إعلان

6 حكومات في 10 سنوات.. لماذا لا تستطيع بريطانيا الاحتفاظ برؤساء وزرائها؟

كتب : محمد جعفر

01:03 م 23/06/2026 تعديل في 01:03 م

رؤساء وزراء بريطانيا في 7 أعوام

تابعنا على

تحولت أزمة الاقتصاد البريطاني من مجرد تحدٍ أمام الحكومات المتعاقبة، إلى عامل حاسم في رسم الخريطة السياسية للبلاد، بعدما أطاحت خلال أقل من عقد بعدد غير مسبوق من رؤساء الوزراء.

ستة رؤساء وزراء خلال سبع سنوات

تواجه المملكة المتحدة مرحلة سياسية جديدة تتسم بعدم اليقين، مع اقترابها من تعيين سادس رئيس وزراء خلال العشر سنوات الأخيرة، في مؤشر يعكس عمق التحديات الاقتصادية التي أطاحت تباعاً بقادة الأحزاب الحاكمة والمعارضة على حد سواء، وسط تراجع مستويات المعيشة واستمرار الضغوط على الأسر البريطانية.

ويغادر رئيس الوزراء المنتهية ولايته وزعيم حزب العمال كير ستارمر منصبه بعد عامين فقط من توليه السلطة، لينضم إلى قائمة من القادة الذين أخفقوا في تحقيق اختراق اقتصادي ملموس، بينهم ريشي سوناك وليز تراس وبوريس جونسون وتيريزا ماي، الذين واجهوا بدورهم أزمات اقتصادية وسياسية متشابهة أدت إلى تقليص فترات بقائهم في الحكم.

كير ستارمر رئيس وزراء بريطانيا السابق

وتبقى تجربة ليز تراس المثال الأبرز على تأثير الاقتصاد في مصير القادة السياسيين، إذ لم تستمر في منصبها سوى أقل من شهرين بعدما أثارت خطتها الخاصة بتخفيضات ضريبية غير ممولة اضطرابات حادة في أسواق السندات وكادت تدفع الأسواق المالية البريطانية إلى أزمة واسعة.

تراجع مستويات المعيشة يضغط على الحكومات

وبحسب تقرير لشبكة (سي إن إن) يجمع خبراء اقتصاد على أن تقييم الناخبين لأداء الحكومات يرتبط بشكل مباشر بقدرتهم الشرائية ومستويات معيشتهم اليومية، وفي بريطانيا، يدفع السياسيون ثمناً سياسياً مرتفعاً نتيجة الشعور المتزايد لدى المواطنين بأن الحياة أصبحت أكثر صعوبة وكلفة.

ورغم تولي حزب العمال السلطة عام 2024 على خلفية وعود بإحداث تغيير اقتصادي، فإن المؤشرات المعيشية لم تشهد تحسناً ملموساً، ووفق بيانات مكتب الإحصاء البريطاني، ارتفع متوسط الأجر الأسبوعي الحقيقي، بعد احتساب التضخم واستبعاد المكافآت، بأقل من 1% ليصل إلى 494 جنيهاً إسترلينياً (651 دولاراً)، وهو معدل نمو محدود لا يختلف كثيراً عما تحقق منذ عام 2019.

وفي الوقت نفسه، بلغت الضرائب أعلى مستوياتها منذ عقود، ما زاد من الضغوط على الأسر والشركات. ويقول راؤول روباريل، كبير الاقتصاديين في مجموعة بوسطن الاستشارية بالمملكة المتحدة، إن الأداء الاقتصادي الضعيف بات جزءاً من شعور عام لدى البريطانيين بأن أوضاعهم لا تتحسن بالشكل المأمول.

وعلى مدار السنوات الماضية، جعل ستارمر ومن سبقه من رؤساء الحكومات قضية ضعف النمو الاقتصادي أولوية رئيسية، إلا أن تحقيق نمو قوي ومستدام ظل هدفاً بعيد المنال، ومع ارتفاع الدين الحكومي، تراجعت قدرة الحكومات المتعاقبة على معالجة مشكلات متراكمة تشمل البنية التحتية المتهالكة وأزمة الإسكان المزمنة.

صورة 2

ويرى خبراء في حديثهم لـ (سي إن إن) أن النمو الاقتصادي يمثل أساس معالجة بقية الملفات، إذ يتيح للحكومة زيادة الإنفاق والاستثمار وخفض الضرائب وتحسين الخدمات العامة.

وبحسب تقديرات شركة "كابيتال إيكونوميكس"، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي البريطاني نحو 1% سنوياً فقط منذ تولي تيريزا ماي رئاسة الحكومة في يوليو 2016، فيما ظل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي يعد مؤشراً أكثر دقة على مستويات المعيشة، عند مستويات ضعيفة.

وساهم هذا المناخ الاقتصادي في فوز حزب العمال بأغلبية كبيرة في انتخابات عام 2024 تحت شعار "التغيير"، بعد 14 عاماً من حكم المحافظين شهدت خلالها البلاد تداعيات جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب سياسات التقشف التي أعقبت الأزمة المالية العالمية.

غير أن بطء ظهور نتائج ملموسة على أرض الواقع انعكس سريعاً على شعبية ستارمر وحزب العمال، حيث تكبد الحزب خسائر كبيرة في انتخابات الحكم المحلي خلال مايو الماضي، في إشارة إلى تراجع ثقة الناخبين بقدرة الحكومة على تحسين أوضاعهم المعيشية.

وقال بن هاريسون، مدير مؤسسة العمل البحثية في جامعة لانكستر، في تصريحاته لـ (سي إن إن) إن استطلاعات الرأي أظهرت باستمرار أن ارتفاع تكاليف المعيشة يمثل الهاجس الأكبر لدى البريطانيين، وهو ما لعب دوراً أساسياً في توجهات الناخبين خلال الاستحقاقات الأخيرة.

إرث من الأزمات ينتظر رئيس وزراء بريطانيا القادم

ويستعد رئيس الوزراء المقبل لتولي المسؤولية في ظل الظروف الاقتصادية نفسها التي واجهت سلفه، مع إدراك متزايد بأن معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد البريطاني تحتاج إلى سنوات وليس إلى إجراءات سريعة.

ويرى روباريل أن مشاريع تطوير البنية التحتية وخفض أسعار الطاقة وتحفيز النمو الاقتصادي تتطلب وقتاً طويلاً قبل أن تنعكس نتائجها على حياة المواطنين.

من جهتها، قالت روث جريجوري، نائبة كبير الاقتصاديين البريطانيين في "كابيتال إيكونوميكس"، إن الحكومة طرحت سياسات وأفكاراً قد تمنح الاقتصاد دفعة طويلة الأمد، من بينها زيادة الاستثمارات وتسريع بناء المساكن، إلا أن أخطاء التنفيذ حدّت من تأثير هذه الخطط، وتزداد التحديات تعقيداً في ظل توقعات صندوق النقد الدولي بنمو الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.8% فقط خلال العام الجاري، بانخفاض نصف نقطة مئوية عن تقديراته الصادرة في يناير، نتيجة تداعيات التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.

وفي هذا السياق، حذرت الرئيسة التنفيذية لاتحاد الصناعات التجارية، رين نيوتن سميث، من أن تغيير رئيس الوزراء لن يكون كافياً لمعالجة المشكلات الاقتصادية المتجذرة، مؤكدة أن تعافي الاقتصاد يتطلب استقراراً سياسياً وخطة نمو واضحة وقابلة للتنفيذ.

وأضافت أن الحكومة المقبلة مطالبة بالتحرك سريعاً لطمأنة المستثمرين والشركات، وحماية مستويات المعيشة، وتهيئة بيئة اقتصادية أكثر استقراراً، في وقت تواجه فيه المملكة المتحدة واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية والسياسية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة.

البريكست سبب رئيسي في التغييرات المستمرة لرؤساء وزراء بريطانيا

بحسب التقرير، تعكس وتيرة التغيير السريعة في رئاسة الحكومة البريطانية حجم الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال العقد الأخير، فخلال السنوات العشر الماضية، تعاقب على قيادة الحكومة البريطانية ستة رؤساء وزراء، مقارنة بثلاثة رؤساء فقط في الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها.

ويُعزى جانب كبير من هذا الاضطراب إلى تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، الذي أقره الناخبون بفارق ضئيل في استفتاء عام 2016، ليدخل البلاد في مرحلة طويلة من الانقسام السياسي وعدم اليقين الاقتصادي.

وتفاقمت التحديات لاحقاً بفعل جائحة كورونا، ثم موجة التضخم المرتفعة، وأزمة الطاقة الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، إلى جانب تنامي الجدل حول ملف الهجرة.

ومع حلول عام 2024، ارتفعت تطلعات البريطانيين لإحداث تغيير جوهري في إدارة البلاد، وجاء زعيم حزب العمال كير ستارمر إلى السلطة حاملاً وعوداً بإحداث هذا التحول، إلا أن حجم التحديات الاقتصادية المتراكمة واستمرار تداعيات مرحلة ما بعد "بريكست"، إلى جانب صعود الأحزاب اليمينية والشعبوية، وفي مقدمتها حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج، قلّصت هامش المناورة أمام حكومته.

وفي ظل هذه الظروف، واجه ستارمر صعوبة في إقناع الناخبين وقواعد حزبه بقدرته على تحقيق التغيير الموعود، الأمر الذي ساهم في تراجع شعبيته وسط استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجه المملكة المتحدة.

وفي المحصلة، لا تبدو أزمة بريطانيا مرتبطة بأسماء رؤساء الحكومات بقدر ارتباطها بتحديات اقتصادية وهيكلية عميقة تراكمت على مدار سنوات، فبين تداعيات "بريكست"، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف النمو الاقتصادي، وتزايد الضغوط على الخدمات العامة، يجد كل رئيس وزراء نفسه أمام الإرث ذاته الذي أسقط أسلافه.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان