إعلان

مصر والسعودية.. تكامل الأدوار جيوسياسياً

محمد جمعة

كتب - محمد جمعة

07:00 م الأحد 20 سبتمبر 2026

تشهد منطقة الشرق الأوسط موجة متسارعة من إعادة الحسابات وصياغة الترتيبات الأمنية الإقليمية، تفرضها طبيعة التهديدات غير التقليدية المتصاعدة في الممرات المائية الحيوية. في هذا السياق الدقيق، جاءت زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى القاهرة منتصف سبتمبر الجاري.

تُصنف الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة والرياض كمعادلة توازن استراتيجي تهدف إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي. بل ويُنظر دائماً إلى هذا التنسيق الاستراتيجي بين البلدين الكبيرين باعتباره مشروعاً عربياً يسعى دائماً إلى كبح طموحات القوى التوسعية في الشرق الأوسط، وإلى إرساء توازن استراتيجي في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي.

في مواجهة طموحات المشروع الإيراني تتقاطع الرؤى المصرية والسعودية في رفض مساعي التمدد الإيراني وتدخلاتها في شؤون الدول العربية.

وتقود البلدان التحركات والمبادرات لفرملة محاولات الهيمنة في "حرب المضائق". كما تعزز القاهرة والرياض تنسيقهما الأمني والاستخباري لمحاصرة نفوذ الأذرع الإقليمية التابعة لطهران، مع الحفاظ على قنوات اتصال دبلوماسية مرنة لتجنب التصعيد الشامل.

أما في مواجهة المشروع والتصعيد الإسرائيلي فيتكامل الموقفان المصري والسعودي لصد المخططات الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية أو إعادة هندسة المنطقة عسكرياً. وتقف القاهرة والرياض في مواجهة خطط التهجير لفرض واقع ديموجرافي جديد. كما تدفع الدولتان بثقلهما الدبلوماسي المشترك لإلزام المجتمع الدولي بمسار حتمي يؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وفوق كل هذا، تؤكد الدولتان رفضهما عسكرة الممرات البحرية أو استغلال الصراعات الدولية للتموضع قرب القرن الأفريقي.

في سياق هذه الرؤية المشتركة مع الرياض تتحرك الدبلوماسية المصرية من منظور يزاوج بين ثوابت أمنها القومي التي لا تقبل المساومة، وبين الخصوصية التاريخية والاستراتيجية لعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية.

تنطلق الرؤية المصرية من واقعية سياسية تدرك أن لكل قوى إقليمية وزناً ونطاق حركة يخدم المصلحة المشتركة. وبينما تقرأ القاهرة مساعي الرياض لبناء شبكة تحالفات متعددة المستويات تشمل قوى إقليمية كباكستان وتركيا، فإن الحسابات الجيوسياسية على الأرض تثبت أن الثقل الجغرافي والعسكري لمصر في حوض البحر الأحمر يظل رقماً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستدامة. بمعنى، أن الجوار الجغرافي المباشر لمصر، ووجود أساطيلها البحرية (وفي مقدمتها أسطول الجنوب) وقواعدها العسكرية المتقدمة كقاعدة برنيس، يمنحها ميزة التدخل والانتشار السريع والفاعل لحماية حركة الملاحة.

تتعامل الدولة المصرية مع الأطر الأمنية الناشئة، مثل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" أو "التحالف البحري الدفاعي الجديد" بجدة، انطلاقاً من محددات دستورية وعقيدة عسكرية راسخة تميل نحو "الدفاع المرن واستقلالية القرار". لذا، فإن الموقف المصري يفضل دائماً صيغ التفاهمات الثنائية المرنة والتعاون المشترك، عوضاً عن الأحلاف الجماعية ذات الالتزامات الآلية. هذا النهج يتيح للقاهرة تقديم الدعم الاستخباراتي الكامل وتبادل البيانات الفورية وتسيير الدوريات الدفاعية الفعالة تحت مظلة التحالف البحري الجديد بجدة، مع الحفاظ التام على حرية قرارها الاستراتيجي وتجنب الانجرار إلى صراعات مفتوحة بالوكالة أو نزاعات إقليمية ممتدة.

لكن هذا لا ينفي أنه وأمام تسارع الأحداث الإقليمية وتوالي الاعتداءات التي طالت منشآت حيوية في المملكة، وتصاعد الهجمات غير التقليدية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لم تعد المقاربة المصرية مجرد تنسيق دبلوماسي تقليدي، بل تحولت إلى استراتيجية ردع نشطة، تنطلق من رؤية واضحة للقاهرة تعتبر أن استهداف أمن واستقرار المملكة هو استهداف مباشر للمجال الحيوي والأمني لمصر، وتهديد علني لقناة السويس التي تمثل شرياناً رئيسياً للاقتصاد المصري.

جملة القول، تشير:

**المباحثات الأخيرة في القاهرة إلى أن العلاقات المصرية السعودية بلغت مرحلة متقدمة من النضج الاستراتيجي؛ حيث نجح البلدان في بناء نموذج ذكي لـ"تكامل الأدوار" على المستوى الجيوسياسي، يحترم الخصوصية الدستورية والثوابت السيادية لمصر، ويلبي في الوقت ذاته حاجة المملكة لعمق استراتيجي مصري رادع.

إن هذا التوازن الدقيق يؤكد مجدداً أن الشراكة بين القاهرة والرياض ليست مجرد تنسيق عابر، بل هي الركيزة الأساسية الثابتة التي ترتكز عليها معادلتي المصالح العربية، الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان