التعليم المفتوح.. يا قلبي يا كتاكت.. ياما إنت شايل وساكت
كان الكاتب الكبير الراحل أحمد بهاء الدين يعرف أن السخرية أحيانًا تكون أبلغ من الخطب الطويلة، وأن الجملة الشعبية البسيطة قد تختصر وجعًا سياسيًا واجتماعيًا كاملًا. ولذلك ظلت عبارة «يا قلبي يا كتاكت.. ياما إنت شايل وساكت» عالقة في الذاكرة، لأنها لم تكن مجرد تعبير ساخر، وإنما كانت لسان حال من يحمل في داخله كلامًا كثيرًا، لكنه لا يجد الطريق إلى قوله.
واليوم تبدو العبارة، بمعناها الإنساني، أقرب ما تكون إلى حال طلاب وخريجي التعليم المفتوح الذين حملوا سنوات من الدراسة والانتظار والقلق، ثم وجدوا أنفسهم أمام قضية لم يصنعوا تفاصيلها، ولم يكونوا طرفًا في قراراتها، لكنهم أصبحوا أول من يتحمل آثار استمرارها.
التعليم المفتوح كان نظامًا أكاديميًا واضح الهوية، الطالب يلتحق ببرنامج جامعي، يدرس مقرراته، يؤدي امتحاناته، ثم يحصل على شهادة أكاديمية، ليسانس أو بكالوريوس وفقًا للبرنامج الذي التحق به.
هذه كانت الصورة التي عرفها الطلاب، وبناءً عليها اتخذوا قراراتهم، وأنفقوا أموالهم، وخصصوا سنوات من أعمارهم للدراسة، على أمل أن تكون الشهادة التي يحصلون عليها امتدادًا طبيعيًا لما درسوه.
ثم تغير المسار، وتحول التعليم المفتوح إلى التعليم المدمج بشهادة مهنية، ومنذ ذلك الوقت دخل آلاف الطلاب والخريجين في دوامة طويلة من القرارات والاعتراضات والدعاوى والأحكام، حتى أصبحت الشهادة نفسها، وهي ثمرة سنوات الدراسة، موضوعًا لصراع قانوني وإداري لا ينبغي أن يكون الطالب ضحيته.
لكن القضية اليوم لم تعد مجرد خلاف حول اسم شهادة أو توصيف إداري، فقد صدرت أحكام قضائية نهائية في هذا الملف، وهنا يجب أن تتوقف كل محاولات التأويل، لأن الحكم القضائي النهائي ليس توصية يمكن مناقشتها، ولا ورقة يمكن وضعها في درج، ولا رأيًا إداريًا يمكن تجاوزه بقرار جديد.
الحكم النهائي واجب التنفيذ، وهذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها أي حديث جاد عن مستقبل التعليم المفتوح. المشكلة الحقيقية ليست في صدور الأحكام، وإنما في السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: متى تدخل هذه الأحكام حيز التنفيذ الكامل؟ ومتى تنتهي حالة الانتظار التي استنزفت الطلاب والخريجين؟ وكيف يمكن ضمان أن تكون الإجراءات والقرارات اللاحقة منسجمة بصورة كاملة مع ما انتهت إليه الأحكام القضائية؟
يا وزير التعليم العالي، ويا رئيس المجلس الأعلى للجامعات، القضية لم تعد تحتمل مزيدًا من الانتظار، ولا تحتاج إلى صياغات غامضة، ولا إلى حلول تعيد المشكلة في صورة جديدة. المطلوب ببساطة هو تنفيذ الأحكام القضائية النهائية تنفيذًا حقيقيًا وكاملًا، واحترام ما انتهى إليه القضاء، بما يضمن اتساق القرارات والإجراءات مع منطوق الأحكام وآثارها القانونية.
فلا معنى للحديث عن دولة القانون إذا كان الحكم القضائي النهائي يمكن أن يظل معلقًا بين اللجان والقرارات والدراسات.
ولا معنى لأي تنظيم جديد إذا أدى عمليًا إلى استمرار حالة الغموض التي يعيشها الطلاب والخريجون.
التقنين مكانه الطبيعي هو تنظيم الحقوق في إطار القانون، وليس أن يتحول إلى سبب في استمرار النزاع أو تأخير حسمه.
والطالب هنا هو الطرف الذي يجب أن يحظى بالحماية، لأنه لم يضع اللوائح، ولم يصدر القرارات، ولم يغير شكل الشهادة. هو التحق بنظام قائم، ودرس وفق قواعد معلنة، وأدى ما عليه، ثم وجد نفسه في قلب أزمة إدارية وقانونية لا علاقة له بصناعتها. ومن الظلم أن يُطلب منه أن يتحمل نتائج التردد أو الاختلاف أو التأخر في حسم الملف.
إن العودة إلى التعليم المفتوح بهويته الأكاديمية وشهادته الأكاديمية ليست رفاهية، وليست مطلبًا عاطفيًا مجردًا، وإنما قضية ارتبطت بمسار قضائي وأحكام نهائية يتعين احترامها.
والمطلوب ليس فتح معركة جديدة حول الأسماء والمسميات، وإنما إنهاء الأزمة من أصلها، بتنفيذ ما صدر عن القضاء، وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني.
وهنا يأتي دور رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الذي يمكنه أن يحسم هذا الملف من موقع المسؤولية، لا بإضافة قرار جديد إلى قرارات متعاقبة، وإنما بتوجيه الجهات المختصة إلى تنفيذ الأحكام النهائية تنفيذًا كاملًا، والعمل على إنهاء حالة الانتظار التي يعيشها الطلاب والخريجون، لأن استمرار الأزمة بعد صدور الأحكام لا يخدم التعليم ولا الطلاب ولا الجامعات، وإنما يطيل فقط عمر مشكلة كان من المفترض أن تكون قد وصلت إلى نهايتها.
وتتابع رابطة التعليم المفتوح، بقيادة الدكتور عامر حسن، رئيس الرابطة، هذا الملف دفاعًا عن حقوق الطلاب والخريجين، وتطالب بأن تكون الأحكام القضائية النهائية هي المرجعية الحاسمة، بعيدًا عن أي إجراءات إدارية قد تعيد القضية إلى نقطة الصفر.
يا رئيس الوزراء، آلاف الطلاب والخريجين لا ينتظرون بيانًا جديدًا، ولا وعدًا جديدًا، ولا لجنة جديدة. إنهم ينتظرون تنفيذًا واضحًا لحكم قضائي نهائي. ينتظرون أن يعرفوا أن سنوات الدراسة لم تذهب هباءً، وأن الشهادة التي سعوا إليها لن تظل رهينة خلاف إداري أو إجراءات جديدة تزيد حالة الغموض.
«يا قلبي يا كتاكت.. ياما إنت شايل وساكت».. ربما لم تكن هذه العبارة يومًا مجرد سخرية، وإنما كانت وصفًا دقيقًا لحال من يحملون همومًا أكبر من قدرتهم على الكلام. وطلاب التعليم المفتوح حملوا كثيرًا، وانتظروا كثيرًا، وصبروا أكثر مما ينبغي.
آن لهذا القلب أن يتوقف عن الانتظار. آن للأحكام القضائية النهائية أن تغادر الملفات إلى أرض الواقع، وأن تنتهي حالة الانتظار، وأن تتولى وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات مسؤوليتهما كاملة في التنفيذ.
فالحق الذي يحسمه القضاء لا يحتاج إلى مفاوضات جديدة، والحكم النهائي لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يصبح واجب التنفيذ. يا رئيس الوزراء، احسموا الملف، نفذوا الأحكام، أعيدوا للتعليم المفتوح هويته الأكاديمية، واحموا حقوق طلابه وخريجيه. فحين يقول القضاء كلمته الأخيرة، لا يكون المطلوب أن نبحث عن طريق آخر، وإنما أن نسلك الطريق الذي رسمه الحكم. والسؤال بعد كل هذه السنوات لم يعد: ماذا سنفعل بالتعليم المفتوح؟ السؤال الحقيقي أصبح: متى تُنفذ الأحكام القضائية النهائية؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع