إعلان

بعد ضربات العراق.. لماذا تحولت السعودية من الدبلوماسية إلى الرد المباشر؟

كتب : عبدالله محمود

07:09 م 29/07/2026

السعودية

تابعنا على

لعقود طويلة اعتمدت السعودية سياسة الصبر الاستراتيجي وتجنب المواجهة حماية لمشاريعها التنموية، غير أن اتساع التهديدات من 3 اتجاهات فرض تحولا حاسما في سلوكها العسكري، لتنتقل من مرحلة امتصاص الضغوط والدبلوماسية إلى الرد المباشر ورسم خطوط حمراء جديدة لحماية أراضيها وأمنها القومي.

والآن، تخوض السعودية تحولا جوهريا في سلوكها بعد أن أمضت 5 أشهر وهي تحاول تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي، مع الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران حتى عندما استهدفت طائراتها المسيرة صناعة المملكة النفطية.

أعداء السعودية الثلاثة

لكنها تبدو الآن محاصرة، وتواجه أعداء من ثلاثة اتجاهات: "إيران بالإضافة إلى وكلائها في العراق واليمن".

وخلال الأسبوع الماضي، واجهت المملكة هجمات صاروخية من الحوثيين، وهجمات بالطائرات المسيرة من مليشيات موالية لإيران في العراق، وتهديدات مجددة من طهران.

وفجر الثلاثاء، أصبح من الواضح أن ضبط النفس لم يعد خيارا كافيا، حيث نفذت مقاتلاتها، إلى جانب طائرات أمريكية، ضربات في مختلف أنحاء شرق العراق.

لكن الرهانات مرتفعة، إذ يعد الانخراط في صراع أوسع خيارا محفوفا بالمخاطر ومكلفا للغاية بالنسبة للرياض، التي ركزت خلال العقد الماضي على فتح المملكة أمام الاستثمار الأجنبي وجعلها القوة الاقتصادية الإقليمية، وهو ما دفع جزئيا سياسة التهدئة مع إيران قبل الحرب، ما أدى إلى اتفاق برعاية صينية عام 2023.

استراتيجية صراع البقاء

وبحسب شبكة "سي إن إن"، فإن هذه الاستراتيجية أصبحت الآن تصارع البقاء، حيث تجد السعودية نفسها في قلب العاصفة، ومواجهة خصوم غير متوقعين متمرسين في الحرب غير المتماثلة من 3 اتجاهات تمثل كابوسا للمخططين العسكريين.

أنفقت السعودية عشرات المليارات من الدولارات لتحديث جيشها وشراء أحدث المنظومات الدفاعية الصاروخية، لكنها تمتلك مساحة شاسعة تعادل نحو خمس مساحة أمريكا، وسواحل تتطلب الدفاع عنها، إلى جانب بنية تحتية نفطية موزعة على نطاق واسع.

التهديد الحوثي ومخاطر الملاحة

في نهاية الأسبوع، أطلق الحوثيون صواريخ على مجمعين نفطيين سعوديين على ساحل البحر الأحمر.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية ومقاطع الفيديو المحددة جغرافيا أضرارا واسعة النطاق في إحدى تلك المنشآت في جازان بالقرب من الحدود مع اليمن.

وجاءت الضربات الصاروخية في أعقاب هجمات شنها الحوثيون على ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر بعد أن أعلنت الجماعة حظرا على السفن السعودية التي تعبر مضيق باب المندب.

وأعلن الحوثيون عن هجوم آخر على سفينة سعودية يوم الاثنين.

بالنسبة للسعوديين الذين أعادوا توجيه معظم صادراتهم النفطية عبر موانئ البحر الأحمر مثل ينبع في ظل استمرار شلل مضيق هرمز، يمثل الحظر تصعيدا كبيرا.

توسيع صادرات النفط السعودي

ويخطط السعوديون لتوسيع إضافي لصادرات النفط عبر البحر الأحمر لتصل إلى نحو 9 ملايين برميل يوميا خلال السنوات الثلاث المقبلة.

لكن الناقلات التي تغادر ينبع إلى الأسواق الآسيوية يجب أن تعبر باب المندب، ما يترك نحو ثلاثة أرباع الصادرات عبر البحر الأحمر عرضة للتعطيل من قبل الحوثيين، وفق تحليلات الخبراء.

وبحسب "سي أن أن" تظهر صورة أقمار اصطناعية مركبة أعمدة دخان تتصاعد من منشأة نفطية في منطقة جازان بالسعودية في 26 يوليو 2026.

أمضت السعودية 7 سنوات في محاولة لم تكلل بالنجاح لإزاحة الحوثيين من شمال اليمن، حيث شنت هجوما واسع النطاق ضد الجماعة المسلحة في عام 2015، وقد أدى الصراع الناتجة عنه إلى إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وتم الاتفاق على هدنة في عام 2022، لكنها لم تتحول إلى سلام دائم، حيث أبقت السعودية على حصار اقتصادي وجوي على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

الحوثيون يتهمون السعودية بقصف مطار العاصمة صنعاء

وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار العاصمة صنعاء لمنع هبوط رحلة مباشرة قادمة من طهران بعد تجاهلها تحذيرات بتحويل مسارها.

وكانت الرحلة تقل وفدا حوثيا عائدا من تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي.

وقال الباحث في قسم دراسات الحرب بكلية "كينجز كوليدج" لندن نواف عبيد، إن الاهتمام كان منصبا أيضا على ما قد تم نقله على متن تلك الطائرة.

أشعل ذلك دورة جديدة من العنف، توجت بالهجمات الصاروخية خلال نهاية الأسبوع.

الحوثيون تجاوزوا الخطوط الحمراء

ويرى المحلل محمد الباشا أن جميع الخطوط الحمراء تم تجاوزها من قبل الحوثيين.

وذكر مصدر إقليمي لشبكة "سي إن إن" يوم الاثنين، أن قوة كبيرة من المقاتلين اليمنيين المناهضين للحوثيين تتجمع في صحاري شرق اليمن، وإذا تقدمت فسوف تحظى بدعم القوات الجوية السعودية، بما في ذلك مروحيات أباتشي الهجومية.

الرد السعودي على الضربات الجوية

لكن في الوقت الحالي، يتوقع المحللون أن يقتصر الرد السعودي على الضربات الجوية.

ويوم الجمعة، استهدفت القوات الجوية السعودية ميناء الحديدة، وهو الخاضع لسيطرة الحوثيين، ردا على الهجمات التي طالت الناقلات.

ووفق نواف عبيد، فإن القوات الجوية السعودية أصبحت أكثر كفاءة بكثير مما كانت عليه قبل 10 سنوات في رصد التهديدات العسكرية الموزعة وتتبعها والتعامل معها، حيث تمتلك أنظمة مدمجة تقصر الوقت بين الكشف والاشتباك بشكل كبير.

لكن ثمة إمكانية قائمة أيضا لاسترضاء الحوثيين بالمال، إذ طالما طالبوا بتمويل نقدي لتغطية رواتب الموظفين والمسلحين التابعين لهم.

ويرى الباشا أن الحوثيين يتبعون نهجا يشبه النموذج الكوري الشمالي، باستخدام دورات متكررة من الاستفزاز لاستخلاص مكاسب سياسية واقتصادية، وتحويل مناطقهم جنوب السعودية والبحر الأحمر إلى مسرح لنفوذهم.

ويبقى من غير الواضح ما إذا كانوا سيتخلون عن داعميهم الإيرانيين مقابل أموال سعودية.

التهديد القادم من العراق والرد المباشر

بين بساتين النخيل في جنوب العراق، أطلقت مليشيات موالية لطهران دفعتين من الطائرات المسيرة استهدفت بنية تحتية حيوية في السعودية يومي الاثنين والثلاثاء، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع السعودية.

ويرى المحللون أن الحوثيين ربما قدموا مساعدة تقنية لهذه المليشيات.

ضربات سعودية دقيقة وموجهة في العراق

ونفد صبر الرياض، حيث نفذت فجر الثلاثاء ضربات دقيقة وموجهة ضد مليشيات في شرق العراق مرتبطة بالهجمات على المنشآت النفطية في المملكة، بحسب وزارة الدفاع.

وشكل ذلك خطا أحمر جديدا، حيث أكدت الوزارة أن المملكة لا تسعى إلى التصعيد لكنها سترد على أي عدوان تواجهه.

ووفق هيئة الحشد الشعبي العراقية، فإن عددا من الأشخاص سقطوا بين قتيل وجريح جراء تلك الضربات.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، إن العملية المشتركة مثلت ردا قويا على أكثر من 30 هجوم بالمسيرات، ذكرت أنها كانت بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني.

وفقا لـ"سنتكوم"، أُطلقت في الأسابيع الأولى من الحرب مئات المسيرات من العراق باتجاه المنشآت الأمريكية في السعودية، ورغم وقف إطلاق النار في الصراع، تبع ذلك عدد آخر في مايو.

سياسة الرد المباشر

ولن ينسى المسؤولون السعوديون الهجوم الدقيق والمدمّر على مصفاة بقيق في عام 2019، والذي أوقف نحو نصف إنتاج السعودية من النفط.

ورغم تبني الحوثيين لذلك الهجوم، كشفت مصادر استخباراتية لشبكة "سي إن إن" حينها أنه انطلق على الأرجح من العراق.

وفي تلك الواقعة، اختارت السعودية عدم الرد المباشر، لكنها حملت إيران المسؤولية.

التهديد الإيراني المباشر والتبعات الاقتصادية

في شهري مارس وأبريل، سارعت السلطات السعودية للاستثمار في تقنيات مضادة للطائرات المسيرة مع استهداف طائرات شاهد الإيرانية للمنشآت النفطية على ساحلها الشرقي.

وزار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الرياض لتقديم منظومة دفاعية مدمجة للحماية من أسراب المسيرات الإيرانية.

لكن مثل هذه المنظومات لا يتم تركيبها بين عشية وضحاها، ولا تزال السعودية تواجه التهديد المزدوج المتمثل في المسيرات الإيرانية والصواريخ الباليستية قصيرة المدى من الضفة الأخرى للخليج.

ورغم أن إيران لم تستهدف السعودية بشكل مباشر منذ أبريل، كشفت وزارة خارجيتها هذا الأسبوع مجددا أن بعض دول الخليج شاركت بشكل مستقل في هجمات عسكرية على إيران، مشيرة إلى أن أمريكا هي المسؤولة عن الهجمات لكن لا يمكن تجاهل دور بعض دول المنطقة.

ضربات سعودية ضد إيران

وصرح مصدر دبلوماسي مطلع لـ"سي إن إن"، بأن نفذت السعودية بعض الضربات الجوية ضد إيران في بداية الصراع، لكنها كانت مدروسة بدقة.

وقال الدبلوماسي في مايو، إن ذلك كان ردا متناسبا يهدف إلى إظهار قدرة المملكة على الدفاع عن نفسها في حال عدم وجود أمريكا.

وإذا تعرضت السعودية لهجمات جديدة بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، فقد تواجه خيارا صعبا: إما الرد المباشر بما يجرها إلى عمق الحرب، أو التغاضي واستفزاز نظام طهران الذي يراه الكثيرون أكثر راديكالية مما كان عليه قبل الحرب.

ضربة اقتصادية كبيرة

وتواجه السعودية بالفعل ضربة اقتصادية كبيرة جراء الصراع، ففي الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، سجلت أكبر عجز ربع سنوي منذ عام 2018 مع زيادة الإنفاق للحد من آثار الحرب وركود الاقتصاد.

وتم تعويض العجز جزئيا من خلال ارتفاع إيرادات النفط الأكثر كلفة، لكن أي تعطيل إضافي لإنتاج النفط وصادراته يضع ذلك تحت التهديد، حيث تم بالفعل تقليص حجم العديد من المشاريع الضخمة في المملكة.

بيئة إقليمية مضطربة ومستقبل العلاقات

في نهاية المطاف، تجد السعودية نفسها في وسط بيئة تبدو أكثر تهديدا وتقلبا مما كانت عليه في 28 فبراير، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب.

تعاون عسكري أمريكي سعودي

وقد فوجئ المسؤولون السعوديون بالأسلوب الصادم وسياسة التغيير السريع التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران وغزة.

ورغم استمرار التعاون العسكري الوثيق بين السعودية وأمريكا، هناك مخاوف أوسع في الرياض من تركها بمفردها لمواجهة إيران أكثر عدوانية وجرأة بمجرد تراجع الاهتمام الأمريكي.

وتقف المملكة وحلفاؤها عند مفترق طرق، ولا يساعد في ذلك أن السعودية والإمارات بدأتا للتو في إصلاح العلاقات التي تأثرت بالخروج المفاجئ للإمارات من تحالف أوبك، والتباينات حول الصراع مع إيران، الخلاف حول الأطراف الواجب دعمها ضد الحوثيين في اليمن.

ولكن يبدو جليا أن السعودية اتخذت قرارا بوجود حد أقصى لما يمكن تحمله من الضغوط قبل أن تبدأ بالرد المباشر.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان