ترامب ونتنياهو
ظل نزع سلاح حماس أحد أكبر العقبات لأشهر أمام أي تقدم في مسار التسوية داخل قطاع غزة، بعدما جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخلي الحركة عن أسلحتها محورًا رئيسيًا في خطته للسلام المؤلفة من 20 بندًا، وبينما كان وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر الماضي يفترض أن يفتح الطريق أمام خطوات أوسع، بقيت القضية عالقة، لتدخل غزة في حالة من الجمود السياسي والميداني.
لكن المشهد بدا مختلفًا الأسبوع الماضي، عندما وافقت حماس على إطار عمل مدعوم أمريكيًا لنزع سلاحها، في خطوة اعتبرها ترامب اختراقًا كبيرًا، وأشاد بالاتفاق الذي نسقه مجلس السلام التابع له، واعتبره "تاريخيًا" و"خطوة هائلة نحو سلام وأمن دائمين"، بل ذهب إلى القول إن إسرائيل "سعيدة للغاية" بالاتفاق.
غير أن التطورات اللاحقة كشفت فجوة واسعة بين التصور الأمريكي والموقف الإسرائيلي.
فبعد أيام قليلة من إعلان ترامب، أعلنت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضها لخارطة طريق نزع السلاح، متذرعة بـ"مخاوف أمنية جدية"، إذ أكد نتنياهو أن إسرائيل لن تنسحب من مواقعها الحالية داخل غزة قبل نزع سلاح حماس بالكامل، بالتزامن مع استمرار الغارات الإسرائيلية على القطاع، في تطور أثار استياء مجلس السلام.
انتخابات إسرائيل تعقد مهمة ترامب
بحسب تحليل لمجلة فورين بوليسي الأمريكية، يرى خبراء أن فرص حدوث تحول جوهري في الموقف الإسرائيلي تبدو محدودة، على الأقل حتى الانتخابات المقررة في أكتوبر، التي قد تشهد خسارة نتنياهو للسلطة.
وتقول شيرا إيفرون، رئيسة قسم السياسة الإسرائيلية في مركز راند للأبحاث الأمنية، إن قبول الحكومة الإسرائيلية بالخطة في هذا التوقيت يمثل تحديًا سياسيًا بالغ الصعوبة، خصوصًا أن نتنياهو وائتلافه تعهدا أمام الإسرائيليين بتحقيق "نصر مطلق".
وبحسب هذا التقدير، فإن نتنياهو لا يريد أن يظهر أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره يقدم تنازلات لحماس أو يتخلى عن أراضٍ تسيطر عليها إسرائيل في غزة قبل الانتخابات، في وقت يحتاج فيه إلى الحفاظ على دعم قوى اليمين، ولا يقتصر الاعتراض الإسرائيلي على مسألة الانسحاب، إذ تتحفظ إسرائيل أيضًا على الدور المحتمل لكل من قطر وتركيا في آلية التحقق من عملية نزع السلاح، باعتبار أن العلاقات مع البلدين تشهد توترًا شديدًا من وجهة النظر الإسرائيلية.
لكن تغيير الحكومة الإسرائيلية، حتى في حال خسارة نتنياهو، لن يعني بالضرورة تحولًا سريعًا في السياسة تجاه غزة، إذ ترى جولي نورمان، الباحثة المشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، أن أي حكومة جديدة ستجد صعوبة في تقديم تنازلات كبيرة ومفاجئة في القطاع.
إسرائيل تعمق وجودها داخل غزة
ورغم أن إطار نزع السلاح يربط العملية بوقف العمليات العسكرية وانسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع، فإن التحركات على الأرض تشير إلى أن إسرائيل لا تستعد، في الوقت الراهن، للانسحاب السريع، كما تشير التقديرات إلى أن إسرائيل تسيطر على أكثر من 60% من قطاع غزة، فيما وسعت قواتها خلال الأسابيع الأخيرة ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو الخط العسكري الذي يفصل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية عن بقية القطاع.
وكان من المفترض أن يكون الخط الأصفر إجراءً مؤقتًا بموجب اتفاق السلام المدعوم من ترامب، إلا أن نتنياهو أعلن في مايو أنه أصدر تعليمات للجيش بتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية في غزة إلى 70%، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن إسرائيل تستعد لبقاء طويل الأمد داخل القطاع.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الخلاف حول خطة ترامب أوسع من مجرد قضية نزع سلاح حماس؛ إذ يتعلق أيضًا بمستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي، وحدود الانسحاب، ومن سيتولى إدارة غزة بعد انتهاء العملية.
تعديل أمريكي يرضي إسرائيل؟
رفض نتنياهو الصريح للخطة دفع مجلس السلام إلى تعديل لهجته بشأن الانسحاب الإسرائيلي، فقد أكد المجلس، بالتزامن مع لقاء مبعوثه الأعلى إلى غزة، نيكولاي ملادينوف، مع نتنياهو في القدس، أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب إلى ما وراء الخط الأصفر إلا بعد اكتمال عملية نزع السلاح، وفقًا لما التزمت به حماس أمام الوسطاء.
وبذلك، بدا أن مجلس السلام يقدم لإسرائيل ضمانة أساسية مفادها أنها ليست مطالبة بالانسحاب من مواقعها الحالية قبل التأكد من تفكيك قدرات حماس العسكرية.
غير أن الخلاف لم ينته، إذ تنص خطة نزع السلاح على أن تشرف لجنة وطنية فلسطينية ذات طابع تكنوقراطي على العملية، مع تخزين الأسلحة داخل غزة، وهو ما يثير اعتراضات إسرائيلية حادة.
وتخشى إسرائيل، وفق الخبراء، أن يؤدي استبعادها من الإشراف المباشر على العملية إلى منح حماس فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية، كما أن إسرائيل منعت أعضاء اللجنة من دخول غزة، ما يمثل عقبة عملية أمام بدء التنفيذ.
قوة دولية وخطة معلقة
وتواجه الخطة عقبة إضافية تتمثل في القوة الدولية لتحقيق الاستقرار التي يفترض أن يبدأ نزع السلاح بعد نشرها، ورغم أن إسرائيل أبدت موافقة مبدئية في أواخر يوليو على دخول قوة متعددة الجنسيات إلى غزة، فإن القوة لم تُنشأ بعد، وبالتالي، فإن عناصر أساسية من خطة ترامب للسلام لا تزال معلقة: نزع سلاح حماس، وآلية التحقق، ودخول القوة الدولية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، فضلًا عن مستقبل إدارة القطاع.
ويرى خبراء أن غموض تفاصيل الخطة يمثل مشكلة أخرى، إذ تعتمد مبادرات ترامب الدبلوماسية على إعلان إطار أولي واسع، ثم ترك التفاصيل للمفاوضات اللاحقة.
وفي هذا السياق، اعتبر ناثان ج. براون، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، أن الإعلان المتفائل عن الاتفاق الإطاري كان محاولة للضغط باتجاه مسار تفاوضي جديد، لكنه لا يمثل بالضرورة تقدمًا حقيقيًا على الأرض.
موافقة حماس.. اختراق أم نقل للكرة إلى ملعب إسرائيل؟
مع ذلك، لا يرى جميع الخبراء أن إعلان الحركة مجرد ضجيج سياسي، فبعضهم يعتبر موافقة حماس على إطار نزع السلاح تطورًا مهمًا، خصوصًا أن الحركة لطالما عرّفت نفسها باعتبارها حركة مقاومة، وكان سلاحها جزءًا أساسيًا من هويتها ووجودها السياسي والعسكري.
ومن هذه الزاوية، فإن موافقة الحركة نقلت عبء الخطوة التالية إلى إسرائيل. وربما تكون حماس قد أدركت مسبقًا أن نتنياهو لن يقبل بالخطة، فسعت إلى إظهار استعدادها للتعامل معها وإلقاء مسؤولية تعطيل المسار على الجانب الإسرائيلي، ويرى خبراء أن هذه الخطوة، بصرف النظر عن دوافعها، أطلقت مسارًا جديدًا من الحوار ووفرت للولايات المتحدة ومجلس السلام ورقة ضغط إضافية على الحكومة الإسرائيلية، إذا قررا استخدامها.
كما يمكن أن تدفع واشنطن وتل أبيب إلى البحث عن بدائل للصيغة الحالية، بما في ذلك ترتيبات تسمح بوجود جهات فلسطينية أو دولية داخل غزة للإشراف على عملية تفكيك الأسلحة الثقيلة.
وبينما قدم ترامب موافقة حماس باعتبارها اختراقًا تاريخيًا، يصر نتنياهو على أن نزع السلاح الكامل يجب أن يسبق أي انسحاب إسرائيلي، فيما تحاول واشنطن ومجلس السلام الحفاظ على مسار التفاوض.
في النهاية، خلص التقرير إلى أن موافقة حماس قد فتحت نافذة جديدة أمام خطة ترامب، لكنها في الوقت نفسه كشفت أن العقبة الأكبر قد لا تكون إقناع الحركة بالتخلي عن سلاحها فقط، وإنما إقناع إسرائيل بأن نزع السلاح يعني أيضًا بدء الانسحاب من غزة.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News