إعلان

كيف استغل ترامب قانونًا شُرع قبل قرن لفرض رسوم 50% على كندا؟

كتب : محمود الطوخي

01:21 ص 23/08/2026

دونالد ترامب

تابعنا على

انزلقت العلاقات الاقتصادية بين أمريكا وكندا إلى مواجهة تجارية مفتوحة وحادة يوم السبت، عقب انهيار المحادثات الرسمية المباشرة في واشنطن، ما فتح الباب أمام تطبيق رسوم جمركية واسعة وتهديدات انتقامية متبادلة بين الحليفين التاريخيين.

انهيار المفاوضات ومسار الحرب التجارية بين أمريكا وكندا

تبادل الجانبان المسؤولية الكاملة عن تعثر المحادثات التي استمرت حتى وقت متأخر من ليلة الجمعة، لتبادر أمريكا إلى إقرار رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات من البضائع الكندية تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، في حين حددت أوتاوا يوم 8 سبتمبر المقبل موعدا لبدء سريان حزمة عقوباتها الجمركية الانتقامية.

تستهدف الضرائب الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرابة 5% من إجمالي الشحنات السنوية التي تصدرها كندا إلى الأسواق الأمريكية، وتشمل قائمة واسعة من السلع والمنتجات تبدأ من مضارب الهوكي وصولا إلى خافضات اللسان الطبية.

أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، أن بلاده سترد بفرض حماية جمركية نوعية وموجهة لدعم القطاعات والصناعات الوطنية الأكثر تضررا من الرسوم الأمريكية، مخصصا بالذكر بعض منتجات الصلب، بالإضافة إلى قطاعات الألبان والأجهزة المنزلية والمعدات الزراعية والورق وعجائن الورق والالكترونيات، وسط غياب تام لأي خطط لعقد جولات تفاوضية جديدة وفقدان متزايد للثقة المتبادلة.

اتهم كارني الجانب الأمريكي بتحويل "الاندماج الاقتصادي كسلاح"، معتبرا أن التوقيع الأمريكي "كتب بقلم رصاص"، ومستخدما مصطلحات تعكس حدة الموقف بالتأكيد على أن بلاده تتعرض لـ"هجوم" جمركي منظم.

وأضاف كارني: "أنت في حالة حرب عندما تتعرض للهجوم"، مشددا على امتلاك كندا الاحتياطيات الاقتصادية والمرونة الكافية والخطط اللازمة للرد.

من جانبه، دافع كبير مفاوضي ترامب التجاريين والممثل التجاري الأمريكي جيميسون جير عن الموقف الأمريكي، معتبرا أن واشنطن كانت مجبرة على اتخاذ هذا المسار بعد عام كامل من الإجراءات والتدابير الانتقامية التي فرضتها كندا.

وصرح جير في لقاء تلفزيوني، قائلا: "لقد قلنا إن هذا يكفي، ولذا اتخذنا إجراءات مضادة. إن مصلحتنا تكمن في حماية العمال الأمريكيين وحماية سلاسل التوريد الأمريكية".

مطالب السيادة ومواقف أطراف الحرب التجارية بين أمريكا وكندا

أوضح كارني أن كندا كانت تبدي استعدادا كاملا لإلغاء ما تبقى من رسومها الجمركية الانتقامية المفروضة على منتجات الصلب والألومنيوم والسيارات إذا قدمت أمريكا خفضا حقيقيا وملموسا لرسومها، مع تشجيع المقاطعات الكندية على إعادة السماح بمبيعات المشروبات الكحولية الأمريكية، غير أن الشروط النهائية التي وضعتها واشنطن تجاوزت الحدود المقبولة.

وقال: "لقد طلبوا الكثير وقدموا القليل جدا".

أكد جير في المقابل أن الإدارة الأمريكية عرضت خفض الرسوم الجمركية على قطاعات الصلب والسيارات والأخشاب، واصفا إياها بأنها "أشياء حساسة بالنسبة لهم. ولقد كان لديهم دائما أفضل اتفاق، وكان سيتوفر لهم اتفاق أفضل، لكنهم لم يريدوا ذلك"، مضيفا: "نحن نمضي قدما في الإجراءات التي ترد على الانتقام الكندي".

كشف كارني عن إضافة واشنطن شروطا تعجيزية في اللحظات الأخيرة استهدفت تقليص الإعفاءات الجمركية الممنوحة للمركبات المصنعة داخل الأراضي الكندية، وتقييد سيادة كندا في إبرام اتفاقيات تجارة حرة مع دول أخرى، والنيل من الحماية المقررة للهوية والثقافة واللغة الوطنية، واصفا تلك الاشتراطات بأنها كانت "غير مقبولة"، في تحول مفاجئ لمسار التفاوض الذي بدا قبل يومين فقط قريبا من التوصل لتسوية وسطية.

أشاد رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو، كبرى المقاطعات الكندية سكانا، دوج فورد بموقف كارني ورفضه القاطع للصفقة، مؤكدا أنها كانت ستلحق أضرارا بالغة بقطاعات تصنيع السيارات والصلب في أونتاريو، داعيا الحكومة الفيدرالية إلى استخدام "كل أداة في صندوق أدواتنا" لمجابهة الرسوم الأمريكية.

التداعيات السياسية والاتفاقيات في ظل الحرب التجارية بين أمريكا وكندا

ألقى هذا التوتر بظلال سلبية كثيفة على مستقبل الاتفاقية التجارية المشتركة لشبكة أمريكا الشمالية التي تضم أمريكا وكندا والمكسيك وتعد شريانا صناعيا رئيسيا للدول الثلاث؛ حيث صرح كارني بأن هذا الانهيار "بالتأكيد ليس خبرا جيدا" للمراجعة الدورية للاتفاقية، مشيرا إلى أن تعثر المحادثات منح أوتاوا "منظورا جديدا" لطبيعة الأهداف الحقيقية التي تسعى واشنطن لتحقيقها من الروابط الاقتصادية الأشمل.

تتجاوز الانعكاسات السياسية للأزمة حدود الخسائر الاقتصادية المباشرة بين بلدين بلغ حجم التبادل التجاري السلعي والخدمي بينهما 880 مليار دولار في العام الماضي؛ إذ كان مقررا دخول الرسوم حيز التنفيذ في الساعة 12:01 من صباح الأربعاء قبل أن يمدد ترامب المهلة لثلاثة أيام إضافية دون التمكن من التوصل لاتفاق.

تمتلك الدولتان تاريخا طويلا من النزاعات التجارية التكتيكية حول ملفات مثل واردات الخشب اللين الكندي ونفاذ المنتجات الأمريكية لقطاع الألبان الكندي المحمي، إلا أنهما حافظتا تاريخيا على شراكة استراتيجية وتحالف متين تجلى في القتال المشترك للجنود الكنديين إلى جانب الأمريكيين في أفغانستان عقب أحداث 11 سبتمبر، والاستناد إلى أطول حدود برية غير محمية في العالم تمتد بطول 5525 ميلا، يعبرها يوميا أكثر من 330 ألف شخص وبضائع تفوق قيمتها ملياري دولار، إلى جانب استقرار 800 ألف كندي داخل أمريكا.

يمثل نهج ترامب قطيعة واضحة مع إرث التعاون التقليدي، عبر فرضه رسوما متكررة لإجبار المصانع على العودة للأراضي الأمريكية، وإطلاقه تصريحات مثيرة للجدل حول إمكانية تحويل كندا إلى الولاية الأمريكية رقم 51، وهو ما دفع كارني للتأكيد على أن بلاده باتت تدرك أن "أمريكا قد تغيرت" وأن البلدين "لن يعودا إلى علاقتهما القديمة".

أثار هذا التوتر غضبا شعبيا واسعا داخل كندا؛ حيث جمعت عرائض تطالب بطرد السفير الأمريكي وحليف ترامب، بيت هوكسترا، قرابة 248 ألف توقيع منذ 21 يوليو الماضي، موجهة للنائب الجمهوري السابق عن ولاية ميشيجان اتهامات بمحاولة "إضفاء الشرعية" على أطروحات ترامب بشأن ضم كندا.

السند القانوني والضغوط الاقتصادية مع الحرب التجارية بين أمريكا وكندا

ترتبط الدولتان بمصالح اقتصادية حرجة؛ إذ استقبلت السوق الأمريكية نحو 72% من مجمل صادرات البضائع الكندية خلال العام الماضي، في حين تواجه إدارة ترامب مخاطر تضخمية ناجمة عن دفع المستوردين الأمريكيين للرسوم الجمركية وتحميلها للمستهلكين عبر رفع الأسعار، قبيل استحقاق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل وسط استياء الناخبين من غلاء المعيشة.

علق الشريك في شركة "كينج آند سبالدينج" والمسؤول التجاري الأمريكي السابق رايان ماجيروس على الموقف قائلا: "سيكون كلا الجانبين تحت ضغط هائل في الأيام المقبلة لإيجاد مخرج"، وفقا لوكالة "أسوشيتد برس".

وحذر رئيس تحالف المائدة المستديرة للأعمال، الكيان الممثل لكبرى الشركات الأمريكية، جوشوا بولتن، من أن الرسوم والإجراءات الانتقامية تهدد بـ"رفع التكاليف على الشركات والعائلات الأمريكية" والتسبب في تعطيل سلاسل التوريد الحيوية، داعيا الحكومتين إلى استئناف المفاوضات فورا.

يعتمد ترامب على الرسوم الجمركية كعماد لسياسته الاقتصادية في ولايته الرئاسية الثانية؛ فبعد أن فرض العام الماضي ضرائب استيراد مزدوجة الرقم مبررا ذلك بإعلان العجز التجاري حالة طوارئ وطنية، قضت المحكمة العليا في فبراير الماضي بعدم دستورية قراره وإلغاء تلك العقوبات وإلزام الحكومة بإعادة الأموال للمستوردين.

دفع حكم المحكمة العليا إدارة ترامب للبحث عن بدائل تشريعية أخرى لتمرير الرسوم؛ فاستندت في حالتها ضد كندا إلى المادة 338 من قانون الرسوم الجمركية لعام 1930، وهو نص تشريعي يعود لحقبة الكساد الكبير يتيح فرض رسوم تصل إلى 50% على الدول التي تمارس سياسات تمييزية ضد الشركات الأمريكية، وهو جزء من قانون "سموت هولي" للرسوم الجمركية الذي يحمله المؤرخون والاقتصاديون مسؤولية مفاقمة الكساد الكبير عبر خنق التجارة العالمية، ولم يسبق استخدامه قط في تاريخ أمريكا لفرض رسوم.

يتزامن هذا الصراع مع مساعي الدول الثلاث لتجديد الاتفاق التجاري المشترك الذي تفاوض عليه ترامب في فترته الأولى، فبينما دشنت أمريكا محادثات رسمية مع المكسيك لتعديل بنود الاتفاقية، لم تنطلق أي مفاوضات مع الجانب الكندي، وسط شكوك متزايدة حول مصير هذا المسار في ظل استمرار التصعيد الراهن.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان