إعلان

تهديدات بلا تنفيذ.. هل فقد ترامب تأثير "العصا الأمريكية" في مواجهة إيران؟

كتب : محمد جعفر

02:36 م 18/08/2026

دونالد ترامب

تابعنا على

بين التهديد بالقصف والتراجع عن التنفيذ، تتبلور واحدة من أكثر مفارقات السياسة الأمريكية تجاه إيران وضوحًا: رئيس يرفع سقف تهديداته إلى حد التلويح بتدمير دول وبنيتها التحتية، لكنه يتراجع مرارًا عندما يحين موعد تنفيذ ما توعد به.

وفي أحدث فصول هذه السياسة، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرًا مباشرًا إلى سلطنة عُمان، مهددًا بقصفها إذا وقفت في طريق الجهود الأمريكية في مضيق هرمز، وقال ترامب لقناة "فوكس نيوز": "إذا وقفت عُمان في طريقنا، فسوف نقصفها بشدة".

تصريحات ترامب تجاه إيران لا تلقى صدى كبير

بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن"، فإنه وبرغم خطورة التصريح، تبدو مسقط أقل اندفاعًا نحو التعامل معه باعتباره تهديدًا وشيكًا، في ظل سجل طويل من التهديدات الأمريكية التي أطلقها ترامب خلال الأشهر الماضية دون أن تتحول إلى أفعال، وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فالرئيس الذي لطالما انتقد الرؤساء الأمريكيين السابقين بسبب إطلاق تهديدات لم ينفذوها، بات يعتمد بصورة متزايدة على التهديد كأداة رئيسية في إدارة الحرب مع إيران.

تهديدات تتكرر.. والتراجع هو النتيجة

على مدار الحرب الإيرانية، وجه ترامب سلسلة من الإنذارات لطهران، وحدد في عدة مناسبات مطالب ومواعيد نهائية، قبل أن يتراجع عن تنفيذ الهجمات التي لوّح بها.

وقبل نحو أربعة أشهر، جرى رصد خمسة تهديدات وجهها ترامب إلى إيران خلال أقل من شهرين من اندلاع الحرب، وكلها تضمنت مطالب محددة ومواعيد نهائية واضحة، إلا أن الرئيس الأمريكي ألغى في كل مرة الهجوم الذي كان قد هدد به.

ولم يكن التراجع نتيجة حصول ترامب على ما أراده من إيران بالضرورة، بل كان غالبًا مرتبطًا بحديثه عن وجود "سبب آخر" يدفعه إلى التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب، لكن هذه التوقعات لم تتحول في أي من المرات إلى اتفاق مستدام، وهو ما جعل التهديدات الأمريكية تبدو أقرب إلى وسيلة تمنح ترامب مخرجًا من التصعيد، بدلًا من كونها إنذارات تمهد لتحرك عسكري فعلي.

وفي بعض الحالات، وصل سقف هذه التهديدات إلى الحديث عن إنهاء الحضارة الإيرانية أو استهداف بنيتها التحتية، وهي تهديدات قد تثير بدورها تساؤلات قانونية ودولية بشأن مشروعية استهداف منشآت مدنية.

إيران تراقب.. وعُمان ليست وحدها

المشكلة بالنسبة إلى واشنطن لا تتعلق فقط بمدى تصديق عُمان للتهديد الأخير، وإنما بكيفية قراءة إيران لهذا السجل بأكمله.

فحتى إذا كانت هناك مفاوضات تجري خلف الكواليس ولا يطلع الرأي العام على تفاصيلها، فمن المرجح أن تكون طهران أكثر دراية بمدى تراجع ترامب عن تهديداته السابقة، وبالفارق بين ما يعلنه الرئيس الأمريكي عن تقدم المفاوضات وما يحدث فعليًا على الأرض.

ووفقًا للتقرير، لم تظهر في كثير من الحالات التي تراجع فيها ترامب عن تهديداته، أدلة واضحة على أن إيران كانت بالفعل على وشك الموافقة على المطالب الأمريكية، ومع تكرار هذا النمط، تصبح التهديدات أقل قدرة على دفع طهران إلى تقديم تنازلات، خصوصًا إذا كانت تدرك أن واشنطن قد تتراجع قبل الوصول إلى لحظة التنفيذ.

وقد يكون من المنطقي أن يصر الرئيس الأمريكي في مرحلة ما على نتيجة ملموسة قبل التخلي عن تهديداته، لكن استمرار المفاوضات رغم تشكيكه أحيانًا في صدقية إيران يعكس تناقضًا واضحًا بين لغة التصعيد ومسار التفاوض.

تهديدات ترامب في هرمز.. أين الرد؟

لم يقتصر الأمر على التهديدات العامة، إذ أعلن ترامب في 22 يوليو أنه مقابل كل هجوم إيراني على سفينة في مضيق هرمز، ستقوم الولايات المتحدة بقصف وتدمير جسر أو محطة طاقة واحدة.

ومنذ ذلك الحين، اتهمت الإمارات العربية المتحدة إيران بالوقوف وراء هجمات متكررة استهدفت سفنًا تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك"، ومع ذلك، لم تظهر مؤشرات على تنفيذ ترامب تهديده باستهداف البنية التحتية الإيرانية ردًا على تلك الهجمات.

وفي الوقت نفسه، واصل الرئيس الأمريكي التلويح بشن هجمات واسعة النطاق على إيران دون تحديد مطالب جديدة أو واضحة في كل مرة، لكن هذه الهجمات لم تُنفذ حتى الآن.

ولا تتعلق علامات الاستفهام فقط بالإرادة السياسية، وإنما أيضًا بقدرة الولايات المتحدة على تحمل تكلفة تصعيد عسكري واسع، في ظل تقارير عن تراجع مخزونها من بعض الذخائر والصواريخ الاعتراضية.

كثرة التهديدات.. تضعف التهديد

ثمة عامل آخر يؤثر في فاعلية سياسة ترامب: كثرة التهديدات نفسها.

فالرئيس الأمريكي أظهر خلال ولايته الثانية استعدادًا لاستخدام القوة العسكرية، وشنت الولايات المتحدة بالفعل ضربات في سبع دول حتى الآن، وكانت إيران أحدثها، لكن معظم هذه العمليات استهدفت جماعات مسلحة أو إرهابية، ولم تكن موجهة في الأساس ضد حكومات قائمة.

في المقابل، لم يتردد ترامب في تهديد دول أخرى أو ترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية توجيه ضربات إليها، وعُمان ليست الدولة الوحيدة التي دخلت دائرة التهديدات، إذ سبق أن هدد ترامب أو لوّح باستخدام القوة ضد كندا وكولومبيا وكوبا وجرينلاند، التابعة للدنمارك، والمكسيك وبنما.

وبحساب هذه التهديدات، يكون ترامب قد هدد أو هاجم دولة واحدة تقريبًا من بين كل 13 دولة خلال ولايته الثانية.

ولم تكن سلطنة عُمان استثناءً جديدًا؛ فقد سبق أن وجه إليها ترامب تهديدًا مشابهًا في مايو الماضي، عندما قال: "ستتصرف عُمان تمامًا مثل أي دولة أخرى، وإلا فسيتعين علينا تفجيرها".

وبما أن ذلك التهديد لم يحقق على ما يبدو النتيجة التي أرادها ترامب، جاء تهديد جديد بعد أشهر، دون أن يكون أي من التهديدين مرتبطًا بشكل واضح بتحرك عماني محدد يمكن قياس مدى تأثيره على السياسة الأمريكية.

ترامب ضد ترامب.. ماذا حدث للخطوط الحمراء؟

بحسب "سي إن إن"، المفارقة الأكبر أن أكثر من يمكنه توجيه النصيحة إلى ترامب الحالي بشأن خطورة التهديدات غير المنفذة هو ترامب نفسه في نسخته السابقة.

فالرئيس الأمريكي لطالما انتقد الرئيس الأسبق باراك أوباما بسبب إعلانه أن استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية يمثل "خطًا أحمر"، ثم عدم التحرك بصورة تتناسب مع التهديد عندما تم تجاوز ذلك الخط.

وفي خطاب ألقاه خلال المؤتمر الوطني الجمهوري عام 2016، وصف ترامب عدم تنفيذ أوباما تهديده بأنه "إهانة"، معتبرًا أن العالم بأسره كان يعرف أن التهديد لا يعني شيئًا، وبعد عام، وصف الأمر بأنه "تهديد فارغ" تسبب في خسائر للولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم.

ثم في عام 2018، حاول ترامب تقديم نفسه باعتباره رئيسًا يتبنى نهجًا مختلفًا في السياسة الخارجية، وقال: "إن إجراء اليوم يبعث برسالة بالغة الأهمية: الولايات المتحدة لم تعد تطلق تهديدات جوفاء، عندما أقطع وعودًا، أفي بها".

كان ترامب يدلي بهذا التصريح في سياق انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني، في خطوة أراد من خلالها التأكيد أن واشنطن الجديدة لا تطلق تهديدات لا تنوي تنفيذها.

وفي النهاية خلص التقرير، إلى أنه بعد عدة سنوات يبدو أن المفارقة أصبحت أكثر وضوحًا: الرئيس الذي جعل من تنفيذ التهديدات معيارًا لقوة السياسة الخارجية الأمريكية، بات يكرر التهديدات ثم يتراجع عنها، بينما تواصل إيران اختبار حدود هذا النهج.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان