة على استخدام مضيق هرمز وشن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يفرض تكاليف مرتفعة على أمريكا وحلفائها.
وتقوم الاستراتيجية الإيرانية، بحسب هذه القراءة، على "استنزاف الخصم باستخدام أسلحة منخفضة الكلفة نسبيا في مواجهة منظومات دفاعية باهظة الثمن"، بما يسمح لطهران بإطالة أمد المواجهة.
كما تُراهن إيران على عامل "الوقت"، انطلاقا من أن الضغوط السياسية والانتخابية داخل الديمقراطيات الغربية قد تجعل استمرار الحرب أكثر صعوبة، بينما يستطيع النظام الإيراني تحمل حرب استنزاف طويلة نسبيًا.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه بدورها "تحديات متزايدة"، خصوصا مع تشديد واشنطن العقوبات والحصار على الاقتصاد الإيراني. وقد يُؤدي تراجع مخزونات النفط الموجودة خارج نطاق الحصار إلى تقليص قدرة طهران على الحفاظ على تدفق صادراتها خلال الأشهر المقبلة.
وفي حال استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، قد يتجدد "الغضب الشعبي" داخل إيران، ما يجعل قدرة النظام على الصمود مرتبطة ليس فقط بقدرته العسكرية، وإنما بقدرته على تحمل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، وفق "يورونيوز".
الرأي الثالث: "لا رابح في هذه الحرب"
تذهب قراءة ثالثة إلى أن البحث عن منتصر "مُطلق" في هذه المواجهة "قد يكون مُضللا"، لأن استمرار الحرب يفرض تكاليف استراتيجية واقتصادية وأمنية على جميع الأطراف.
فحتى إذا تمكنت إيران من الصمود في مواجهة الضربات، فإن ذلك لا يعني أنها خرجت من الحرب دون خسائر، في ظل الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية واقتصادها وقدراتها العسكرية.
وفي المقابل، فإن انهيار النظام الإيراني، وهو أحد الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها، قد لا يُمثّل بالضرورة "انتصارا استراتيجيا"، إذ يُمكن أن يُؤدي إلى فراغ أمني وفوضى أوسع وانتشار جماعات مسلحة وميليشيات عابرة للحدود.
أما أمريكا، وعلى الرغم من تفوقها العسكري، فقد تواجه خسائر من نوع آخر، تتعلق بـ"صورة واشنطن ونفوذها الدولي ومكانتها" باعتبارها إحدى القوى الرئيسية التي تقود النظام العالمي.
ويحذّر أصحاب هذا الرأي من أن استمرار العمليات العسكرية قد يُؤدي إلى "اتساع رقعة التصعيد في الشرق الأوسط"، بما يُهدد أمن إسرائيل ودول المنطقة، ويفتح الباب أمام صراعات نفوذ أوسع تتجاوز حدود الحرب الأمريكية الإيرانية.
وبذلك، فإن استمرار الحرب قد يجعل النتيجة النهائية أقرب إلى "خسارة جماعية"، وإن اختلفت طبيعة الخسائر وحجمها من طرف إلى آخر، وفق "يورونيوز".
الرأي الرابع: "مَن يستفيد ماليا من الحرب؟"
تطرح قراءة أخرى السؤال من زاوية مختلفة، لا تتعلق فقط بالنتائج العسكرية والسياسية، وإنما بالمستفيدين اقتصاديا من استمرار الحرب.
ووفق هذا التصور، فإن ارتفاع الإنفاق العسكري الأمريكي وتوسع الطلب على أنظمة الدفاع والطاقة "قد خلق فرصا مالية لشركات مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بشبكة استثمارات عائلة الرئيس دونالد ترامب".
ومِن بين الأمثلة التي يطرحها هذا الرأي شركة "باوروس" العسكرية، التي يستعد إريك ترامب ودونالد ترامب الابن لإدراجها في البورصة، والتي حصلت على عقد من القوات الجوية الأمريكية بقيمة 90 مليون دولار لتوريد أنظمة اعتراض للطائرات المسيّرة الإيرانية.
كما تمتلك شركة "1789 كابيتال مانجمنت"، التي انضم إليها دونالد ترامب الابن بعد إعادة انتخاب والده، حصصا في شركات تعمل في قطاعات الدفاع والتكنولوجيا، من بينها "أندوريل" و"سبيس إكس" و"فاير هوك ديفنس"، وهي شركات استفادت من عقود أو توسع في الإنفاق المرتبط بالدفاع والأمن.
وبحسب تقرير صادر عن "الديمقراطيين"، ارتفعت قيمة محفظة ترامب الاستثمارية في أسهم شركات الدفاع والنفط بنحو 15.5 مليون دولار، بينما ينفي البيت الأبيض وجود تضارب في المصالح.
وتُثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن العلاقة بين استمرار الحرب وارتفاع الإنفاق الدفاعي، وما إذا كانت بعض الشركات المرتبطة بشبكة استثمارات عائلة ترامب تحقق مكاسب مباشرة أو غير مباشرة من تداعيات الصراع، وفق "يورونيوز".
مَن الرابح الحقيقي؟
تختلف الإجابة باختلاف معيار "الانتصار". فإذا كان المعيار هو التفوق العسكري والقدرة على فرض معادلات جديدة، تبدو "الولايات المتحدة الأمريكية في موقع أقوى"، بينما تظل إيران قادرة على استخدام أوراقها العسكرية والجغرافية لرفع كلفة الحرب.
أما إذا كان المعيار هو الصمود وتحمل الضغوط واستنزاف الخصم، فلا تزال "طهران" تملك عناصر قوة تسمح لها بمواصلة المواجهة، رغم الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وفي المقابل، فإن معيار الاستقرار الإقليمي والنظام الدولي يقود إلى نتيجة "أكثر قتامة"، إذ إن استمرار الحرب قد يعني خسائر للجميع، من الاقتصاد والطاقة إلى الأمن والاستقرار والنفوذ الدولي.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو مَن انتصر في هذه الحرب، وإنما أي طرف يستطيع تحمل تكلفتها لفترة أطول، ومن سيدفع الثمن السياسي والاقتصادي والأمني عندما تضع المواجهة أوزارها.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News