شخص يدفع شخصًا مسنًا على كرسي متحرك على طول رصيف ك
في الثاني من يوليو الجاري، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن ظاهرة النينو التي تطورت في المحيط الهادئ الاستوائي ستتعاظم بسرعة خلال الأسابيع المقبلة، لتضرب بقوة في خريف وشتاء النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
قبل ذلك بأيام فقط، كانت أوروبا تغلي؛ ففي 28 يونيو الماضي، سجّلت محطة الأرصاد في بلدة دوكساني التشيكية 41.9 درجة مئوية، وهو أعلى رقم في تاريخ البلاد. وبعدها بساعات، تجاوزت ألمانيا حاجز 41.7 في كوشن قرب الحدود البولندية. كانت القارة العجوز، التي اعتادت صيفًا معتدلًا، تتحول إلى فرن مفتوح تحت قبة حرارية تمتد من المحيط الأطلسي إلى قلب أجزائها الشرقية.
أوروبا.. الفرن المفتوح
لم يكن يونيو 2026 مجرد شهر حار آخر في سلسلة أشهر مماثلة، بل كان ثاني أكثر يونيو دفئًا على الإطلاق عالميًا، وفقًا لبيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ (C3S/ECMWF)، وكان الأكثر حرارة على الإطلاق في غرب أوروبا منذ بدء التسجيل في عام 1940؛ إذ بلغ متوسط درجة الحرارة فوق مساحة اليابسة الأوروبية في يونيو 19.14 درجة مئوية، أي 1.78 درجة فوق متوسط الفترة المرجعية 1991-2020.
لكن هذه الأرقام المتوسطة تخفي فداحة ما حدث على الأرض.
في فرنسا، تجاوزت الوفيات الإضافية خلال موجة الحر وحدها 5,700 حالة، وفقًا لتقرير الجارديان البريطانية في 22 يوليو الجاري. وفي إسبانيا، سُجّلت 327 وفاة مرتبطة بالحرارة بين 22 و27 يونيو، بينما أظهرت البيانات الأولية أن موجتي حر مايو ويونيو قتلتا حوالي 2,700 شخص في إنجلترا وويلز.

محيط يغلي.. هكذا تغذت الحرارة فوق أوروبا
في يونيو 2026، بلغ متوسط درجة حرارة سطح البحر فوق المحيط العالمي خارج القطبين (أجزاء المحيط الهادئ، الأطلسي، والهندي الواقعة في النطاقات الاستوائية، المدارية، والمعتدلة) أعلى مستوى له على الإطلاق لهذا الشهر: 20.86 درجة مئوية، متجاوزًا الرقم القياسي السابق المسجل في يونيو 2024، بينما كانت مياه المحيط الأطلسي قبالة سواحل إسبانيا وفرنسا وبريطانيا أكثر دفئًا من أي وقت مضى، مما خلق ظروفًا مثالية لموجات بحرية حارة شديدة إلى قوية حول المملكة المتحدة وإيرلندا وفي خليج بسكاي وغرب البحر المتوسط.
هذه المحيطات الدافئة لا تبقى في مكانها؛ فهي تُغذّي القباب الحرارية فوق اليابسة وتمنع التبريد الليلي، وتحوّل المدن الأوروبية إلى جزر حرارية لا تنام.
أوروبا تسخن بضعف السرعة
هذا السيناريو كان متوقعًا، لكن سرعة تحققه فاجأت حتى العلماء؛ فأوروبا هي القارة الأسرع احترارًا على وجه الأرض، بمعدل 0.56 درجة مئوية لكل عقد منذ منتصف التسعينيات، أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي، وفقًا لتقرير حالة المناخ الأوروبي لعام 2025 الصادر عن كوبرنيكوس.
وقد ارتفعت حرارة القارة بحوالي 2.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، بينما ارتفع المتوسط العالمي بمقدار 1.4 درجة فقط. وفي القطب الشمالي الأوروبي، وتحديدًا في سفالبارد، يصل معدل الاحترار إلى 1.5-2 درجة مئوية لكل عقد، ما يجعله واحدًا من أسرع الأماكن احترارًا على وجه الأرض.
هذه الأرقام تعني أن ما كان يعتبر "شاذًا" قبل عقدين أصبح الآن "طبيعيًا جديدًا"، وأن ما هو "متطرف" اليوم سيصبح "اعتياديًا" في غضون سنوات.
النينو تتعاظم والقادم أسوأ
في أوائل يونيو الماضي، حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) - في تحديثها الموسمي العالمي - من أن ظاهرة النينو التي تطورت في المحيط الهادئ الاستوائي ستتعاظم بسرعة لتصبح حدثًا قويًا خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026. وقد أيدت هذه النظرة التشاؤومية توقعات مراكز النمذجة العالمية الرائدة التي أجمعت على تجاوز شذوذ درجات حرارة سطح البحر في مناطق المراقبة الرئيسية التي أخضعتها للتحليل بمعدل درجتين مئويتين.
علميًا، تبلغ النينو ذروتها في الفترة ما بين نوفمبر وفبراير، وتأثيرها الأقوى على درجات الحرارة العالمية يحدث في العام التالي لظهورها. ولذا، فإن تأثيرات صيف 2026 قد تكون البداية فقط، مع ترقبنا لخريف وشتاء أكثر تطرفًا.
الجحيم الحراري يمتد إلى شرق أوروبا
تركزت المعاناة البشرية القاسية في وسط وشرق وجنوب أوروبا، حيث وجد مئات الملايين من البشر أنفسهم محاصرين في أفران طبيعية. وامتد زحف الحرارة الاستثنائي ليخنق مناطق واسعة، وسجلت البرتغال رقمًا قياسيًا مرعبًا بلغ 47 درجة مئوية في "بينهاو" خلال شهر يوليو، بينما لامست إسبانيا حاجز 43 درجة في الأندلس.
وتساقطت الأرقام القياسية تباعًا كأحجار الدومينو في مشهد غير مألوف؛ فحطمت ألمانيا أرقامها مرتين في 48 ساعة متتالية، مسجلة 41.5 درجة مئوية في "درويتس"، لتقفز فورًا وتصل إلى 41.7 درجة في "كوشن". كما عاشت بولندا لحظة تاريخية قاسية حين وثقت منطقة "سلوبيتس" 40.5 درجة مئوية، لتطوي رقمًا قياسيًا صمد 105 سنوات.
ووصل زحف القبة الحرارية إلى الدول الاسكندنافية الباردة، حيث سجلت الدنمارك، التي بالكاد تلامس الثلاثينيات صيفًا، 36.6 درجة شمال "أودنسي"، وهو أعلى مستوى قياسي تبلغه البلاد منذ عام 1874. ولم تسلم فرنسا من الجحيم، إذ سجلت مدينة "بريست" الساحلية شمال غرب البلاد 40 درجة مئوية، في تجاوز صارخ لمعدلاتها المعتادة.
الخسائر بشرية وبيئية
لكن الأرقام الأكثر فداحة ظهرت في الأسابيع التالية؛ ففي 22 يوليو، أعلنت وكالة الصحة الوطنية الفرنسية أن الوفيات الإضافية خلال موجة الحر في يونيو بلغت 5,764 حالة، بمعدل زيادة 36% عن المتوسط، ثلثاهم من كبار السن فوق 75 عامًا.
وفي إسبانيا، نشب أحد أكبر حرائق الغابات في تاريخ البلاد في جوادالاخارا شمالي مدريد، وأتى على 32 ألف هكتار وأجبر 1,200 شخص على الإخلاء من 34 قرية.

وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إن بلاده شهدت 22 حريقًا كبيرًا هذا العام، بنسبة تُقدر بـ 4 أضعاف الفترة نفسها من العام الماضي، حيث تجاوز إجمالي المساحة المحترقة 100 ألف هكتار.
وفي فرنسا، لقي رجل إطفاء مصرعه في مقاطعة جيروند جنوب غرب البلاد، بينما التهم حريق آخر 2,500 هكتار في مقاطعة فار جنوب شرق فرنسا وأجبر 400 شخص على الفرار. وكذلك في إيطاليا، اندلعت حرائق متعددة في صقلية بالتزامن مع رياح عاتية ودرجات حرارة تتجاوز 40 درجة، وأعلنت هيئة الحماية المدنية الجزيرة بأكملها في أعلى مستويات الخطر.
وفي اليونان، حيث توقعت الأرصاد 41 درجة، حظرت السلطات العمل في الهواء الطلق خلال ساعات الذروة.
وكشف تحليل علمي من اتحاد الإسناد الجوي العالمي (WWA) أن الجفاف الذي يضرب أوروبا صيف 2026 أصبح أكثر تطرفًا بمقدار 80 مرة في غرب أوروبا و40 مرة في شرقها بفعل تغير المناخ.
وأظهر التحليل أن جفاف التربة في غرب أوروبا الذي يُصنف اليوم كـ"متطرف" كان سيُصنف كـ"معتدل" فقط في عالم ما قبل الاحتباس الحراري.
وقدر العلماء أن نحو 20 ألف شخص لقوا حتفهم بسبب درجات الحرارة المرتفعة في أوروبا، منهم حوالي 2,200 في إنجلترا وويلز، بينما فقدت ساعات العمل بسبب الحرارة في المملكة المتحدة وحدها أكثر من مليار جنيه إسترليني من الاقتصاد.
وتُشير توقعات خسائر المحاصيل إلى 9 ملايين طن من الحبوب على مستوى أوروبا، مع أسوأ موسم ذرة في فرنسا منذ 50 عامًا.
وقد ضرب الجفاف الأنهار؛ فانخفض نهر الراين عند لوبيث في هولندا إلى أدنى مستوى له منذ صيف 1976 الحار، بينما انخفض منسوب نهر الدانوب في بلغاريا ورومانيا إلى مستويات موسمية متدنية، مما هدد الملاحة النهرية وإنتاج الطاقة الكهرومائية.
وبالأمس، أعلنت هيئة البيئة الإنجليزية أن نصف إنجلترا أصبح في حالة جفاف "استثنائي وخطير"، وفرضت شركة تيمز ووتر حظرًا على استخدام خراطيم المياه في معظم مناطق جنوب إنجلترا.
والآن، لم تعد المعركة مقتصرة على تسجيل أرقام قياسية في محطات الطقس، فالعالم بأكمله يقف مشلولًا أمام انهيار مناخي لا يرحم ويمتد إلى كل مكان، بينما القارة العجوز تدفع الفاتورة الأضخم. والسؤال الحقيقي المعلق في الهواء الساخن يتجاوز فكرة الحلول المؤقتة، ليبحث في حجم التكلفة البشرية الدامية التي سندفعها جميعًا مقابل كل عُشر درجة إضافية في موازين الحرارة.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News