في ظل الأزمات الداخلية التي تشهدها إثيوبيا وتصاعد الصراعات المسلحة في إقليم تيجراي، وما صاحبها من توترات مع الجارة إريتريا، التي تتهمها أديس أبابا بتمويل جماعة مسلحة في الإقليم، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن تسلم بلاده دفعة جديدة من الأسلحة الروسية، في خطوة تحمل أبعادًا عسكرية وسياسية في ظل التوترات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي.
ووصف آبي أحمد الصفقة بأنها مرحلة جديدة في جهود بلاده لتعزيز الأمن والدفاع، مؤكدًا أن الجاهزية التي يجري بناؤها داخل قوات الدفاع الإثيوبية تمنح البلاد القدرة على ردع أي عدوان بشكل استباقي.
يرى الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن صفقة التسليح الإثيوبية الجديدة، التي أعلن عنها آبي أحمد، بشأن تسلم بلاده 12 مقاتلة من طراز سو 35، مع الاستعداد لتسلم أربع منظومات دفاع جوي روسية بعيدة المدى من طراز إس 400 لاحقا، تحمل العديد من الدلالات السياسية والعسكرية، في ظل تصاعد الصراعات الداخلية في إثيوبيا وتزايد التوترات الأمنية في منطقة القرن الأفريقي.
يقول قرني في تصريحات لـ "مصراوي"، إن الإعلان الإثيوبي يحمل في المقام الأول رسالة ردع موجهة إلى إريتريا، في ضوء تصاعد الاتهامات الإثيوبية ضدها خلال الأشهر الأخيرة، والحملات الإعلامية التي استهدفتها على مستويات مختلفة، وصولًا إلى إعلان إثيوبيا إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد عشرات الدبلوماسيين الإريتريين.
يضيف الخبير في الشؤون الأفريقية، أن اتهام إريتريا بالتورط في الصراع بإقليم تيغراي، إلى جانب التحركات السياسية والإعلامية والدبلوماسية الإثيوبية، يشير إلى وجود حملة قد تكون موجهة ضد إريتريا خلال المرحلة المقبلة.
منفذ البحر الأحمر في صدارة الحسابات الإثيوبية
وربط الخبير في الشؤون الأفريقية بين صفقة التسليح وتصاعد الخطاب الإثيوبي بشأن ضرورة الحصول على منفذ بحري على ساحل البحر الأحمر، وتحديدًا ميناء عصب الإريتري، مشيرًا إلى أن بعض التحليلات ترى أن نجاح الحكومة الإثيوبية في استعادة السيطرة على إقليم تيجراي قد يمهد لتحركات عسكرية باتجاه إريتريا خلال المرحلة المقبلة.
يوضح قرني أن طبيعة الصراع الداخلي الإثيوبي، وتشتت قوات الجيش على أكثر من جبهة، يجعلان من الصعب الجزم باتجاه التحركات العسكرية المقبلة، لكنه يرى أن الإعلان عن المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي يمثل بدرجة كبيرة رسالة ردع موجهة إلى الجانب الإريتري.
يشير الخبير في الشؤون الأفريقية، إلى أن الإعلان عن مقاتلات سو 35 ومنظومات إس 400 تزامن مع إعلان إثيوبيا اعتزامها اقتناء طائرات للتزود بالوقود، بما يسمح بتوسيع نطاق العمليات العسكرية، معتبرًا أن هذا التطور قد يرتبط بالاستعداد لعمليات مستقبلية محتملة في مواجهة إريتريا.
صراعات داخلية تدفع إلى تطوير القدرات العسكرية
وفيما يتعلق بالوضع الداخلي، لم يستبعد قرني ارتباط الإعلان الإثيوبي بالصراعات التي تواجهها الحكومة في عدد من الأقاليم، موضحًا أن الجيش الإثيوبي تعرض لحالة من الإنهاك الشديد خلال الفترة الأخيرة، نتيجة تعدد المواجهات واتساع نطاقها.
يشير الخبير في الشؤون الأفريقية، إلى أن الجيش يواجه مقاتلي جبهة تحرير تيجراي في إقليم تيجراي، ويخوض مواجهات يومية مع ميليشيا فانو في إقليم أمهرا، إلى جانب المواجهات مع حركة وجيش تحرير الأورومو في إقليم أورومو، فضلًا عن التوترات القائمة في إقليم العفر.
يؤكد قرني أن تشتت القوات الإثيوبية بين هذه الجبهات يفرض الحاجة إلى تطوير الأنظمة التسليحية والقدرات الردعية التي تسعى المؤسسة العسكرية من خلالها إلى فرض السيطرة.
ووفقا لخبير الشؤون الأفريقية، فإن حرب تيجراي الأولى حسمت لصالح الجيش الإثيوبي باستخدام الطائرات المسيرة، لافتا إلى أن بعض التحليلات العسكرية ترى أن امتلاك مقاتلات سو 35 يمنح الجيش قدرات على تنفيذ ضربات ضد أهداف أرضية.
ويعتبر قرني أن هذه القدرات قد تستهدف مواجهة القوى المسلحة المعارضة داخل إثيوبيا، خاصة في ظل إعلان سبع قوى معارضة تشكيل تحالف لمواجهة الحكومة في أربعة أقاليم مختلفة، وهو ما يجعل صفقة المقاتلات رسالة مهمة إلى الداخل الإثيوبي أيضًا.
منظومات الدفاع الجوي وحماية سد النهضة
وفي سياق متصل، رجح قرني أن يكون جزء كبير من منظومات الدفاع الجوي الروسية موجها إلى توفير الحماية والغطاء الجوي لمنطقة سد النهضة، مشيرًا إلى أن إعلان إثيوبيا عن امتلاك هذه القدرات ليس أمرا جديدا في حد ذاته، لكن الإعلان الأخير يتضمن رسائل إعلامية وسياسية تسعى القيادة الإثيوبية إلى إيصالها.
يقول الخبير في الشؤون الأفريقية، إن وسائل الإعلام الإثيوبية سلطت الضوء على الطائرات الجديدة، ولا سيما طائرات التزود بالوقود، كما أن إعلان آبي أحمد عن تسلم المقاتلات من روسيا، خلال مشاركته في القمة الروسية الأفريقية، واختيار توقيت الإعلان قبل موعد التسليم بعام، يحمل رسالة إلى المحيط الأفريقي، خاصة الدول المشاركة في القمة.
يتابع قرني، أن الإعلان يوجه رسائل إلى إريتريا والسودان ومصر ودول القرن الأفريقي كافة، مؤكدًا أن اختيار محفل أفريقي كبير للإعلان عن صفقات التسليح يعكس رغبة إثيوبية في إظهار تنامي قدراتها العسكرية، وتقديم نفسها باعتبارها قوة عسكرية في المنطقة، وليس مجرد قوة بشرية أو سياسية.
الدعم الروسي والحسابات الغربية
وبشأن العلاقات الإثيوبية الروسية، قال قرني إن صفقات التسليح المعلنة لا تمثل مفاجأة من حيث طبيعة العلاقات بين البلدين، موضحًا أن المفاجأة تكمن في نوعية الأسلحة، التي تشمل مقاتلات متطورة من الجيل الرابع.
يشير الخبير في الشؤون الأفريقية، إلى قوة العلاقات السياسية بين موسكو وأديس أبابا، موضحا أن الدعم الروسي للحكومة الإثيوبية ظهر خلال قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإقليم تيجراي، كما شهدت العلاقات صفقات تسليح على مستويات مرتفعة، إلى جانب زيارات متعددة لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى إثيوبيا.