إعلان

كيان "ضياء رشوان"

أشرف جهاد

كتب - أشرف جهاد

11:15 م الخميس 24 سبتمبر 2026

عندما اختار العرب اسمًا لتأكيد رفضهم الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي، وتسفيه وجوده، اختاروا الكيان، تنكير ينال من الوجود والأهداف.

فكيف يطلق وزير الدولة للإعلام دعوة رسمية في اجتماع تشهده "قيادات تحريرية" لمؤسسات صحافة رقمية، لإنشاء "كيان جديد للمواقع الإخبارية"، دون إرفاق ورقة عمل واحدة، أو تقديم ورقة موقف (Position Paper)، أو رسم أهداف وهيكل تنظيمي واضح لهذا الكيان! يبدو المنطق هنا كمن يرمي حجرًا في بركة راكدة ظنًا منه أنه يحيي نهضة أو يخلق حركة، دون أي رؤية لما بعد ارتطام الحجر بالماء، سوى الاستمتاع بدوائر الماء وهي تتسع وتتلاشى في العدم.

خطورة هذا "السلوك المرتجل" لا تقف عند حدود المبادرة الشفهية، بل تخلق إرباكًا عميقًا في البيئة الصحفية والتشريعية.

في اجتماعه، قال د. ضياء رشوان إن الكيان يضم المؤسسات لا الأفراد، لكن الاجتماع نفسه ناقش مشاكل الأفراد، وخرج بعدها رؤساء تحرير حضروا ولم يحضروا الاجتماع ليتحدثوا عن كيان يضم الأفراد. وفي هذا خلط متعمد أوقعنا فيه الوزير ومساعدوه الـ22، بين الكيانات المهنية والتنفيذية.

النقابات المهنية (وعلى رأسها نقابة الصحفيين) هي وحدها المنوط بها بنص المادة 77 من الدستور بتنظيم الممارسة والحفاظ على المهنة وشرفها. ومحاولة قفز أي كيان هجين أو تكتل مؤسسي فوق هذه الاختصاصات -تحت دعاوى التنظيم- هو اقتطاع غير مشروع من جسد المهنة، يفتح الباب لتأسيس كيانات موازية لا تملك غطاءً دستوريًا أو قانونيًا، وتربك المشهد أكثر مما تفيده.

أما إذا كان الهدف تنظيم العلاقة بين المؤسسات وأصحاب العمل، فإن القانون المصري (رقم 213 لسنة 2017) يمنح العاملين والمؤسسات بالفعل أطرًا نقابية عمالية ولجانًا لإدارة علاقات العمل، ولا حاجة لاختراع أشكال تنظيمية هلامية بلا سند تشريعي.

وأتمنى من نقابة الصحفيين استغلال هذا الخلط، ومحاولة بعض رؤساء تحرير المواقع بدفع الأمر وكأن موقف الوزير دعوة حكومية لتجاوز النقابة، والدعوة العلنية لتشكيل لجان عمالية في كل موقع للدفاع عن الحقوق العمالية للعاملين فيه، والتصدي لأي محاولة لانتهاك حقوقهم.

أما إذا كان المقصود، كما قال الوزير نفسه، هو كيان يجمع المؤسسات لا الأفراد، فكان بالأولى عليه أن يحدد وظيفة وهدف هذا الكيان. لا أن يطلق دعوته بطريقة "مبادرات رمي الحجارة".

ومن منظور حوكمة الإدارة العامة ينطوي طرح مبادرات بلا تصور على خلل كبير في الهيكل الإداري الداعي لها، يكشف ثلاثة أشياء:

تعويض محدودية الاختصاص التنفيذي. فعندما تفتقر مؤسسة إلى صلاحيات تنفيذية صريحة بقوة القانون، تحاول "شرعنة حضورها" عبر دعوات استعراضية لتأسيس أجسام تابعة، لإظهار نشاط مؤسسي من دون أن يصاحبه اختصاص تنفيذي واضح، ما يؤدي لحشد الطاقة الإدارية في غير موضعها.

الغياب التام لدراسة الأثر. والمؤسسات الرشيدة لا تختبر أفكارها عبر "بالونات اختبار" شفهية في الاجتماعات الرسمية، بل تعتمد على أدبيات الإدارة التشريعية؛ عبر طرح أوراق عمل، ودراسات جدوى، وبيان واضح للفجوة المراد ردمها.

التكرار التنظيمي وتشتيت الموارد. فالدعوة لإعادة إنتاج كيانات على هامش المؤسسات القائمة تشتت الجهد الصحفي، وتُدخل القطاع في صراعات نفوذ بين الكيان الوليد والمجالس النقابية والتنفيذية المستقرة.

وبفرض أن الوزير يهدف لإنشاء "اتحاد لناشري المواقع" للاتفاق على تحركات جماعية للدفاع عن حقوق المواقع الإلكترونية ضد عمالقة التكنولوجيا والمنصات وحتى الحكومات، فلماذا لم يقل ذلك، ويحدد أهدافًا ووظيفة "للكيان"، خصوصًا أن هذه الدعوة ليست جديدة وسبق أن دعا كاتب المقال لها، ووضع إطارًا تنظيميًا وتصورًا واضحًا للتحركات والتأسيس!

متلازمة استنساخ الفشل

إن هذا المشهد العبثي يعيد إلى الأذهان الأزمة الهيكلية التي عانت منها "وزارة الدولة للإعلام"؛ حين وُجدت كموقع تنفيذي غريب الأطوار وسط مجالس وهيئات إعلامية مستقرة بحكم دستور 2014 (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام).

وبهذا يمكن فهم "دعوة رمي الحجارة" وما يماثلها من قرارات سابقة أو لاحقة أدت أو تؤدي لإغراق الساحة الإعلامية بسجالات صحفية وبيانات شفهية لا تجد طريقها للتطبيق. فافتقار الوزارة للموازنة التنفيذية والأدوات التشريعية بحكم أيلولة الصلاحيات للمجالس الدستورية، يدفع تلقائيًا إلى استعادة نفس الأدوات: اجتماعات بلا أوراق، ودعوات لكيانات بلا معالم، ومحاولات لتنظيم الممارسة عبر التوافقات الودية (مثل اتفاقيات منع تصوير العزاءات)، بينما الأزمة الهيكلية للإعلام والتحول الرقمي تتطلب إستراتيجيات تشريعية واقتصادية صلبة، لا قرارات صالونية.

كلمة أخيرة:

تعليقًا على انتشاء "أصحاب الدعوة" بالجدل. نقول إن إطلاق المبادرات لا يكون بفرقعة الأفكار ولا بالاستمتاع بصدى الجدل في وسائل الإعلام. فالكيانات الحقيقية لا تُبنى بدعوات شفهية يُنتشى بجدلها، بل تُشيّد بدراسات جدوى، ورؤية قانونية صلبة، وقيمة مضافة حقيقية.

أما الاستمرار في نهج "رمي الحجر في البركة للفت الانتباه"، فليس إلا إعادة إنتاج لنموذج متكرر من العجز المؤسسي: جعجعة كثيفة تتصاعد في الهواء.. ولا حبة طحين واحدة تسقط في الوعاء!

ومن العيب أن يغتر البعض ويحتفي بجعجعةٍ بلا طحن.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع