إعلان

بعد إعلان روبيو.. لماذا تسعى إدارة ترامب لتفكيك الجنائية الدولية؟

كتب : محمود الطوخي

11:49 م 14/07/2026

ماركو روبيو

تابعنا على

تتصاعد حدة المواجهة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمحكمة الجنائية الدولية عقب إعلان وزارة خارجيته عن خطة شاملة تهدف إلى عزل المؤسسة القضائية الدولية وتفكيكها ماليا ودبلوماسيا، في خطوة تهدف لحماية المسؤولين الأمريكيين وحلفائهم من الملاحقة القضائية الدولية.

تفكيك لبنة لبنة: تهديد بقطع المساعدات وحظر تأشيرات الدول الرافضة

تعهد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في مقال كتبه نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" يوم الإثنين، بتفكيك المحكمة الجنائية الدولية "لبنة لبنة، إذا لزم الأمر"، مستعينا بكافة الأدوات المتاحة للحكومة الأمريكية وبالتنسيق مع الحلفاء.

واتهم روبيو المحكمة بشن حرب ضد بلاده بقوة ما يسمى بالقانون الدولي عوضا عن استخدام الرصاص أو الصواريخ، معتبرا أن المحكمة "مدعومة ومدارة من قبل شبكة قوية من المنظمات غير الحكومية اليسارية، والعولميين المغرورين، وحكومات العالم الثالث المعادية التي يجمعها العداء لأمريكا".

وفي سياق متصل، كشف مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية عن إطلاق الإدارة الأمريكية "حملة حكومية شاملة" تقودها الوزارة للضغط على الدول في جميع أنحاء العالم للانسحاب من المحكمة وقطع الدعم المالي عنها.

وأشار المسؤول إلى أن الدول التي ترفض إنكار سلطة المحكمة الزائفة بينما تعتمد على المساعدات الأمريكية ستخضع على الأرجح لتدقيق متزايد، ملوحا باحتمالية قطع المساعدات الأمريكية وإلغاء تأشيرات الدخول وفرض حظر السفر وزيادة العقوبات الاقتصادية.

وأفاد المسؤول في الخارجية الأمريكية، أن الدول التي تشارك أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية، أو تستضيف وجودا عسكريا أمريكيا، أو تستفيد من مظلة الأمن الأمريكية الأوسع، مُطالبة رسميا برفض سلطة المحكمة المزعومة في مقاضاة المسؤولين والعسكريين الأمريكيين، مؤكدا أن واشنطن ستراقب باهتمام مواقف الدول في هذا الصدد.

وأضاف المسؤول أن كبار الدبلوماسيين الأمريكيين، بمن فيهم الوزير ونائبه والسفراء، يجرون اتصالات مكثفة بالدول الأعضاء لعزل المحكمة دبلوماسيا وضمان عدم استهدافها للأمريكيين.

شروط واشنطن: مطالب الحصانة لترامب وإسقاط قضايا غزة وأفغانستان

في ديسمبر الماضي، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول في الإدارة الأمريكية، أن واشنطن طلبت رسميا من المحكمة الجنائية الدولية إجراء تعديلات على نظام روما الأساسي - الميثاق التأسيسي للمحكمة الصادر عام 2002 - لضمان عدم تعرض الرئيس ترامب وكبار مسؤوليه للملاحقة مستقبلا.

وأوضح المسؤول، أن ترامب هدد بفرض عقوبات جديدة ومباشرة على المحكمة ما لم تمتثل لطلبات واشنطن الثلاثة وهي: تعديل نظام روما الأساسي لمنح الحصانة للرئيس الأمريكي ومسؤوليه، وإسقاط الأحكام ومذكرات الاعتقال الصادرة ضد قادة الاحتلال الإسرائيلي بشأن حرب غزة، وأخيرا إنهاء التحقيق السابق الذي يخص انتهاكات القوات الأمريكية في أفغانستان.

وأشار المسؤول الأمريكي آنذاك، إلى أن واشنطن أبلغت أعضاء المحكمة الجنائية، بمن فيهم الحلفاء، وكذلك المحكمة نفسها بهذا الطلب بشكل صريح.

ويأتي هذا التحرك بالرغم من أن أمريكا لم توقع على نظام روما الأساسي للمحكمة التي تضم 125 دولة وتتمتع بسلطة محاكمة الأفراد المسؤولين عن الجرائم المرتكبة على أراضي الدول الأعضاء.

وكانت المحكمة الدولية قد أصدرت في أواخر نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، إلى جانب قادة في حماس، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.

وقبل ذلك، فتح المدعي العام للجنائية الدولية تحقيقا في مارس 2020 بشأن جرائم محتملة ارتكبتها القوات الأمريكية في أفغانستان، ورغم تقليل المحكمة من أهمية التحقيق في دور واشنطن عام 2021، فإنها لم تغلق الملف رسميا حتى الآن.

المخاوف القانونية لعام 2029 وتحركات واشنطن والاحتلال

وفقا للمسؤول الأمريكي الذي نقلت عنه "رويترز"، فإن هناك قلق متزايد داخل الإدارة الأمريكية من أن تصب الجنائية الدولية اهتمامها في عام 2029 على مقاضاة ترامب، ونائبه جيه دي فانس، ووزير الحرب بيت هيجسيث، وغيرهم من المسؤولين عقب انتهاء ولايتهم الفيدرالية.

ووصف المسؤول هذا الاحتمال بأنه "غير مقبول ولن نسمح به على الإطلاق"، مشيرا إلى أن الحل الجذري يكمن في تعديل نظام روما الأساسي لتوضيح عدم امتلاك المحكمة الاختصاص القضائي على غير الأعضاء.

ومع ذلك، لفت تقرير "رويترز" إلى أن إجراء أي تعديل على نظام روما الأساسي سيكون بالغ الصعوبة والبطء ويتطلب موافقة ثلثي الدول الموقعة.

وفي هذا الصدد، أكدت وحدة الشؤون العامة بالمحكمة الجنائية الدولية لـ"رويترز" أن تعديل النظام الأساسي يعد من الصلاحيات الحصرية للدول الأطراف، ممتنعة عن توضيح ما إذا كانت الإدارة الأمريكية قد تواصلت مع المحكمة لطلب حصانة ترامب.

وأفادت "رويترز" بأن أي عقوبات أمريكية محتملة على المحكمة ستعوق عملياتها اليومية الأساسية بشكل كبير، بما في ذلك القدرة على دفع رواتب الموظفين، والوصول إلى الحسابات المصرفية، واستخدام برمجيات الحواسب المكتبية الروتينية.

وفي وقت سابق، فرضت واشنطن عقوبات على 9 مسؤولين في المحكمة من قضاة ومدعين عامين لإجبارهم على التراجع، دون أن تصل العقوبات إلى جسد المحكمة نفسه لضمان عدم شل حركتها بالكامل.

وربطت الأوساط القانونية الدولية هذه التحركات بملفات عسكرية حساسة؛ حيث شن الجيش الأمريكي في سبتمبر 2025 سلسلة ضربات مميتة استهدفت قوارب وسفن يزعم استخدامها في تهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي قبالة سواحل فنزويلا والمحيط الهادئ، أسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص.

ورغم رفض المسؤول الأمريكي الإجابة عن سؤال حول مخاوف الإدارة من تحقيقات تخص فنزويلا، أكد المدعي العام للجنائية الدولية لـ"رويترز" أن المحكمة لم تتلقَ أي طلبات للتحقيق في الإجراءات الأمريكية هناك.

أما على الصعيد الحقوقي، فقد صرح عمر شاكر، المدير التنفيذي لمنظمة "الديمقراطية الآن للعالم العربي" (داون)، لشبكة "سي إن إن" بأن روبيو شوه طبيعة دعوة المنظمة للتحقيق في جميع جرائم الحرب المحتملة في حرب إيران، متسائلا عما إذا كان روبيو يعتقد أن الأفراد الأمريكيين يجب أن يعفوا من التحقيق حال ارتكاب جرائم حرب.

وأكد شاكر أن "التاريخ سيحكم على الحكومات بناء على دفاعها عن القانون الدولي"، مضيفا أن ما يفككه روبيو لبنة لبنة ليس المحكمة ذاتها، بل النظام الدولي القائم على القواعد والذي نشأ من رماد الحرب العالمية الثانية.

محاور التنسيق الثلاثي: ترامب يقترح تحالفا مع الصين وروسيا

وفي إطار المساعي الجيوسياسية لمواجهة القضاء الدولي، كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية في مايو الماضي، أن الرئيس دونالد ترامب اقترح على الرئيس الصيني شي جين بينج خلال زيارته الأخيرة إلى بكين التنسيق مع روسيا لمواجهة المحكمة الجنائية الدولية، مؤكدا تطابق مصالح الدول الثلاث ضد المحكمة التي باتت نقطة صدام دولي متزايد.

ولم تكشف مصادر الصحيفة المطلعين عن طبيعة الرد الصيني على المقترح الأمريكي.

وجاء هذا الطرح بالتزامن مع زيارة رسمية أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين يومي 19 و20 مايو الماضي لبحث العلاقات الثنائية والملفات الدولية مع شي جين بينج وفق ما أعلنه الكرملين.

وتكتسب هذه الخطوة أبعادا استراتيجية في ظل صدور مذكرة توقيف بحق بوتين ومفوضة حقوق الطفل الروسية ماريا ليفوفا بيلوفا في مارس 2023 من قبل الجنائية الدولية بتهم تتعلق بترحيل أطفال أوكرانيين.

تقويض النظام الدولي وصراع ترامب التاريخي مع الأمم المتحدة

أشارت وكالة "رويترز" في تقرير سابق لها إلى أن الإجراءات العقابية التي يتخذها ترامب ضد الجنائية الدولية تأتي ضمن أمر تنفيذي أوسع استخدم سابقا لفرض عقوبات على قضاة ومدعين لمنع أي محاسبة مستقبيلة للقوات الأمريكية في العمليات الخارجية.

وربطت الوكالة هذا المسار بسياسة الضغوط المتبعة في ملفات أخرى مثل حرب إيران، والأزمات داخل حلف شمال الأطلسي، والضغوط الخاصة بجرينلاند.

وترى "رويترز" أن هذه المواجهة تمثل امتدادا لموقف ترامب التقليدي المناهض للمنظمات الدولية منذ ولايته الأولى، والتي شهدت انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ وخفض تمويل وكالات الأمم المتحدة.

وتواجه الأمم المتحدة حاليا أزمة مالية خانقة، إذ تدين واشنطن بأكثر من 2.1 مليار دولار من الرسوم الإلزامية، وسط تحذيرات أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من خطر "انهيار مالي وشيك" يهدد المنظمة الدولية.

ولفتت "رويترز" إلى أن هذه السياسة تأتي ضمن توجه أوسع للإدارة الأمريكية للانسحاب من ملفات حقوق الإنسان عالميا، وتقليص الجهود الدبلوماسية والتمويل المخصص للمنظمات والمدافعين عن حقوق الإنسان، بما شمل انسحاب واشنطن أو خفض مساهماتها في هيئات دولية بارزة مثل مجلس حقوق الإنسان، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأغذية العالمي.

وقد توجت هذه الخطوات عمليا في فبراير 2025 بإصدار ترامب أمرا تنفيذيا يتيح فرض عقوبات مباشرة على المحكمة الجنائية الدولية استهدفت أولا المدعي العام كريم خان، ما شكل تصعيدا غير مسبوق في الساحة الدولية.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان