إعلان

بعد إعلان اتفاق واشنطن وطهران.. من يكتب شروط نهاية حرب إيران؟

كتب : محمد طه

05:44 ص 15/06/2026 تعديل في 07:58 م

من يكتب شروط نهاية حرب إيران؟ (AI)

تابعنا على

في الساعات التي تلت الضربة الإسرائيلية للضاحية الجنوبية من العاصمة اللبنانية بيروت، بدا السؤال الأهم هو ما إذا كان الاتفاق بين واشنطن وطهران قد دخل مأزقًا جديدًا يهدد بانفجار المسار كله. ثم جاءت التطورات اللاحقة، بدءًا من الإعلانات الصادرة من باكستان والولايات المتحدة وصولًا إلى الموقف الإيراني، لتؤكد أن المسار انتقل إلى لحظة سياسية أكثر حساسية، تقرر لها مبدئيًا يوم الجمعة المقبل للتوقيع، في خطوة أولى نحو وقف حرب إيران.

ومع هذا الانتقال، اتسع السؤال من توقيت التوقيع إلى مضمون التفاهم نفسه، وإلى الجهة التي ستملك في النهاية تعريف شروط الخروج من المواجهة التي هددت استقرار الإقليم واقتصاد العالم.

مضيق هرمز، كما شوهد من مسندم، عمان، 14 يونيو 2026. (رويترز)

شروط نهاية حرب إيران.. أين نحن الآن؟

المسودة التي كشفتها رويترز تضع أمام الأطراف ترتيبًا انتقاليًا يوقف العمليات العسكرية ويفتح الباب أمام تفاوض أصعب على قلب الملف النووي.

يشمل التفاهم تخفيف القيود على صادرات النفط الإيرانية، والإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول المجمدة، وامتناعًا أمريكيًا عن فرض عقوبات جديدة إلى حين الوصول إلى اتفاق نهائي، مقابل التزام إيراني بعدم إنتاج أو امتلاك سلاح نووي، والإبقاء على المواد المخصبة داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع إعادة فتح مضيق هرمز وإطلاق مهلة تفاوضية تمتد 60 يومًا.

إذا وُضعت هذه البنود داخل سياقها الاستراتيجي، يظهر أن التفاهم يوزع الوقت والمكاسب ولا يغلق الصراع بالكامل. فطهران تحصل على انفراجة مالية وملاحية وسياسية، وواشنطن تحصل على وقف للنار ومسار تفاوضي يتيح لها ملاحقة التفاصيل التقنية لاحقًا.

غير أن مستقبل التخصيب، وآليات التحقق، وحدود التعامل مع الصواريخ وشبكات النفوذ الإقليمي، تبقى ملفات مفتوحة، وهو ما يفسر لماذا تتعامل العواصم المعنية مع التوقيع باعتباره افتتاحًا لمرحلة جديدة أكثر من كونه نقطة نهاية نهائية.

ولهذا اكتسبت ضربة بيروت أهمية استثنائية. فهي جاءت في اللحظة التي أرادت فيها واشنطن تثبيت الإطار السياسي للحرب، وبدت كأنها محاولة إسرائيلية لرفع كلفة الإغلاق وفرض تعريف آخر للنهاية. فإسرائيل ترى أن أي صيغة توقف النار وتترك لبنان والصواريخ والأذرع الإقليمية خارج المعالجة ستبقى ترتيبًا ناقصًا يتيح لإيران إعادة بناء نفوذها من موقع أفضل.

اقرأ أيضًا: "تاكو" ترامب.. كلمة السر في انسحاب "الرئيس المغامر" من فخ إيران

شروط الاتفاق الإيراني الأمريكي

واشنطن وإسرائيل.. من صاحب القرار؟

من هنا، كانت الضربة الإسرائيلية إشارة عملية إلى أن تل أبيب لا تقبل نهاية تُصاغ وفق المقاس الأمريكي وحده. ولذا، تعامل البيت الأبيض معها بوصفها تهديدًا مباشرًا للحظة التوقيع.

نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن ترامب غضبًا حادًا من نتنياهو وتمسكًا في الوقت نفسه بالصفقة، ما يكشف أن واشنطن كانت تدير مسارين في وقت واحد: تفاوضًا مع طهران، وصراعًا سياسيًا مع إسرائيل حول من يملك قرار الانتقال من الحرب إلى التفاهم. وعندما يصر ترامب على أن الاتفاق ما يزال قائمًا، فهو يثبت تمسكه بالنص، ويثبت أيضًا تمسكه بحق واشنطن في إدارة توقيت نهاية الحرب.

في الخلفية، تكشف مراكز الأبحاث الأمريكية عن شك أعمق بكثير من الحماسة السياسية للتوقيع.

يرى معهد واشنطن أن الانشغال بصناعة "اتفاق" سريع قد يستهلك الرافعة الأمريكية قبل انتزاع التنازلات التي تعتبرها دوائر مؤثرة في واشنطن جوهرية.

ولذا، فإن الاتفاق الجيد - كما يراه باحثو المعهد - هو الذي يمنع إيران على نحو دائم من التحول السريع من النشاط النووي المدني إلى القدرة العسكرية، ويجعل أي تخفيف اقتصادي مرتبطًا بامتثال قابل للتحقق ومستمر. لذلك بقيت قطاعات مؤثرة في واشنطن تنظر إلى أي انفراجة اقتصادية أو بحرية تسبق الحسم النووي بعين الريبة.

بنيامين نتنياهو

اقرأ أيضًا: قدراتها تتآكل.. كيف أسقطت إيران إسرائيل في "مستنقع استنزاف"؟

من يكتب النهاية بعد التوقيع؟

في هذا الإطار تكتسب إفادة الباحثة الجمهورية إيرينا تسوكرمان وزنًا خاصًا، لأنها تشرح طريقة تفكير قطاع واسع من الجمهوريين وخبراء الأمن القومي المحافظين تجاه أي تفاهم جديد مع طهران.

تقول تسوكرمان، في حديثها لمصراوي، إن الأولوية الحاسمة لدى هؤلاء لا تتعلق أولًا بحجم الإفراج الاقتصادي أو بكمية الأموال التي قد تحصل عليها إيران، وإنما بالسؤال الأكثر حساسية: هل يبقي الاتفاق إيران على مسافة قصيرة من وضع "دولة على عتبة النووي" أم يغلق هذا الباب فعليًا؟

ومن هنا، فإن القيمة السياسية لتخفيف العقوبات أو إطلاق الأصول، في نظر هذا التيار، ترتبط بميزان الرافعة التفاوضية لا بالاقتصاد وحده. فإذا تقلص الضغط الأمريكي قبل حسم تخصيب اليورانيوم، وآليات التفتيش، والمواقع المختلف عليها، وسرعة إعادة فرض العقوبات عند الإخلال، فإن الاتفاق سيفقد قيمته الاستراتيجية حتى لو منح هدوءًا مؤقتًا.

وتضيف تسوكرمان أن الذاكرة الجمهورية تجاه الاتفاقات السابقة مع إيران ما تزال حاضرة بقوة، وأن هذا الإرث يجعل أي صيغة جديدة موضع فحص تقني شديد، يتجاوز الخطاب السياسي العام إلى تفاصيل مستويات التخصيب، وتطوير أجهزة الطرد، ومخزونات اليورانيوم، وصلاحيات التفتيش، والوصول إلى المواقع العسكرية، وآليات الإنفاذ عند الإخلال.

ومن ثم، فإن الاعتراض المحافظ لا يتحرك من فكرة أن إيران ستخرق الاتفاق فورًا، بل من الخشية من أن يحتفظ النظام الإيراني بمرونة استراتيجية تسمح له بالاستفادة من تخفيف العزلة مع الاحتفاظ بمسار قابل للاستعادة نحو النفوذ النووي.

وبهذا المعنى، يصبح الاقتصاد عنصرًا تابعًا للسؤال النووي الأكبر، لا ملفًا منفصلًا عنه.

علما إيران والولايات المتحدة

إسرائيل وحدود التهدئة مع إيران

طبقة أخرى من الشك تضيفها القراءة الإسرائيلية للمشهد الراهن، وتوضحها أوراق معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS التي تشير إلى أن المعضلة لا تقتصر على ما إذا كانت إيران ستحصل على مكاسب اقتصادية، بل تتعلق بما إذا كانت الحرب ستتوقف قبل ترجمة الإنجاز العسكري إلى ترتيب إقليمي مستقر وملزم.

تؤمن هذه الرؤية بأنه إذا هدأت الجبهة من دون تقليص أدوات القوة الإيرانية في الإقليم، فإن تل أبيب ستعتبر أن النتيجة تمنح طهران فرصة لإعادة التموضع وإعادة إنتاج التهديد. وفي هذا السياق، يبدو التفاهم من زاوية إسرائيل أقرب إلى تسوية مؤقتة منها إلى نهاية مقبولة للحرب.

ومن هنا، يمكن قراءة ضربة الضاحية كرسالة مزدوجة: رسالة إلى واشنطن بأن لبنان لا يمكن ترحيله إلى هامش المفاوضات، ورسالة إلى طهران بأن وقف النار لن يحجب الصراع على النفوذ والصواريخ. ولهذا بدت الضربة محاولة لإعادة إدخال التعقيد اللبناني في قلب التفاهم، وتعطيل أي تصور لنهاية تختزل الأزمة في النووي والنفط وهرمز فقط.

اقرأ أيضًا: يدفع العرب فاتورتها.. كيف يتغير مفهوم "النصر" في حرب إيران؟

hero_iran_statement

الردع الإيراني وكتابة الشروط

في المقابل، تتعامل طهران مع التفاهم بوصفه إعلانًا مباشرًا بفشل الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، أو هكذا يتضح الأمر من القراءة الاستراتيجية التي يقدمها د. مصدّق بور، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية.

ويرى بور، في تصريحاته لمصراوي، أن تقييم المشهد يبدأ من إدراك الفشل الأمريكي في تحقيق الغاية الأصلية للحرب؛ فواشنطن أعلنت صراحة سعيها لإجبار إيران على الاستسلام، وتفكيك برامجها النووية والصاروخية، وإزالة المواد المخصبة، ووقف دعم جبهة المقاومة.

ومع تراجع الإدارة الأمريكية عن هذه المطالب الكبرى، يعتبر بور أن صمود بلاده أسس لقوة ردع جديدة، مؤكدًا أن هذا المسار يعكس هزيمة حتمية للعدو، حتى مع إقراره بأن طهران تعتبر نفسها في مرحلة تسبق الانتصار المطلق.

ويعيد بور تعريف الخسائر القاسية التي تعرضت لها إيران، وفي مقدمتها استشهاد قائد الثورة الإسلامية واغتيال القيادات، بوصفها الثمن الطبيعي للمقاومة، محذرًا من الخلط بين دفع التكاليف الباهظة وبين الفشل.

وانطلاقًا من هذه التضحيات، والتمسك بخيار الثأر، يؤكد أن مسودة الاتفاق الحالية صيغت على أساس انعدام الثقة المطلق بالجانب الأمريكي، ما يفرض على طهران التحرك خطوة بخطوة من موقع قوة وندية، واستبعاد أي رهانات على حسن النية.

ولا يقف مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية عند المشهد الأمريكي، إذ يربط السلوك الإسرائيلي الأخير بمسار التفاهم نفسه.

ويفسر غضب نتنياهو وضرباته المتصاعدة على لبنان، بوصفها محاولة هستيرية لعرقلة هذا الاتفاق، والانتقال من وهم "إرساء نظام إقليمي جديد" إلى محاولة "زعزعة الاستقرار".

ويعتقد بور أن إسرائيل تدرك جيدًا أن خروج إيران من هذه الحرب باتفاق سيجعلها خصمًا أشد ثقة وأكثر قدرة على إعادة بناء شبكة حلفائها، ما يجعل ضربة الضاحية محاولة أخيرة لمنع ترسيخ واقع إقليمي تدفع فيه تل أبيب أثمانًا استراتيجية مضاعفة.

إيران وأمريكا

هل فرضت طهران الشروط؟

هذه القراءة تزداد صراحة مع تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي أكد أن التهديدات العسكرية التي لوّحت بها طهران، والتطورات الميدانية في الساحة اللبنانية، والجهوزية الإيرانية للرد، ساهمت مباشرة في تذليل العقبات ودفع المفاوضات إلى إنجاز الاتفاق.

اعتبر آبادي أن انتقادات ترامب العلنية لإسرائيل، بالتزامن مع الردود الصارمة من حزب الله، لعبت دورًا في تثبيت بنود الاتفاق النهائي لصالح بلاده. وهو عندما يضيف أن المذكرة كُتبت في ظل انعدام تام للثقة، وأن طهران ستراقب تنفيذ واشنطن بدقة، فهو يقدّم صياغة إيرانية تعتبر التفاهم امتدادًا للقوة الميدانية، لا مجرد نتيجة لمسار دبلوماسي منفصل عنها.

وإلى جانب هذه المقاربة، يقدم السفير الإيراني السابق في أذربيجان أفشار سليماني قراءة أكثر حذرًا، إذ يعتبر - في حديثه لمصراوي - أن ما جرى حتى الآن لا يتجاوز مذكرة تفاهم، وأن القيمة الحقيقية لأي تقدم ستُقاس بمدى تنفيذ الأطراف لما تعهدت به، وخاصة فيما يتعلق بالاتفاق الرئيسي حول الملف النووي والرفع الكامل للعقوبات خلال مهلة الستين يومًا.

كما يربط سليماني بين مستقبل هذا المسار وبين استمرار التعقيدات بين إسرائيل وإيران في الساحة اللبنانية، ويُحذر من أن سلوك ترامب تكتيكي أكثر منه استراتيجي، بما يجعل بناء ثقة حقيقية مرهونًا بالخطوات التنفيذية الأولى لا بالإعلانات السياسية وحدها.

ولذا، فإن القراءة الإيرانية التي يمثلها سليماني تجمع بين الإقرار بأن الردع فتح الباب، وبين التشديد على أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع لا قبله.

ويعزز هذا المعنى ما أشار إليه معهد دراسة الحرب ISW من أن المسؤولين الإيرانيين واصلوا الضغط من أجل انتزاع تنازلات أمريكية قبل تثبيت أي اتفاق، بما يرجح أن طهران أرادت تقليص الرافعة الأمريكية قبل الدخول في الجولة التالية.

وعندما توضع هذه القراءة إلى جوار ما كشفته رويترز عن الأصول المجمدة، والإعفاءات النفطية، وغياب العقوبات الجديدة، يتضح أن إيران دخلت مرحلة ما بعد التوقيع المفترض وهي تحمل مكاسب أولية معتبرة، من دون أن تكون قد سلّمت أوراقها الأثقل بعد.

صحيح أن هذه الصورة لا تسمح بإجابة أحادية على سؤال من يفرض شروط نهاية الحرب، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الولايات المتحدة نجحت في دفع الصراع بعيدًا عن حافة الانفجار الفوري وفرضت إطارًا تفاوضيًا جديدًا، وأن إسرائيل أثبتت أنها قادرة على رفع كلفة التهدئة ورفض أي تعريف للنهاية يستبعد هواجسها الأوسع.

ولكن تبقى إيران هي الطرف الأكثر قدرة على تسويق ما جرى بوصفه ثمرة مباشرة للردع.

كما يبقى أيضًا إذا جف الحبر يوم الجمعة، أن هذا الاتفاق سيكون بداية مرحلة جديدة تُختبر فيها قوة النص، وقدرة كل طرف على فرض تفسيره له، وحدود ما يمكن أن يثبته التنفيذ بعد أن قال كل طرف إنه خرج من الحرب بشروطه هو.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان