وسط تصاعد التوترات.. تحرك إماراتي جريء لإعادة بناء العلاقات مع إيران
كتب : وكالات
حرب إيران وأمريكا
تنفذ دولة الإمارات العربية المتحدة، بهدوء، مناورة دبلوماسية واقتصادية عالية المخاطر، تعمل من خلالها على إعادة بناء شبكاتها التجارية التقليدية مع إيران بوتيرة متسارعة، بالتزامن مع تعميق شراكاتها الدفاعية الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبعد خمسة أشهر من التهديد الكبير الذي مثلته هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية، والتي أفرغت مؤقتًا الحي المالي الحيوي في دبي من جزء كبير من نشاطه، نجحت الإمارة في إعادة الحياة التجارية إلى طبيعتها بسرعة، في خطوة تعكس براعة لافتة في تحقيق التوازن بين المصالح الجيوسياسية المتعارضة في المنطقة.
وأصبحت عودة النشاط التجاري واضحة على طول السواحل الإماراتية، حيث عادت السفن الخشبية التقليدية (الداو) للإبحار عبر مياه الخليج، ناقلة البضائع الأساسية بين موانئ دبي والمدن الساحلية الإيرانية.
وفي القطاع المالي، استعادت الأبراج التي تضم مقار البنوك العالمية وشركات إدارة الأصول نشاطها الكامل، في مؤشر على الثقة الكبيرة التي تتمتع بها المنظومة الأمنية الإماراتية لدى المؤسسات المالية الدولية.
وبالنسبة لصناع القرار في كينيا الذين يراقبون استقرار ممرات التجارة الحيوية في المحيط الهندي، فإن قدرة الإمارات على احتواء التهديدات الأمنية المباشرة دون التضحية بعلاقاتها الاقتصادية طويلة الأمد تمثل نموذجًا مهمًا للحفاظ على الاستقرار البحري.
\
هيكل هذه المناورة
وحسب تقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز، استعدت الإمارات منذ سنوات لمواجهة التهديدات غير التقليدية التي تمثلها القدرات العسكرية الإيرانية. لكن حدة التصعيد الإقليمي الأخير فاجأت دول الخليج، ما دفعها إلى إعادة تقييم نهجها الدبلوماسي.
وحسب صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، تعتمد الاستراتيجية الإماراتية الحالية على الفصل الواضح بين المسارين الأمني والاقتصادي؛ فمن جهة، تحافظ على منظومة دفاعية قوية يصعب اختراقها، مدعومة بالتعاون الاستخباراتي مع الدول الغربية، ومن جهة أخرى، تمد جسور التعاون الاقتصادي مع طهران.
ويضمن هذا النهج المزدوج أن تظل لإيران مصلحة اقتصادية مباشرة في استقرار مراكز دبي اللوجستية والمالية.
ومن خلال السماح باستئناف الرحلات الجوية التجارية المباشرة من المدن الإيرانية إلى مطار دبي الدولي، إلى جانب إعادة تنشيط حركة التجارة البحرية التقليدية عبر سفن "الداو"، تبدو الإمارات وكأنها تشتري الاستقرار الإقليمي عبر التجارة وفقا للصحيفة البريطانية.
وتشير فاينانشال تايمز، إلى أنه إذا كانت إيران تستفيد من طرق التجارة التي تمر عبر الإمارات، فإن ذلك يقلل من دوافعها لتعطيل هذه المسارات أو استهدافها عبر هجمات تنفذها بشكل مباشر أو من خلال وكلائها.

انعكاسات على التجارة البحرية في أفريقيا
يرتبط استقرار الخليج العربي وبحر العرب ارتباطًا وثيقًا بالأوضاع الاقتصادية في شرق أفريقيا. فميناء مومباسا في كينيا وميناء دار السلام في تنزانيا يعتمدان بدرجة كبيرة على التدفق السلس لسفن الحاويات القادمة من ميناء جبل علي في دبي أو العابرة عبره. وأي صراع طويل الأمد في الخليج يؤدي فورًا إلى ارتفاع أقساط التأمين البحري وحدوث اختناقات حادة في سلاسل الإمداد في أنحاء القارة الأفريقية.
ووفقا لـ فاينانشال تايمز، فإن الجالية الكينية العاملة في الإمارات ستستفيد مباشرة من هذا الاستقرار، إذ يعتمد مئات الآلاف من العمال الوافدين من شرق أفريقيا على النشاط الاقتصادي في دبي وأبوظبي لتوليد تحويلات مالية تشكل مصدر دعم مهم للاقتصاد الكيني وللدخل الأسري. ويرى التقرير أن أي اضطراب في استقرار الإمارات قد يهدد أحد الركائز الأساسية لتدفقات النقد الأجنبي إلى كينيا.
إدارة التوازن بين إسرائيل والولايات المتحدة
الصحيفة أشارت في تقريرها أيضًا، أن أكثر عناصر الاستراتيجية الإماراتية حساسية يتمثل في الحفاظ على التوازن الدقيق مع حلفائها الغربيين. فبينما تتبنى واشنطن والقدس سياسات ردع صارمة تجاه طهران، ترسم أبوظبي مسارًا أكثر استقلالية.
ويوفر التعاون الدفاعي المتنامي بين الإمارات وإسرائيل، الذي تأسس في إطار اتفاقيات أبراهام، للإمارات التكنولوجيا اللازمة للتصدي للهجمات الجوية المحتملة. وفي المقابل، أكدت أبوظبي بشكل واضح أن أراضيها لن تُستخدم نقطة انطلاق لأي عمليات عسكرية هجومية ضد إيران.
ويشير محللون عسكريون لفاينانشال تايمز، إلى أن هذا النهج القائم على الحياد المدروس يمنع الإمارات من التحول إلى ساحة رئيسية لأي حرب أوسع في الشرق الأوسط.

انعكاسات على التجارة البحرية في أفريقيا
ويشير تقرير فاينانشال تايمز، إلى عدد من المؤشرات التي تعكس عودة النشاط الاقتصادي، أبرزها: استئناف حركة التجارة: عادت حركة النقل البحري التقليدية بين الإمارات وإيران، ما أسهم في استقرار سلاسل الإمداد الإقليمية. أيضًا انتعاش القطاع المالي: حيث عاد آلاف العاملين في البنوك والمؤسسات المالية الدولية إلى دبي، في إشارة إلى استعادة ثقة المستثمرين ورؤوس الأموال العالمية.
ووفقا للصحيفة الأمريكية من ضمن المؤشرات أيضًا، استئناف الرحلات الجوية: حيث أعادت الرحلات المباشرة بين البلدين ربط مسار مهم للحركة التجارية والدبلوماسية وتنقل المدنيين. وأيضًا تعزيز القدرات الدفاعية: فتواصل الإمارات تطوير منظومة الدفاع ضد الصواريخ الباليستية بالتنسيق الوثيق مع شركات دفاعية أمريكية وإسرائيلية.
ومن خلال الاستثمار المكثف في أنظمة الاعتراض المصممة في إسرائيل، مع استمرار استقبال التجار الإيرانيين في أسواقها، تؤدي الإمارات، بحسب تقرير فاينانشال تايمز، دور الوسيط الإقليمي بامتياز.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News