6 آلاف بحار عالقون وملاحة شبه متوقفة.. ماذا يحدث في مضيق هرمز بين إيران وأمريكا؟
كتب : مصطفى الشاعر
ماذا يحدث في مضيق هرمز بين إيران وأمريكا؟
بعد 6 أشهر من الحرب، دخل مضيق هرمز مرحلة "استثنائية"، وسط مواجهة متصاعدة بين إيران وأمريكا ألقت بظلالها على حركة الملاحة، إذ لا يزال الممر مفتوحا جزئيا أمام بعض السفن، لكن وسط قيود متغيرة ومخاطر أمنية متزايدة وتكاليف شحن مرتفعة.
وتحوّلت حركة الملاحة في المضيق إلى مؤشر مباشر على "موازين القوة" بين إيران وأمريكا، بينما باتت كل رحلة بحرية اختبارا للمخاطر التي تواجهها شركات الشحن، وانعكست تداعيات الأزمة على أسواق النفط وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية.
إيران تؤكد "سيطرتها الكاملة" على مضيق هرمز
رفضت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني التصريحات الأمريكية بشأن "بقاء مضيق هرمز مفتوحا"، معتبرة أن هذه التصريحات تهدف إلى التأثير على أسعار النفط والتغطية على ما وصفته بـ"الإخفاقات الأمريكية".
وقالت القوات البحرية الإيرانية، في بيان، أمس السبت، إن "القيود المفروضة على الملاحة ستظل قائمة إلى حين انتهاء العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران وتنفيذ الالتزامات المرتبطة بها".
ونقلت وكالة "دانشجو" الإيرانية عن نائب الشؤون السياسية في الحرس الثوري يدالله جواني، قوله إن أمريكا، على عكس إيران، "لا تملك أي ورقة عسكرية لتكشفها"، منتقدا التصريحات التي تربط اندلاع الحرب بملف تخصيب اليورانيوم.
حركة الملاحة عند أدنى مستوياتها
تشهد حركة الملاحة في مضيق هرمز مرحلة "شديدة الحساسية"، في ظل تصاعد المخاطر البحرية بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تستهدف التوصل إلى ترتيبات تسمح باستمرار حركة السفن.
وجاء ذلك بعد تأكيد هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية "UKMTO" تعرّض ناقلة النفط "مترو فينيشيان" لقذيفة مجهولة في 27 أغسطس، ما أدى إلى اندلاع حريق وإلحاق أضرار بمحرك السفينة.
وتزامن الحادث مع وساطات تقودها "قطر وعُمان وباكستان"، إلى جانب مباحثات عمانية إيرانية بشأن فتح ممر ملاحي مؤقت على مراحل، وتنفيذ عمليات مشتركة لإزالة الألغام.
وبحسب المقترحات المطروحة، سيقتصر الممر المحتمل على "السفن التجارية"، مع استبعاد السفن الحربية، في حال التوصل إلى اتفاق بشأن آلية العبور.
وأظهرت بيانات نظام التعريف الآلي التي رصدتها منصة "شيب فايندر" استمرار الحذر في حركة السفن، إذ بلغ عدد السفن الموجودة داخل الخليج العربي نحو 4204 سفن في 28 أغسطس، ضمن نطاق "مستقر نسبيا" خلال الشهر الماضي تراوح بين 3530 و4426 سفينة.
في المقابل، تراجعت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز من 29 سفينة إلى 6 سفن فقط في 28 أغسطس، بينها 4 سفن داخلة وسفينتان مغادرتان، في أدنى مستوى خلال 30 يوما.
وضمت السفن التي عبرت المضيق ناقلتي البضائع السائبة "جياشون" و"آناسيسيليا"، وناقلة الشحنات السائلة "كينغبيرد أرو"، إلى جانب قاطرات وسفن محلية، وسط غياب ناقلات النفط الخام وناقلات الغاز الطبيعي المسال الكبرى.
وبحسب أحدث بيانات "هرمز ستريت مونيتور" في 29 أغسطس، عبرت سفينة واحدة فقط خلال 24 ساعة، بينما انتظرت 312 سفينة الحصول على إذن للعبور، بينها 157 ناقلة.
وتعكس هذه الأرقام طبيعة الحركة "المُقيدة" داخل المضيق، إذ باتت أولوية العبور مرتبطة بالاحتياجات التشغيلية والأمنية أكثر من كونها حركة تجارية طبيعية.
مخاوف من الألغام تهدد حركة السفن
يزداد "الغموض" بشأن مستقبل الملاحة في المضيق مع تأكيد الجيش الأمريكي تطهير ممرات الشحن الدولية من الألغام، في مقابل تحذيرات من حلفاء واشنطن بشأن احتمال بقاء ما بين 80 و150 لغما في المنطقة.
وتُضيف هذه المخاوف "عاملا جديدا" إلى المخاطر التي تواجه السفن، في وقت تُحاول فيه شركات الشحن تحديد مدى إمكانية استئناف الحركة بصورة طبيعية عبر واحد من أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.
أرباح ناقلات النفط تقفز إلى مستويات قياسية
أدت المخاطر المرتبطة بالملاحة عبر الخليج العربي إلى "ارتفاع كبير" في تكلفة نقل النفط، مع عزوف عدد كبير من ملاك الناقلات عن عبور مضيق هرمز، ما منح السفن المستعدة لتحمل المخاطر قدرة أكبر على فرض علاوات مرتفعة.
وبحسب بيانات "بورصة البلطيق"، بلغت أرباح الناقلات العملاقة التي تنقل النفط من السعودية إلى الصين نحو 656 ألف دولار يوميا الجمعة، وهو مستوى يتجاوز عشرة أضعاف ما كانت تحققه قبل عام.
وبرزت شركة "سينوكور غروب" الكورية الجنوبية بين أكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار النقل، بعدما أجّرت سفنا بتكاليف مرتفعة في ظل الطلب المتزايد على نقل الخام.
وبات نقل النفط عبر مضيق هرمز ينطوي على تكاليف إضافية، تشمل "رسوما أو مبالغ كبيرة لعبور المضيق"، إلى جانب أجور الرحلات التي تبدأ بعد نقل الشحنة إلى ناقلة أخرى خارج المضيق.
ووصلت تكلفة استئجار سفينة على هذا المسار إلى نحو 220 ألف دولار يوميا، مقارنة مع 131 ألف دولار قبل شهر، بينما تجاوزت تكلفة عبور مضيق هرمز 20 مليون دولار.
كما أسهمت هجمات "الحوثيين" في زيادة تكاليف الشحن، بعدما اضطرت السعودية إلى تحويل بعض شحنات النفط حول أفريقيا، ما يُضيف نحو 30 يوما إلى الرحلات ويزيد الضغط على المعروض العالمي من الناقلات، وفق "الشرق بلومبيرج".
نحو 6 آلاف بحار عالقون في الخليج
لا تقتصر تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة، إذ لا يزال آلاف البحارة عالقين في الخليج العربي منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط في 28 فبراير.
وبحسب المنظمة البحرية الدولية، تعرّضت سفن شحن دولية لما لا يقل عن 70 هجوما منذ بدء الصراع، أسفرت عن مقتل 19 بحارا.
وقال الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز، وفق "الشرق بلومبيرج"، إن أزمة مضيق هرمز لا تزال دون حل بعد 6 أشهر من اندلاع الصراع، مشيرا إلى استمرار آلاف البحارة في العمل وسط مخاطر متزايدة وغموض بشأن قدرتهم على مغادرة المنطقة بأمان.
ووفقا للمنظمة، لا تزال نحو 400 سفينة تحمل قرابة 6 آلاف بحار "عاجزة" عن الخروج بأمان من الخليج العربي، رغم تمكن عدد من السفن وأطقمها من مغادرة المنطقة.
وحذّر دومينغيز، من تداعيات الأزمة على "سلاسل الإمداد الحيوية للوقود والأسمدة" وغيرها من السلع، وما قد تفرضه من أعباء إضافية على الاقتصادات والمجتمعات حول العالم.
ودعا دومينغيز، الدول وقطاع الشحن إلى تكثيف التعاون مع المنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة بهدف "استعادة حرية الملاحة في المضيق"، تنفيذا لقرار اعتمده مجلس المنظمة في يوليو لحماية الممرات البحرية وضمان المرور العابر دون قيود.
صادرات النفط الإيرانية تقترب من التوقف
وفي الوقت الذي بدأت فيه صادرات بعض دول الخليج في التعافي تدريجيا، تواجه إيران "تراجعا حادا" في قدرتها على تصدير شحنات جديدة من النفط، تحت وطأة القيود البحرية الأمريكية والعقوبات المفروضة على شبكاتها المالية.
ووفقا لشركة "كبلر"، تراجعت قدرة إيران على تصدير شحنات جديدة من الخام إلى مستويات تقترب من الصفر، بالتزامن مع استهداف واشنطن الشبكات المصرفية الأجنبية التي تعتمد عليها طهران في تحصيل عائداتها النفطية.
وقال همايون فلكشاهي، كبير محللي النفط في "كبلر"، إن تدفقات الخام والمكثفات من منتجي الخليج الآخرين تعافت إلى نحو 70% من مستويات ما قبل الحرب، بينما تواجه إيران صعوبات متزايدة في نقل الشحنات التي جرى تحميلها حديثا.
وأضاف فلكشاهي، في تصريحاته لـ "الشرق بلومبيرج"، أن الوضع تغير بصورة "كبيرة" مقارنة ببداية الحرب، عندما كانت إيران قادرة على تصدير نفطها في وقت كانت فيه صادرات جيرانها متعثرة، بينما أصبحت طهران الآن تواجه صعوبة في تصدير شحنات نفط جديدة.
ملايين البراميل الإيرانية لا تزال في البحر
رغم اقتراب الصادرات الجديدة من التوقف، فإن التأثير الكامل لذلك على الإيرادات الإيرانية "لن يظهر فورا"، بسبب وجود ملايين البراميل التي جرى تحميلها قبل تشديد القيود ولا تزال في طريقها إلى الأسواق الآسيوية.
وتُقدر "كبلر" وجود ما بين 40 و50 مليون برميل من النفط الإيراني في المياه الآسيوية، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت نحو 80 مليون برميل.
وأرجع فلكشاهي، انخفاض الكميات المتبقية إلى ارتفاع عمليات التفريغ في الصين إلى قرابة مليون برميل يوميا، وهو ما يعني أن "تفريغ المخزونات الحالية قد يستغرق نحو 50 يوما".
كما يحصل المشترون الصينيون على فترات سداد تتراوح بين شهر وشهرين، ما يُؤخر ظهور "الانعكاس الكامل" لتراجع الصادرات الجديدة على الإيرادات النفطية الإيرانية.
وبحسب تقديرات "فلكشاهي"، إذا استمر الحصار والقيود الحالية، فقد تتراجع الإيرادات النفطية الإيرانية فعليا إلى الصفر خلال فترة تتراوح بين 3 و4 أشهر، في مؤشر على حجم التحول الذي أحدثته أزمة مضيق هرمز في حركة الطاقة بين إيران وجيرانها.
وهكذا، يكشف واقع مضيق هرمز بعد 6 أشهر من الحرب عن معركة تتجاوز السيطرة على ممر بحري، لتُصبح اختبارا لقدرة إيران وأمريكا على فرض شروطهما، في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية أي تحول قد يُعيد فتح المضيق بصورة طبيعية أو يدفع الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News