إعلان

المبادرة الأمريكية في ليبيا.. تحركات واسعة وعقبات لا تزال قائمة

كتب : مصطفى الشاعر

11:38 م 08/07/2026

ليبيا وأمربكا

تابعنا على

إذا طُرح سؤال حول أكثر الأزمات السياسية تعقيدا في الشرق الأوسط، فإن "ليبيا" غالبا ما تتصدر المشهد. فمنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، شهدت البلاد أكثر من 15 مبادرة سياسية، وعشرات المؤتمرات والوساطات الدولية والإقليمية، في محاولات متكررة لإنهاء حالة الانقسام وتعدد مراكز السلطة، إلا أن جميع تلك المساعي لم تنجح في الوصول إلى تسوية دائمة، لتبقى الأزمة الليبية واحدة من أكثر الملفات السياسية استعصاءً في المنطقة.

وفي عام 2025، برزت محاولة جديدة لكسر "حالة الجمود"، بعدما أعلن مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، عن مبادرة تستهدف توحيد المؤسسات الليبية بصورة تدريجية، تمهيدا للانتقال إلى تسوية سياسية شاملة. ورغم ما حققته المبادرة من خطوات محدودة، فإنها تواجه اليوم تحديات متزايدة قد تُعيق استمرارها.

مبادرة أمريكية لإنهاء الانقسام

تستند مبادرة مسعد بولس، وفق ما أعلنه، إلى مسار تدريجي يقوم على توحيد المؤسسات الليبية باعتباره "المدخل الأساسي" لإنهاء الانقسام السياسي، مع طرح إمكانية استضافة العاصمة الأمريكية واشنطن مراسم توقيع اتفاق نهائي بين الأطراف الليبية حال نجاح المفاوضات.

وأوضح بولس، أن العمل على هذا المسار بدأ قبل أكثر من عام، حيث شهدت العاصمة الإيطالية "روما"، في سبتمبر الماضي، أول اجتماع جمع ممثلين عن شرق ليبيا وغربها، ضمن جهود لبناء تفاهمات بشأن الملفات الاقتصادية والأمنية، في محاولة لإرساء أرضية مشتركة تمهد لتسوية أوسع.

خطوات عملية على الأرض

خلال الأشهر الماضية، سجلت المبادرة عددا من الخطوات التي اعتُبرت مؤشرات "إيجابية"، أبرزها إقرار موازنة وطنية مُوحدة للمرة الأولى منذ عام 2013، إلى جانب تنفيذ مناورات عسكرية مشتركة في مدينة سرت بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، فضلا عن إنشاء غرف عمليات مشتركة بين الجانبين لتعزيز التنسيق الأمني.

كما ترددت تقارير غير مؤكدة، بحسب "بي بي سي"، تُفيد بأن المبادرة قد تتضمن ترتيبات سياسية جديدة، تشمل بقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة على رأس حكومة مُوحدة، مقابل منح صدام حفتر، نجل قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، منصبا تنفيذيا أو رئاسيا ضمن هيكل السلطة الجديد، إلا أن هذه الترتيبات لم يتم الإعلان عنها رسميا حتى الآن.

تحريك المسار الانتخابي

بالتوازي مع المبادرة الأمريكية، عادت اللجنة المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، المعروفة باسم لجنة "6+6"، إلى اجتماعاتها التشاورية بعد أشهر من الجمود، في محاولة لإعادة مناقشة القوانين المنظمة للانتخابات، بما يمهد لاستئناف العملية السياسية المتوقفة.

ويتزامن ذلك مع استمرار مسار الحوار الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والذي يهدف إلى التوصل إلى توافق بشأن الإطار الدستوري والقوانين الانتخابية، في إطار جهود أممية أوسع لدفع البلاد نحو انتخابات عامة وإنهاء المرحلة الانتقالية.

رهانات أمريكية تتجاوز السياسة

ترى الصحفية المتخصصة في الشأن الأمريكي، يسرا أمين، وفق "بي بي سي"، أن التحركات المرتبطة بمبادرة مسعد بولس تعكس توجها أمريكيا أكثر براجماتية في إدارة الملف الليبي، يقوم على تحقيق مصالح استراتيجية تتجاوز مجرد إنهاء الانقسام السياسي.

وأوضحت الصحفية يسرا، أن واشنطن تسعى إلى تعزيز أمن الطاقة، والحفاظ على استقرار تدفقات النفط الليبي، إلى جانب الحد من نفوذ القوى الدولية المنافسة داخل ليبيا، باعتبارها إحدى الساحات الجيوسياسية المهمة في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا.

النفط في قلب الحسابات

تكتسب ليبيا أهمية خاصة في الحسابات الدولية بفضل "ثرواتها الهائلة من النفط والغاز"، إذ تمتلك احتياطيات نفطية مؤكدة تُقدّر بما بين 48 و50 مليار برميل، ما يجعلها ضمن أكبر 10 دول في العالم من حيث احتياطي النفط، وفق تقديرات دولية، بحسب "بي بي سي".

تنسيق مصري تركي يُواكب المبادرة الأمريكية

بالتوازي مع التحركات المرتبطة بالمبادرة الأمريكية، برزت مؤشرات على تنسيق متزايد بين مصر وتركيا بشأن "الملف الليبي"، في ظل التقارب الذي تشهده العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التباين، وهو ما انعكس تدريجيا على مقاربتهما للأزمة الليبية.

وفي هذا السياق، استضافت القاهرة، في 21 يونيو 2026، اجتماعا رباعيا ضم وزراء خارجية "مصر والسعودية وتركيا وباكستان"، وشهد على هامشه لقاء مع مستشار الرئيس ترامب، مسعد بولس، حيث ناقش المشاركون تطورات الأوضاع في ليبيا والسودان والملف الإيراني، مع التأكيد على دعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على وحدة ليبيا ودفع مسار التسوية السياسية.

تحركات استخباراتية متزامنة

تُواصل الزخم الدبلوماسي عبر تحركات استخباراتية لافتة، إذ استقبلت العاصمة الليبية طرابلس، في 23 يونيو، زيارات متزامنة لرئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن.

ووفقا لـ"بي بي سي"، شملت هذه الاتصالات لقاءات مع أطراف من شرق ليبيا وغربها، وتركزت على ملفات توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، بالتزامن مع الجهود التي تقودها المبادرة الأمريكية لإعادة ترتيب المشهد الليبي.

اختلاف الأولويات بين القاهرة وأنقرة

يرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي، عبد الستار حتيتة، بحسب "بي بي سي"، أن المقاربتين المصرية والتركية تجاه ليبيا تختلفان من حيث "الأولويات"، رغم وجود مؤشرات على تنسيق في بعض الملفات.

وأوضح حتيتة، أن القاهرة تنطلق في تعاملها مع "الأزمة الليبية" من اعتبارات تتعلق بالأمن القومي المصري وتأمين الحدود الغربية، بينما ترتبط المقاربة التركية بعلاقاتها التقليدية مع أطراف في غرب ليبيا، قبل أن تتوسع خلال السنوات الأخيرة لتشمل قنوات تواصل مع قوى في شرق البلاد.

وأضاف الباحث عبد الستار حتيتة، أن ما يبدو من تنسيق بين الجانبين "لا يعني بالضرورة وجود توافق كامل"، مشيرا إلى أن كثيرا من التفاصيل المتعلقة بالتحركات السياسية والأمنية لا تزال تُدار بعيدا عن الأضواء، وفق "بي بي سي".

إرث من التباين وتحوّل في المسار

على امتداد السنوات الماضية، تبنت مصر موقفا "داعما" للمعسكر الشرقي بقيادة المشير خليفة حفتر، معتبرة أن استقرار ليبيا يمر عبر توحيد مؤسسات الدولة ومواجهة التنظيمات المسلحة.

في المقابل، دعمت تركيا حكومة الوفاق الوطني السابقة في طرابلس، وأبرمت معها "اتفاقيات أمنية وعسكرية" عززت بموجبها حضورها العسكري في غرب ليبيا، قبل أن تتجه لاحقا إلى توسيع انخراطها السياسي وإقامة قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الليبية، في تحوّل يعكس تغيرا تدريجيا في مقاربتها للأزمة.

تحركات أمريكية مع أطراف الأزمة الليبية

في سياق الجهود الأمريكية لدفع مسار "توحيد المؤسسات الليبية"، استقبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في العاصمة واشنطن، صدام حفتر، نائب قائد القيادة العامة في شرق ليبيا، في لقاء ركز على تطورات المشهد السياسي والعسكري في البلاد.

وجاء الاجتماع بعد أيام من جولة أجراها صدام حفتر شملت "الإمارات ومصر"، في إطار مشاورات إقليمية تتعلق بالملف الليبي، وفق "بي بي سي".

دعم أمريكي لمسار توحيد المؤسسات

أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أن اللقاء تناول الجهود الليبية الرامية إلى توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية، إضافة إلى بحث سُبل التعاون المشترك لدعم وحدة ليبيا وتعزيز فرص السلام والاستقرار.

ومن جانبها، أكدت القيادة العامة في شرق ليبيا، أن الاجتماع، الذي حضره أيضا مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، تطرق إلى آخر المستجدات السياسية في ليبيا، إلى جانب مناقشة "المبادرة الأمريكية" والآليات المقترحة لتعزيز التعاون الثنائي.

تواصل مع حكومة الوحدة الوطنية

وفي المقابل، سبقت هذا اللقاء زيارة أجراها وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية، عبدالسلام الزوبي، إلى واشنطن، حيث عقد سلسلة لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، من بينهم مسعد بولس، ونائب قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم".

الانقسام العسكري لا يزال قائما

رغم التحركات السياسية والدبلوماسية، لا تزال المؤسسة العسكرية الليبية تُعاني انقساما بين "جناحين رئيسيين"، أحدهما في شرق البلاد بقيادة المشير خليفة حفتر، والآخر في الغرب ويتبع حكومة الوحدة الوطنية، وفق "بي بي سي".

وفي هذا الإطار، تتواصل المحادثات الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، من خلال اللجنة العسكرية المشتركة "5+5"، التي تُعد إحدى أبرز الآليات الدولية الهادفة إلى تقليص الانقسام الأمني والعسكري في البلاد.

انقسام داخلي يُهدد فرص نجاح المبادرة

رغم الحراك السياسي والدبلوماسي الذي تشهده الساحة الليبية، فإن المبادرة الأمريكية لا تزال تواجه تحديات داخلية "مُعقّدة" قد تحد من فرص نجاحها، في ظل استمرار الانقسام بين القوى السياسية والعسكرية وتباين المواقف تجاه أي صيغة جديدة لتقاسم السلطة.

وبحسب "بي بي سي"، يرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي، عبد الستار حتيتة، أن إدماج شخصيات من المعسكر الشرقي بقيادة المشير خليفة حفتر في أي تسوية سياسية ما يزال يلقى "رفضا" من أطراف مؤثرة داخل مدن الغرب الليبي، وعلى رأسها "مصراتة وطرابلس"، وهو ما يعكس استمرار حالة الانقسام السياسي والمجتمعي في البلاد.

عقبات أمام توحيد المؤسسات

أوضح حتيتة، أن التحدي الأكبر لا يقتصر على إعادة ترتيب المشهد السياسي، وإنما يتمثل في دمج المؤسسات والأجسام السياسية القائمة، مثل "مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي"، ضمن صيغة مُوحدة تحظى بقبول مختلف الأطراف.

وحذّر عبد الستار حتيتة، من أن أي محاولة لنقل ترتيبات السلطة أو إعادة هيكلتها داخل العاصمة طرابلس قد تواجه "عراقيل كبيرة"، في ظل استمرار الانقسام السياسي وتضارب المصالح بين القوى الفاعلة.

توافق داخلي قبل التوافق الدولي

من جانبها، ترى الصحفية المتخصصة في الشأن الأمريكي، يسرا أمين، حسب "بي بي سي"، أن العقبة الرئيسية أمام نجاح المبادرة لا ترتبط فقط بمدى التوافق الدولي حولها، وإنما بقدرة الليبيين أنفسهم على التوصل إلى تفاهم داخلي شامل.

وأوضحت يسرا، أن السنوات الماضية أفرزت كيانات عسكرية واقتصادية راكمت "نفوذا واسعا" خلال فترة الانقسام، وقد تنظر إلى أي عملية لإعادة توحيد السلطة باعتبارها تهديدا مباشرا لمصالحها ونفوذها.

أزمة مستمرة منذ تعثر انتخابات 2021

تعود جذور الأزمة السياسية الحالية إلى تعثر الانتخابات العامة التي كانت مقررة في نهاية عام 2021، بعدما أُلغيت في اللحظات الأخيرة نتيجة "خلافات حادة" حول القواعد الدستورية والأهلية القانونية للمرشحين، رغم الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020 للدفع نحو إجراء الاستحقاق الانتخابي.

وأدى ذلك إلى استمرار حالة "الانقسام السياسي"، مع وجود حكومتين متنافستين؛ الأولى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والثانية حكومة موازية برئاسة أسامة حماد في شرق البلاد، وسط استمرار التوتر والتنافس بين المعسكرين على الشرعية وإدارة مؤسسات الدولة.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان