"حرب لا تُريدها وتحالفات تحتاجها".. كيف تواجه السعودية تصعيد إيران وشركائها؟
كتب : مصطفى الشاعر
السعودية وتركيا وباكستان وإيران - توقيع اتفاقية مك
حرب لا تُريد السعودية أن تكون طرفا فيها، وتهديدات لا تستطيع تجاهلها.. هكذا تبدو المعادلة التي تواجهها الرياض مع تصاعد الهجمات الإيرانية وهجمات شركائها في المنطقة، في وقت تُحاول فيه المملكة "الموازنة" بين تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع وتعزيز قدرتها على الردع وحماية مصالحها الحيوية.
دبلوماسية التحالفات وحرب الضرورة
تجد السعودية نفسها على نحو متزايد في قلب حرب لم تسعَ إليها، في وقت تُكثف فيه الرياض تحركاتها لتشكيل "تحالفات دفاعية إقليمية"، أملا في ردع خصومها وتعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات التي تشنها إيران وشبكة حلفائها في المنطقة، وفق تحليل لـ"رويترز".
وتأتي هذه التحركات في ظل معضلة تواجهها السعودية، تتمثل في "كيفية حماية أمنها ومصالحها الاقتصادية الطموحة من دون الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع تُؤججه الحرب بين إيران وأمريكا".
بحسب ما نقلته "رويترز" عن محللين ودبلوماسيين، فإن مساعي السعودية لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات في البحر الأحمر، إلى جانب قرارها إشراك تركيا في اتفاقية دفاعية مع المملكة وباكستان، "لم تنجح حتى الآن في تحقيق الردع المطلوب أو منع الهجمات".
كما لا تزال الردود العسكرية السعودية "محدودة" أمام الهجمات القادمة من إيران والعراق والحوثيين في اليمن، الذين فتحوا الشهر الماضي جبهة جنوبية ضد المملكة واستهدفوا سفنا سعودية، بحسب "رويترز".
معضلة الردع وتجنب الحرب
تواجه الرياض تحديا يتمثل في تحقيق "التوازن" بين حماية أراضيها ومصالحها الاقتصادية من جهة، وتجنب التحول إلى طرف مباشر في حرب إقليمية واسعة من جهة أخرى.
وقال مسؤول في الشرق الأوسط، بحسب "رويترز"، إن "مشكلة السعودية هي أن خصومها يعلمون أنها تُريد تجنب الحرب، ويستغلون ذلك".
ولم يرد مركز التواصل الحكومي السعودي على طلب للتعليق على التقرير.
وأفاد عزيز الغشيان، المحلل السعودي البارز غير المقيم في منتدى الخليج الدولي، لـ"رويترز"، بأن التطورات الحالية "مُقلقة للغاية"، مضيفا أن ما يحدث يُمثّل تحديدا السيناريو الذي كانت السعودية تسعى إلى تجنبه.
وأوضح الغشيان، أن إيران وحلفاءها يعتقدون أن السعودية لن ترد، مشيرا إلى أن خصوم المملكة "فسروا ضبط النفس على أنه قبول ضمني بالاستهداف"، وهو ما جعل إيجاد وسيلة لردعهم أمرا بالغ الأهمية، مع بقاء التحدي في كيفية تحقيق هذا التوازن.
وبعد توقيع اتفاقية الدفاع المشتركة، شن "الحوثيون" هجوما جديدا على منشآت نفطية في المملكة، في مؤشر على استمرار الضغوط التي تواجهها الرياض.
تصعيد تدريجي منذ اندلاع الحرب
منذ أن شنت أمريكا وإسرائيل الحرب على إيران في 28 فبراير، سعت السعودية في البداية إلى احتواء الهجمات من خلال "القنوات الدبلوماسية"، قبل أن تلجأ لاحقا إلى "ردود عسكرية محدودة" جرى التعامل مع تفاصيلها بسرية، بحسب "رويترز".
وتوصلت الرياض إلى فترة من "الهدوء النسبي" مع إيران بالتزامن مع دخول وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن حيز التنفيذ في أبريل، وبرزت السعودية خلال تلك الفترة باعتبارها ملاذا أكثر أمنا في منطقة الخليج.
لكن الأسابيع القليلة الماضية هددت هذا الهدوء، بعدما تعرّضت المملكة لهجمات "مُدمّرة" من اليمن والعراق استهدفت بنية تحتية نفطية حيوية، إلى جانب حركة الشحن المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر، وفق "رويترز".
وقبل أسبوعين، شنت السعودية وأمريكا غارات جوية مشتركة استهدفت فصائل عراقية قالتا إنها "ضالعة في الهجمات على المملكة"، حيث كان ذلك أول رد عسكري تعلنه الرياض خلال الحرب، وجاء رغم مساعيها لتجنب الظهور باعتبارها "طرفا مشاركا" في القتال إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبعد يومين من الغارات، أعلنت الرياض عزمها قيادة تحالف دفاعي بحري في البحر الأحمر.
وفي الأسبوع الماضي، أعلنت السعودية وتركيا وباكستان "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، في خطوة تعكس اتجاها متزايدا نحو تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين الدول الثلاث.
تحالفات سعودية ورسائل إلى إيران
ترى ياسمين فاروق، مديرة مشروع منطقة الخليج في مجموعة الأزمات الدولية، وفق "رويترز"، أن التحركات السعودية تُمثّل وسيلة لتوجيه رسالة إلى إيران مفادها أن "الرياض مستعدة للذهاب إلى مدى أبعد، بعد استنفاد الخيارات الدبلوماسية أولا".
وقالت فاروق، إن الاتفاقية والتحالف البحري يُمثّلان "تحركا سعوديا تدريجيا نحو المراحل الأخيرة من سياسات خفض التصعيد والردع"، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن هذه التحالفات لا تزال بمثابة "بالونات اختبار"، وأن تنفيذ عمل عسكري مشترك لا يزال غير مرجح في الوقت الراهن.
"اتفاقية مكة".. تحالف إسلامي بأبعاد رمزية
تحمل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان "أهمية رمزية كبيرة"، خصوصا أنها أُعلن عنها في أحد أقدس المواقع الإسلامية وبعد صلاة الجمعة.
وقال سلطان العامر، المقيم البارز في مجلس سياسات الشرق الأوسط، لـ "رويترز"، إن الاتفاقية تحمل دلالات واضحة تتمثل في تعهد دول إسلامية بالدفاع عن بعضها البعض باعتبارها "أمة واحدة".
لكن الأدوار التي ستقوم بها الدول الثلاث (السعودية وتركيا وباكستان) على أرض الواقع تبدو "أقل وضوحا" حتى الآن، بحسب "رويترز".
وصرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، السبت الماضي، أن الاتفاقية تتطابق من الناحية الفنية مع المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي "الناتو"، مشيرا إلى أن الأمر سيتطلب مشاورات بين جميع الأطراف لتحديد نوع الدعم الذي سيُقدم لأي دولة تتعرض لهجوم، إذا طلبت ذلك.
أما باكستان، التي وقّعت اتفاقية دفاعية مع السعودية في وقت سابق، فقد سعت إلى "تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران أو حلفائها"، ونجحت في ذلك رغم تعرّض السعودية لمئات الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة.
وفي المقابل، وصفت إيران الاتفاقية بأنها "خطوة نحو التحرر من الاعتماد على القوى الخارجية"، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة، وقالت إنها لا ترى سببا للقلق "طالما أن الاتفاقية تحدد العدو والتهديد بالشكل الصحيح".
اليمن.. الجبهة الأكثر حساسية للسعودية
على الحدود الجنوبية للمملكة، أنهى "الحوثيون" في اليمن الشهر الماضي هدنة استمرت 4 سنوات، وأعلنوا "حصارا بحريا" على السعودية، إلى جانب استهداف بنيتها التحتية النفطية.
وأظهرت هجمات الحوثيين استمرار تعرّض المملكة لمخاطر "الحرب غير التقليدية"، وأعادت إلى الأذهان أزمة عام 2019، عندما انخفض إنتاج النفط السعودي إلى النصف بعد هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ شنها الحوثيون، والتي أشارت تقارير لـ"رويترز" إلى أن إيران خططت لها.
ويظل ملف اليمن من أكثر القضايا "حساسية" بالنسبة للسعودية، التي قادت تدخلا عسكريا في البلاد عام 2015، بعد سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على العاصمة صنعاء.
وأثارت الحرب آنذاك انتقادات دولية "واسعة" بسبب الخسائر البشرية الفادحة والأوضاع الإنسانية والمجاعة التي خلفها الصراع.
ومع اقتراب اليمن مرة أخرى من حافة الحرب، تُريد الرياض هذه المرة أن تقود الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا "أي هجوم محتمل"، فيما أكدت ضرورة تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وفقا لـ "رويترز".
تحالف بحري لحماية البحر الأحمر
قال عدد من المشاركين في أول اجتماع للتحالف، بحسب "رويترز"، إن الدعوات أُرسلت قبل أيام قليلة فقط من انعقاده، وهو ما يعكس مدى الاستعجال الذي تتعامل به السعودية مع المُهمة في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأحمر.
وحتى الآن، انضمت 14 دولة من المنطقة إلى التحالف، وسط توقعات بانضمام دول أخرى خلال الفترة المقبلة، وفق "رويترز".
وفي المقابل، لا تزال دول أوروبية تدرس إمكانية الانضمام، وفقا لدبلوماسيين غربيين، في ظل مخاوف من احتمال تورطها في "حرب اليمن" وما قد يترتب على ذلك من تداعيات عسكرية وسياسية.
وتسعى السعودية إلى الإعلان عن تشكيل التحالف بصورة "رسمية" في أقرب وقت ممكن، فيما من المقرر عقد اجتماعات بهذا الشأن خلال هذا الأسبوع في مدينة جدة.
بين الردع والدبلوماسية
تعكس التحركات السعودية المتسارعة "محاولة لإعادة رسم معادلة الأمن الإقليمي"، عبر بناء ترتيبات دفاعية جديدة تجمع بين التحالفات العسكرية والتعاون البحري، مع الإبقاء على الباب مفتوحا أمام الحلول الدبلوماسية.
لكن استمرار الهجمات من إيران وحلفائها، ولا سيما "الحوثيين والفصائل العراقية"، يضع الرياض أمام "اختبار صعب" يتمثل في تعزيز قدرتها على الردع من دون تجاوز الخط الذي قد يُحولها من دولة تُحاول احتواء الحرب إلى طرف رئيسي فيها، وفق "رويترز".
وفي الوقت الذي تتحرك فيه السعودية لـ"توسيع شبكة تحالفاتها"، يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرهونا بقدرتها على حماية أراضيها وممراتها التجارية ومصالحها النفطية، من دون الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تُهدد الطموحات الاقتصادية التي تسعى المملكة إلى تحقيقها.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News