إعلان

حرب إسرائيل ولبنان.. هل تعرقل الاتفاق بين إيران وأمريكا؟

كتب : وكالات

09:57 م 21/06/2026

إسرائيل ولبنان

تابعنا على

تلقي الحرب بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله في مناطق الجنوب اللبناني، بظلال قاتمة على فرص نجاح التفاهمات المبدئية التي بلورتها إيران لوضع حد للحرب الدائرة بينهما.

وتضع مذكرة التفاهم المشتركة ملف تهدئة الأجواء في لبنان كركيزة أساسية تضمن توفير الحماية لحزب الله، الذي يمثل الحليف الإقليمي الأقدم لطهران، من الهجمات العسكرية الإسرائيلية، شريطة أن يمتنع الحزب عن توجيه قذائفه نحو إسرائيل.

وقد أسفرت هذه التوترات الميدانية المتصاعدة عن إرجاء جولة المفاوضات التي تجري اليوم بين إيران وأمريكا والتي كان من المقرر أن تكون يوم الجمعة الماضي، والتي كان من المتوقع أن تدشن مسارا شائكا لتفكيك الأزمات الاستراتيجية المزمنة، وفي مقدمتها ملف طهران النووي، وحزمة العقوبات المفروضة عليها، إلى جانب خطوة القيادة العسكرية الإيرانية المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز الحرج.

ومع استمرار العمليات القتالية في جنوب لبنان، باتت هذه المعطيات تفرض نفسها بقوة على طاولة المفاوضات المستأنفة بين وفدي واشنطن وطهران في سويسرا اليوم الأحد.

جذور التصعيد في لبنان وتداعياته الميدانية

تضرب هذه المواجهات بجذورها في عمق التاريخ القريب، حيث يمتلك حزب الله، واحدة من أضخم القوى العسكرية غير النظامية في الشرق الأوسط، وبدأ صدامه مع إسرائيل منذ تأسيس وجوده على الأراضي اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي.

ويضع الحزب مسألة إنهاء وجود إسرائيل ضمن أدبياته الثابتة، ممتلكا ترسانة ضخمة من الصواريخ والقذائف والطائرات المسيرة التي جرى تطويرها بدعم تقني ومعرفي من إيران.

في المقابل، أطلقت إسرائيل حملات عسكرية متعاقبة ضد الحزب، كان أكثرها ضراوة في عام 2006، حينما أدت عملية نفذها حزب الله عبر الحدود وأسفرت عن أسر جنديين إسرائيليين إلى اندلاع مواجهة برية وجوية واسعة النطاق استمرت لما يزيد عن شهر.

وفي وقت لاحق، أفاد تقرير صادق عليه لجنة تحقيق إسرائيلية مستقلة أن تلك الحملة شكلت "فرصة ضائعة خطيرة"، بعد أن انخرطت إسرائيل في حرب طويلة الأمد دون أن تكللها بنصر عسكري صريح.

على الرغم من ذلك، حافظ حزب الله على قوام بنيته العسكرية، ومع حلول أكتوبر من عام 2023، شرع في توجيه ضربات صاروخية عبر الحدود بالتزامن مع الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي جاء ردا على غارة حركة حماس في العمق الإسرائيلي.

وامتدت تلك الجولة لعام كامل من القتال العنيف، الذي تمكنت إسرائيل خلاله من تصفية الأمين العام للحزب حسن نصر الله.

وفي نوفمبر 2024، حظي اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار وبدء انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بموافقة تل أبيب، خير أن جيش الاحتلال استمر في التمركز بمواقعه بعد انقضاء المهلة المتفق عليها، مواصلا شن غارات شبه يومية بذريعة وجود خروقات من جانب حزب الله.

ودخل المشهد الإقليمي مرحلة جديدة من العنف المتبادل بعد أن شنت إسرائيل وأمريكا حربا على إيران في أواخر فبراير الماضي، أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.

ومع مطلع شهر مارس، رد حزب الله بقصف مناطق شمال إسرائيل ردا على استهداف إيران.

وقد قابل جيش الاحتلال الإسرائيلي هذا الرد بإطلاق موجة عاتية من الغارات الجوية على البنية العسكرية لحزب الله، دافعا بقطاعاته البرية إلى عمق الأراضي اللبنانية لتأسيس حزام أمني عازل.

تسببت هذه الإجراءات العسكرية في تهجير غالبية سكان الجنوب اللبناني، فضلا عن تسوية آلاف المنازل بالتراب في القرى الحدودية.

ووفقا لآخر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية، فإن هذه الحملة العسكرية أدت إلى مقتل ما يزيد عن 4050 شخصا منذ مارس الماضي.

بنود التفاهم ومواقف طهران وتل أبيب

وتظهر السطور الأولى من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، المكونة من 14 نقطة، أن وضع حد للعمليات العسكرية في لبنان يمثل حجر الزاوية والشرط الأساسي لنجاح الاتفاق بين إيران وأمريكا.

وتقضي بنود الاتفاق بأن تعلن إيران وأمريكا والأطراف الموالية لهما "الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، ويتعهدون من الآن فصاعدا بعدم البدء في أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضهم البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهم البعض، وضمان السلامة الإقليمية لسيادة لبنان".

وفي هذا السياق، أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس إلى أن التفاهمات الحالية تشترط بلوغ حالة وقف إطلاق نار شامل على كافة المحاور، بما يشمل جبهات لبنان.

وترى طهران أن كف يد إسرائيل عن مهاجمة ذراعها الإقليمي الأقوى يشكل ركيزة ومطلبا حيويا لا يقبل المساومة في إطار هذه المفاوضات المعقدة الممتدة منذ 3 أشهر.

وأفاد مصدر دبلوماسي مطلع على كواليس المباحثات لشبكة "سي إن إن" يوم الجمعة، أن إيران اشترطت تلقي ضمانات جادة بإنهاء الأعمال الحربية في لبنان كشرط مسبق لمواصلة الحوار مع واشنطن، وهي المناقشات الحذرة التي تجري برعاية دبلوماسية من مسؤولين في باكستان وقطر، والتي جرى استئنافها اليوم الأحد في سويسرا.

على النقيض من ذلك، تجد حكومة الاحتلال الإسرائيلية في سلبها حرية الحركة العسكرية لإضعاف قدرات حزب الله أمرا غير مقبول على الإطلاق، ما يضع متانة الروابط بين تل أبيب وواشنطن أمام محك معقد.

وفي هذا الصدد، أشار وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير يوم الجمعة، إلى أن بلاده يجب أن تؤكد للعالم أن دماء مواطنيها وأمنهم لا يمكن التضحية بهما لإرضاء الجانب الأمريكي.

وصرح رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرارا، بأن قواته لن تخلي المواقع اللبنانية، موضحا يوم الخميس في أول تعليق رسمي له عقب تسريب مسودة التفاهم، أن إعادة الاستقرار إلى الجبهة الشمالية تتطلب بقاء الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان طالما اقتضت الضرورة ذلك.

من جانبه، رفض حزب الله الرواية الإسرائيلية التي تتهمه بخرق التهدئة، معتبرا أن تل أبيب تواصل الحرب دون الاكتراث بالاتفاق الأمريكي الإيراني، ومؤكدا في أن عناصره سيبقون في حالة تأهب تام لصد أي عدوان.

وفي المعسكر الإيراني، يلقي انعدام الثقة في وعود واشنطن بظلاله على مسار التفاوض، حيث أفاد رئيس لجنة الأمن الوطني في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي يوم السبت، أن عجز واشنطن عن تفعيل البند الأول من المذكرة يبرهن على غياب الإرادة السياسية لبناء جسور الثقة مع الشعب الإيراني.

الانقسام في واشنطن والسيناريوهات المستقبلية

داخل أروقة البيت الأبيض، أبدى الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس امتعاضا واضحا جراء تواصل الغارات الإسرائيلية في لبنان، ورفض تل أبيب لركائز الاتفاق بين إيران وأمريكا.

وصرح فانس هذا الأسبوع بأنه لو كان في موقع القرار داخل حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتجنب الصدام مع الحليف الدولي القوي الوحيد المتبقي لبلاده في العالم.

وفي تحليله لهذا الموقف، قال نائب الرئيس التنفيذي لمعهد "كوينسي"، تريتا بارسي، إن فانس لا يكتفي بتغيير وجهات النظر حول إسرائيل في الداخل الأمريكي، بل يضع نموذجا سياسيا كليا جديدا.

ورغم هذه التباينات، لا تزال تل أبيب تتمتع بظهير قوي في واشنطن وبالتحديد داخل الكونجرس، حيث أكد ترامب يوم الجمعة بعد محادثات صعبة مع نتنياهو أن التنسيق العسكري مع إسرائيل سار بشكل جيد للغاية وأن الروابط معها تظل وثيقة.

وتتوقف الآفاق المستقبلية لهذه التفاهمات بالدرجة الأولى على مدى عزم واشنطن على تطبيق وقف إطلاق النار قسريا دون الحصول على ضوء أخضر كامل من نتنياهو.

وفي هذا الإطار، ذكر رئيس القسم الإيراني الأسبق في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، أن جبهة لبنان تظل العقبة الأساسية أمام أي تقارب موسع مع طهران، لافتا إلى أن التساؤل الجوهري يتمحور حول المدى الذي تود واشنطن بلوغه لفرض هدنة يقدم كل طرف تفسيرا مغايرا لآلياتها.

وفي غضون ذلك، تطالب إسرائيل عبر قنوات التواصل مع بيروت بضرورة تجريد حزب الله من سلاحه، وهو أمر تعجز المؤسسة العسكرية والجيش اللبناني عن تنفيذه على أرض الواقع حتى اللحظة.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى الخبير في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إميل حكيم، أن الحكومة اللبنانية تبدو الضحية السياسية الأولى لهذه الحرب، بعد أن جرى استبعادها بالكامل من كواليس مفاوضات وقف إطلاق النار، ما تسبب في تقويض دورها من قبل القوى الأربع: واشنطن، وطهران، وتل أبيب، وحزب الله.

وأوضح حكيم في تحليل له عبر منصة "إكس"، أن هذا المشهد ينطوي على تعقيدات بالغة، مؤكدا أن إيران نجحت في ربط ملف لبنان بأمن مضيق هرمز، بينما أسفرت الحسابات الإسرائيلية القائمة على الخيار العسكري وحده عن نتائج عكسية أضرت بمصالحها.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان