إعلان

وقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل.. هل ينفذ ترامب تهديده أم يناور في يوم الاقتراع؟

كتب : محمود الطوخي

10:33 م 03/11/2026

دونالد ترامب

تابعنا على

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صباح اليوم الثلاثاء، بالتزامن مع فتح صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي، أن بلاده ستوقف المساعدات العسكرية السنوية المقدمة إلى إسرائيل بحلول نهاية العام الجاري، مؤكدا أن الاتفاق على هذه الخطوة أُنجز مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل عدة أشهر، وأن الأخير هو من طرح الفكرة.

وقال ترامب مقابلة شبكة "فوكس نيوز" "فيما يتعلق بدفع الأموال لإسرائيل، اتفقنا أنا ونتنياهو على أن نقدم 4 مليارات دولار في كل عام، واتفقنا قبل أشهر على وقف ذلك.. لقد اتفقنا بالفعل على أننا لن ندفع الأموال لإسرائيل بحلول نهاية هذا العام. الآن سنساعد إسرائيل إذا احتاجت إلى المساعدة".

وحين ضغط عليه المذيعان لتحديد طبيعة الدعم، رد ترامب قائلا: "يمكنكم اعتبارها مقايضة. يمكنكم اعتبارها مساعدات عسكرية أو في صورة نقد. نحن نعطيهم أشياء وأموال بقيمة 4 مليارات دولار، وهم لا يحتاجون إليها"، مضيفا أن إسرائيل "بإمكانها شراء ما تريد"، واصفا إياها بأنها "حليف عظيم وأكثر موثوقية من معظم الحلفاء".

تناقض الروايات وتوقيت إعلان وقف المساعدات

يصطدم تصريح الرئيس الأمريكي، بثلاث حقائق موثقة تنفي وجود أي قرار تنفيذي فوري؛ إذ تفيد الوثائق الرسمية بأن مذكرة التفاهم السارية بين البلدين تنتهي في خريف 2028 وليس بنهاية العام الجاري، كما أن نتنياهو تحدث في وقت سابق من العام الجاري عن تقليص تدريجي يمتد على مدى 10 سنوات وليس عن إنهاء فوري.

ويتعزز هذا التناقض بامتناع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التعليق على إعلان ترامب.

ويكشف توثيق مواقف نتنياهو أصل هذا التباين؛ إذ صرح لشبكة "سي بي إس" في مايو الماضي قائلا: "أريد أن أخفض الدعم المالي الأمريكي إلى الصفر، المكون المالي للتعاون العسكري الذي لدينا، لأننا نتلقى 3.8 مليار دولار كل عام.. وأعتقد أن الوقت حان لكي نفطم أنفسنا من الدعم العسكري المتبقي".

وأضاف: "قلت: لنبدأ الآن ونفعل ذلك على مدى العقد المقبل.. أريد أن أبدأ الآن. لا أريد أن أنتظر الكونجرس المقبل".

ويفسر هذا التصريح استخدام ترامب لعبارة البدء الآن لإسناد المقترح إلى نتنياهو، في حين تؤكد عبارة العقد المقبل أن إعلان ترامب المفاجئ لم يكن منسقا مع الجانب الإسرائيلي، وفقا لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

وفي يونيو الماضي، وجه نتنياهو رسالة إلى عضو في الكونجرس تفيد بأن الوقت حان لتتحول إسرائيل من متلقية للمساعدات إلى شريكة كاملة، وفقا لوكالة "رويترز".

ويرتبط توقيت الإعلان بضغوط انتخابية وسياسية واضحة؛ إذ برر ترامب خطوته في المقابلة نفسها بالهجوم على خصومه السياسيين قائلا: "لماذا نتحمل سهام المجانين مثل عبد الرحمن السيد وهم لا يحتاجون إليها؟ إنها نقطة نقاش سيئة.. اليسار يستخدم مبلغ الـ4 مليارات، الذي يعرفه الجميع وليس سرا، ذريعة للحديث عن عدم الإنصاف، ولا يمكننا السماح بذلك. إنها هدف سهل جدا"، بحسب "سي إن إن".

وفي أغسطس الماضي، انتقد مرشح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميتشيجان عبدول السيد، الدعم الأمريكي لإسرائيلي قائلا: "لا أريد أن أمول جيشا أجنبيا يرتكب إبادة أو فصلا عنصريا، أو يجرنا إلى حرب لا نحتاج إلى خوضها".

ويتزامن ذلك مع تحول في المزاج العام الأمريكي؛ حيث كشف استطلاع أجرته جامعة "كوينيبياك" في يونيو الماضي أن 48% من عموم الناخبين و66% من الديمقراطيين يرون أن الدعم المقدم لإسرائيل مفرط.

وأظهر استطلاع "مجلس شيكاغو للشؤون العالمية" في مطلع نوفمبر الجاري، أن 21% من الأمريكيين يؤيدون تقليص المساعدات العسكرية، بينما يطالب 35% بإنهائها بشكل كلي، بحسب صحيفة "ذا هيل".

وكان السناتور الجمهوري الراحل ليندسي جراهام تعهد في يناير الماضي بطرح تشريع يسرع جدول إنهاء المساعدات دون الانتظار لـ10 سنوات، بحسب "رويترز".

صدمة تل أبيب والتبعات المالية

سادت حالة من الذهول والارتباك داخل الدوائر الأمنية والمالية في تل أبيب عقب تصريحات ترامب؛ إذ نقل موقع "والا" العبري عن مسؤولين في وزارة المالية الإسرائيلية تأكيدهم عدم تلقي أي وثيقة من مكتب رئيس الوزراء بشأن إنهاء المساعدات، موضحين أن الوزارة كانت على علم بنوايا إنهاء الدعم مستقبلا لكنها صُدمت بإعلان تنفيذه على الفور.

ونقل صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول مالي رفيع، قوله إن: "التخلي عن عامين من المساعدات يعني خسارة 8 مليارات دولار. من أين سنحصل على هذا المبلغ؟ الأمر واضح من ضرائب المواطنين".

وأفاد القناة 12 العبرية، أن أن مخصصات الـ3.8 مليارات دولار الأمريكية كانت معتمدة كمصدر تمويلي أساسي في موازنة جيش الاحتلال الإسرائيلي لعامي 2027 و2028.

وأكدت هيئة البث العبرية، صدمة وزارة الدفاع وقادة الجيش الإسرائيلي بتصريح ترامب؛ حيث صرح مسؤول عسكري بارز قائلا: "لم نكن نتوقع هذا الإعلان، وبالتأكيد ليس اليوم.. هناك حوار مستمر مع الأمريكيين، ويمكننا القول إننا فوجئنا. سندرس تداعيات القرار، الذي لم يصل بعد إلى المسؤولين المختصين"، بحسب "تايمز أوف إسرائيل".

وتسبب الإعلان في اشتعال السجال السياسي الداخلي في خضم مشاورات تشكيل الحكومة الإسرائيلية؛ حيث وصف الدبلوماسي الأمريكي السابق آرون ديفيد ميلر التوقيت بأنه محرج للغاية، لكونه يلغي عنصرا استراتيجيا في العلاقة أثناء مفاوضات الائتلاف المعقدة، وفقا لـ"نيويورك تايمز".

وشن رئيس حزب "يشار" غادي آيزنكوت هجوما حادا، مؤكدا أن علم الأجهزة العسكرية والمواطنين بتبدل التحالف الاستراتيجي عبر وسائل الإعلام يثبت أن سلوك نتنياهو يشكل خطرا حقيقيا يستوجب تنحيته، مطالبا إياه بتقديم إيضاحات فورية.

واعتبر رئيس حزب الديمقراطيين يائير جولان، أن تصفية المساعدات الأمريكية تمثل ضررا ثقيلا على أمن إسرائيل وجودة الحياة فيها، متهما نتنياهو بتعميق الأزمات.

صلاحيات الكونجرس والإطار القانوني

تحكم القوانين الفيدرالية الأمريكية مسار هذه المخصصات بقيود صارمة؛ فمذكرة التفاهم العشرية لا تعد معاهدة دولية ملزمة تتطلب تصديق ثلثي مجلس الشيوخ، غير أن صرف أموالها يتطلب إقرار اعتمادات مالية سنوية من الكونجرس بغرفتيه.

ورغم تفويض القانون للمخصصات عام 2020، فإن صرف المبالغ يظل مشروطا بمصادقة الموازنة الدورية.

وبحسب التشريعات، فإن الأموال يقرها الكونجرس، بينما لا يملك ترامب سلطة إنهائها بقرار منفرد، في حين يكمن الغموض في ما إذا كان الإعلان مناورة لكسب الأصوات أم تغييرا فعليا، بحسب "فوكس نيوز".

وكشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى استبدال المنح باتفاق مبيعات وشراكة صناعية متقدمة تدفع إسرائيل ثمن أسلحتها بموجبه، مع الاستفادة من مشاريع مشتركة مع البنتاجون، وهو ما يحقق مصلحة لتل أبيب للتخلص من سلاح المساعدات الذي تحول إلى أداة ابتزاز وضغط في أيدي المشرعين داخل الكونجرس، ولا سيما بعد تجربة حرب غزة حين علقت إدارة جو بايدن شحنات ذخائر محددة بسبب مخاوف تشغيلية.

ويستند هذا التوجه إلى خطوات تشريعية وتنفيذية ملموسة بدأت في مايو ويونيو 2026، حين أعلنت وزارتا الدفاع في البلدين انطلاق مفاوضات رسمية لتدشين إطار أمني جديد يحل محل مذكرة 2016 بعد انتهائها، لتعزيز التفوق العسكري النوعي وتوسيع الإنتاج والتطوير المشترك والانتقال من صيغة المساعدات إلى الشراكة المتبادلة.

وصرح السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي في يونيو الماضي، بأن الاتفاق الجديد ينهي المساعدات ويجعل العلاقة قائمة على التبادل التجاري.

وترجم مجلس النواب الأمريكي هذا التوجه في يوليو الماضي، بإقرار مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027 بقيمة 1.15 تريليون دولار، متضمنا المادة 219 التي تنص على تأسيس "مبادرة التعاون التقني الدفاعي الأمريكية الإسرائيلية" لدمج أبحاث الجيشين، غير أن نواب الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ عطلوا تمرير المشروع بسبب بنود متصلة بالعمليات العسكرية وحرب إيران، لتصبح هذه الشراكة معلقة بجلسات ما بعد الانتخابات، في مسار ينقل تمويل المشاريع ليتوزع داخل موازنة البنتاجون بدلا من إدراجه في بند مساعدات خارجية منفرد ومكشوف سياسيا.

تشريح الـ4 مليارات وبنود المساعدات الأمريكية

يُظهر التحليل المحاسبي لبنود الدعم العسكري أن الرقم 4 مليارات دولار الذي ذكره ترامب لا يمثل بندا واحدا مستقلا في الموازنة الفيدرالية، بل هو حاصل جمع 3 قنوات تمويلية حددتها مذكرة التفاهم الموقعة في سبتمبر 2016 لإدارة المساعدات بين عامي 2019 و2028 بإجمالي 38 مليار دولار، بحسب "رويترز".

ويتوزع هذا التمويل عبر ثلاثة مسارات رئيسية:

المسار الأول هو التمويل العسكري الأجنبي وقيمته 3.3 مليارات دولار سنويا في هيئة منح تخصص لشراء عتاد وخدمات من الشركات الدفاعية الأمريكية، تشمل صفقات مقاتلات "إف 35" التي تعاقدت إسرائيل على 75 طائرة منها، فضلا عن الصواريخ والذخائر وأنظمة القيادة والسيطرة الاستخبارية.

المسار الثاني يتمثل في مخصصات الدفاع الصاروخي المشترك بقيمة 500 مليون دولار سنويا، وتغطي صواريخ الاعتراض ومنظومات القبة الحديدية، ومقلاع داود، وحيتس بإصداراتها المتعددة.

المسار الثالث يتضمن اعتمادات مالية تقع خارج مذكرة التفاهم، من بينها نحو 202 مليون دولار خصصها الكونجرس للسنة المالية 2026 من ميزانية البنتاجون لبرامج مكافحة الطائرات المسيرة والأنفاق والتقنيات العسكرية الناشئة.

وتتضمن المذكرة قيدا تشريعيا ألزم إسرائيل بالإنهاء التدريجي لترتيبات كانت تسمح لها بإنفاق جزء من المنحة على صناعاتها العسكرية المحلية، وفرض عليها إنفاق كامل المبالغ داخل السوق الأمريكية، ما يجعل الأموال تعود مباشرة إلى الدورة الاقتصادية الأمريكية عبر عقود التسليح، وهو ما يفسر تأكيد ترامب أن إسرائيل تمتلك القدرة على مواصلة شراء احتياجاتها بتمويل ذاتي.

وتتكامل هذه المخصصات مع مسارات دعم وإمداد تسليحي استمرت دون توقف؛ حيث تلقت إسرائيل مساعدات عسكرية مباشرة إضافية بلغت نحو 21.7 مليار دولار بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2025، شملت 17.9 مليارا في عهد بايدن و3.8 مليارات في عهد ترامب، إلى جانب صفقات مبيعات عسكرية نشطة بقيمة 39.2 مليار دولار تشمل 751 صفقة، ومبيعات تجارية مستمرة كان أحدثها مصادقة الإدارة الأمريكية في سبتمبر 2026 على صفقة قنابل ثقيلة بقيمة 2.8 مليار دولار، وفق شبكة "سي إن إن".

ماذا نقرأ من إعلان ترامب؟

يرسم التدقيق للمشهد 3 سيناريوهات متباينة تحكم عواقب هذا الإعلان:

السيناريو الأول يفترض التطبيق الفعلي عبر امتناع الإدارة الأمريكية عن طلب تخصيص اعتمادات المساعدات للسنة المالية 2027، ما يفرض على الموازنة الإسرائيلية تحمل عجز يقارب 8 مليارات دولار لعامين.

ويعزز هذا السيناريو تصريح الرئيس الواضح لبدء الإجراء في 2027؛ غير أن هذا المسار تعترضه صعوبات ترتبط برفض الكونجرس ومقتضيات العمليات العسكرية المشتركة ضد إيران، وفقا لـ"رويترز".

أمّا السيناريو الثاني يرجح الذهاب نحو إعادة تصنيف التمويل وتبويبه داخل موازنة وزارة الدفاع الأمريكية بدلا من حذفه؛ بحيث تتحول المنح المباشرة إلى استثمارات مشتركة وبرامج أبحاث وتصنيع تسليحي متبادل، استنادا إلى مباحثات الإطار الجديد وتصريحات السفير هاكابي حول إنهاء صيغة المنح، ومشاريع القوانين المعطلة في الكونجرس مثل المادة 219، ما يحقق خروجا هادئا من حرج المساعدات الخارجية دون المساس بحجم التعاون العسكري، وفق تحليل "نيويورك تايمز".

السيناريو الثالث يضع الإعلان في خانة المناورة الخطابية والفرقعة الإعلامية الموجهة ليوم التصويت فقط دون أثر تنفيذي فوري؛ استنادا إلى غياب أي وثيقة رسمية، وتأكيد ترامب أن مبيعات السلاح لإسرائيل ستبقى مفتوحة ومتاحة للشراء الذاتي، وفقا لـ"تايمز أوف إسرائيل".

وتؤكد القراءات، أن مصطلح المساعدات تحول إلى عبء سياسي ثقيل على الإدارة الأمريكية أمام ناخبيها، وعلى الحكومة الإسرائيلية أمام مؤسساتها، ما يرجح انتقال الدعم من بند المساعدات المكشوف إلى صيغ أمنية واستثمارية مغلقة، لتفقد المساعدات صفتها كالتزام مستقر وتتحول إلى ورقة مساومة سنوية مفتوحة.

خلاصة الموقف من وقف المساعدات لإسرائيل

تثبت الوقائع الموثقة أن إعلان ترامب صباح الثلاثاء لا يمثل قرارا تنفيذيا نافذا، بل مناورة سياسية استبقت إغلاق صناديق الاقتراع واستثمرت مسارا تفاوضيا بدأته إسرائيل للانتقال نحو الشراكة التجارية الدفاعية؛ فالرئيس الأمريكي لا يستطيع دستوريا إلغاء المخصصات بشكل منفرد في ظل مذكرة سارية حتى خريف عام 2028 وسلطة حصرية للكونجرس في إدارة الإنفاق العام.

ورغم ذلك، يبقى حسم الموقف معلقا بصدور بيان رسمي معلن من مكتب نتنياهو أو وزارة الخارجية الإسرائيلية، وتتبع أي توجيه يصدر عن البيت الأبيض، ورصد موازنة السنة المالية 2027 لمعرفة ما إذا كانت ستطلب اعتمادات صفرية، فضلا عن مراقبة مصير المادة 219 في الكونجرس وتداعيات توازنات انتخابات التجديد النصفي ونتائج تشكيل الحكومة في تل أبيب، إلى جانب مسار المواجهة مع إيران ومصير مخصصات الدفاع الصاروخي البالغة 500 مليون دولار، للإجابة العملية عن حدود الفصل بين المناورة الانتخابية والتحول في ملف وقف مساعدات إسرائيل.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك