"كتالوج" دولة الاحتلال!!!
منذ عام 1948، لم تتغير المعادلة الجيوسياسية للكيان الإسرائيلي، بل ظلت تخضع لـ"كتالوج" ثابت ومكرر؛ آلة تدور في حلقة مفرغة تُحوّل السلاح إلى جغرافيا، والجغرافيا إلى شروط تفاوضية، والشروط إلى متطلبات أمنية لتفريغ الأرض من أسباب القوة تمهيداً لابتلاعها.
إن من يتتبع تاريخ هذا الكيان الذي لا يتجاوز عُمره زمنياً عُمر رئيس وزرائه الحالي، يدرك أن الاستراتيجية الإسرائيلية لم تكن يوماً تبحث عن سلام متكافئ، بل عن تمدد مرحلي يخدم الرؤية العقائدية والتاريخية الممتدة في مُخَيِلتهم من النيل إلى الفرات.
يتكون هذا الكتالوج من ثلاث خطوات متتابعة تُكرر نفسها بآلية دقيقة:
• صناعة الاشتباك وفرض الخطوط المُلَوَنة: تبدأ العملية بجولة عنف أو اشتباك عسكري، تُترجم فوراً على الأرض بإنشاء مفاهيم جغرافية ذات أبعاد سياسية واستيطانية.
تظهر مصطلحات مثل "الخط الأصفر"، "الخط الأحمر"، أو "الخط الأزرق"، لتصبح واقعاً جغرافياً يمنع الطرف صاحب الأرض من ممارسة حقه السيادي عليها.
• هندسة الفراغ عبر "نزع السلاح": تحت عناوين براقة مثل "المنطقة العازلة" و"نزع السلاح"، تعمل الآلة الإسرائيلية على تفريغ السكان والمقاومة من أي أوراق قوة أو حماية.
الهدف هنا ليس أمنياً بالدرجة الأولى، بل استراتيجي؛ إذ إن تجريد المنطقة من عوامل القوة يُسقط خط دفاعها الأول ويجعل احتلالها الكامل في الجولة التالية مجرد مسألة وقت.
• التفاوض لجني المكاسب ونقض العهود: يعقب كل تصعيد جولة مفاوضات تُفرض فيها شروط تعجيزية، لتنتهي بـ"اتفاق إطاري" أو "خارطة طريق". تتحصل إسرائيل من هذه الاتفاقيات على مكاسب أمنية وسياسية واعترافات مجانية، وما إن تستنفد مزايا الاتفاق حتى تنقضه وتتنصل من كافة التزاماتها، لتبدأ اشتباكاً جديداً يمنحها مكاسب جغرافية إضافية.
على مدار عقود، خُدع الكثيرون بهذا المسار الملتوي والخبيث، واندفعت أطراف عدة لترتيب أوراقها بناءً على وعود ودبلوماسية الرمال المتحركة.
شريط طويل من الاتفاقيات وخرائط الطريق شَهد على هذا النمط: بدءاً من مؤتمر مدريد للسلام، مروراً باتفاقيات أوسلو 1 (1993) وأوسلو 2 (1995) التي تحولت فيها مناطق السلطة الفلسطينية إلى شتات تقطعها المستوطنات، وصولاً إلى اتفاقية "واي ريفر" (واي بلانتيشن 1998)، وغيرها من المبادرات التي أثبتت التجربة أن إسرائيل تأخذ منها الامتيازات الشكليّة والأمنية، ثم تبتلع التعهدات الخاصة بالحقوق الفلسطينية والعربية.
إن الدرس التاريخي العريض الممتد من 1948 وحتى اليوم يستوجب مغادرة أوهام "السلام المُحتمل" مع كيان لا يعترف بالقانون الدولي ولا يقيم وزناً للمواثيق الإنسانية.
الواقع يؤكد أن هذا الكيان يتعامل بمعادلة واحدة لا سواها: امتلاك القوة وفرض القدرة؛ فهما اللغة الوحيدة التي يستوعبها الكتالوج الإسرائيلي ويحسب لها ألف حساب، وما دون ذلك هُراء ومضيعة للوقت ومضيعة للأوطان.
وأخيراً.. إن قراءتنا لكتالوج دولة الاحتلال يؤكد حقيقة غائبة عن أذهان الكثيرين: هؤلاء ليسوا خارقين في قوتهم، بل نحن من أوهننا ضعفُنا، وليسوا على درجة فائقة من الذكاء، وإنما نحن.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع