إعلان

من فوق الطبق .. التسطيح أسلوب حياة!

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

07:00 م الأحد 16 أغسطس 2026

يُمثل التسطيح أسلوب حياة معاصر يكتفي بالوقوف عند السطح، هاربًا من متعة الغوص والتدقيق في التفاصيل المعقدة. ويقوم هذا النهج على الاعتماد الكلي على القشور، حيث يكتفي الإنسان بتلقي المعلومات الجاهزة والمظاهر الخادعة دون إعمال العقل في البحث عن الحقيقة أو الجوهر. في هذا الواقع، تحول الإنسان المعاصر من باحث عن المعرفة العميقة إلى مستهلك سريع للمحتوى السطحي.

يرتبط هذا الانجراف نحو التسطيح ارتباطًا وثيقًا بروح العصر القائمة على التسرع والمنافسة الشرسة. فالرغبة المحمومة في تحصيل المكاسب السريعة، وتصدر المشهد، وتحقيق الأرباح بأقل جهد زمني ممكن، جعلت من العمق عائقًا يجب تجاوزه. وأصبح التسرع أداة لتلبية متطلبات سوق استهلاكي لا يرحم، يقدس الكم على حساب الكيف، ويدفع الأفراد والشركات للركض خلف السرعة متجاهلين قيمة الإتقان.

لكن هذا النهج المتسارع لا يمر دون ثمن باهظ؛ إذ تحمل هذه الآفة الفكرية والسلوكية في طياتها مخاطر جسيمة تفتك بالأفراد وبالمجتمعات على مختلف الأصعدة الفكرية والمادية. إن أخطر انعكاسات التسطيح تظهر جلية في رداءة المنتج النهائي، سواء أكان فكريًا، فنيًا، أم ماديًا. فعندما يغيب التدقيق، تتراجع المعايير الحقيقية وتفسح المجال أمام الانحياز لكل ما هو ضعيف وهزيل، مما يؤدي بالضرورة إلى تهميش الجودة بشكل ممنهج.

كما يمكن ملاحظة تداعيات أخرى للتسطيح والتركيز على القشور تتمثل في استبدال الكفاءات بالولاءات الشكلية وتقييم الأشخاص على أساس الشهادات الورقية البحتة دون اختبار المهارة فتتراجع الإنتاجية وتنتشر البيروقراطية الفارغة ويغرق المجتمع في "زيف اجتماعي" وتنتشر ثقافة الاستعراض مما يخلق أجيالًا تعاني من الفراغ الفكري والنفسي وتفتقر القدرة على مواجهة الأزمات الحقيقية. هذا فضلًا عن إهدار الموارد الضخمة في غير محلها وفقدان الثقة المجتمعية مما يخلق حالة عامة من الإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات والرموز.

ومن الأمثلة الدالة على مخاطر التسطيح أزمة التعليم الشهاداتي "الورقة بلا علم"٬ حيث تعاني بعض المجتمعات في مراحل تاريخية ومعاصرة من ثقافة "الحصول على الشهادة العليا" بأي ثمن، بغض النظر عن جودة التحصيل العلمي أو فهم التخصص. فيتحول التعليم إلى عملية "تلقين لحفظ النصوص" بهدف الحصول على اللقب أو الوظيفة الشكلية. والنتيجة هي تخريج أجيال تحمل درجات علمية رفيعة (بكالوريوس أو ماجستير)، لكنها تفتقر لأبسط مهارات التفكير النقدي أو التطبيق العملي، مما أدى إلى عجز المؤسسات عن الابتكار وتراجع التنافسية الدولية في مجالات التكنولوجيا والعلوم.

وتعتبر الكوارث الهندسية والعقارية المتمثلة في أزمة البناء التجاري والعشوائي مثالًا حيًا على ثقافة التسطيح٬ حيث يتم التركيز بشكل مبالغ فيه على سرعة البناء والواجهات الفاخرة مع إهمال جودة المواد الأساسية، وقواعد السلامة الإنشائية، وشبكات التصريف

لذلك عندما يتحول الهدف إلى "الشكل المخادع" بدلاً من "الجوهر الحقيقي"، تختل المعايير وتتراجع الأمم. وعندما تصبح الرداءة هي السائدة، تفقد المجتمعات قدرتها على الابتكار الحقيقي والنقد البناء، وتتحول الثقافة العامة إلى قوالب مكررة وخاوية من المضمون.

إن مواجهة هذا الخطر تتطلب وقفة واعية لإعادة الاعتبار للعمق، والتروي، والجودة، كركائز أساسية لبناء حياة إنسانية واعية ومثمرة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان