الجسد.. دليل المستخدمين
في كتابه «الجسد: دليل المستخدمين» (دار جليس، 2019) يُثبت الكاتب والصحفي الأميركي بيل برايسون أن «الجسد» رفيق فريد يرشدك ويُعرّفك بعظمة الجسد وكيف يؤدي وظائفه ويشفي نفسه، أو حينما لسوء الحظ يصيبه فشل ما.
في الكتاب الذي ترجمه إلى العربية محمد الدواخلي، يستفتح برايسون بفصل عنوانه «كيف تبني إنسانًا» وفيه يُخبرنا بمعلومة مثيرة سمعها في مراهقته من معلم أحياء، تقول هذه المعلومة إن كل المواد الكيميائية التي يتكون منها الجسد البشري لا يزيد ثمنها في السوق عن خمسة دولارات، ينطلق برايسون ليتحقق من هذه المعلومة فيورد حسابات الجمعية الملكية للكيمياء والتي توصلت إلى أن الجسد البشري يتكون من 59 عنصرًا، ستة من هذه العناصر تمثل 99.1% من الجسد، هذه العناصر الأساس هي «الكربون والأكسجين والهيدروجين والنيتروجين والكالسيوم والفوسفور»، يسيطر الأكسجين على النسبة الأعلى 61% من الجسد متحدًا مع الهيدروجين والذي يمثل نسبة 10% ليكونا الماء، لهذا يقال إن 70% من الجسد البشري عبارة عن ماء. يواصل برايسون تفكيك وتسعير الجسد البشري مستشهدًا بنتائج الجمعية الملكية ليتوصل إلى أن التكاليف السوقية للعناصر الـ59 تزيد في الحقيقة على 150 ألف دولار، وهو مبلغ يفوق كثيرًا دولارات معلم الأحياء الخمس.
هذه التجربة العلمية الطريفة التي أشغلت برايسون والجمعية الملكية، تجعلنا نؤكد أن الجسد البشري ليس بمجموع عناصره، فحتى لو توفرت كل هذه المواد، لا يمكننا صُنع جسد بشري بكل بساطة، ناهيك عن روحه وعقله، ومن هنا تبدأ رحلة المؤلف ومعه القارئ بالطبع في استكشاف الجسد بكل عجائبه؛ فالجسد مصنع وورشة عمل لا تهدأ ولا تتوقف عن العمل والإنتاج إلا عند الموت طبعًا.
تتوالى فصول الكتاب لتقدّم لنا المزيد من المعلومات والأسرار عن أجسادنا، عن العظام والحركة والتوازن، وعن الجهاز المناعي والرئتين، وعن الطعام والجهاز الهضمي، والنوم والتكاثر، والأعصاب والألم، والأمراض التي تهدم هذا الجسد، مع فصل كامل خصصه المؤلف لمرض السرطان. يشير برايسون إلى أنه ما بين عامي 1900 و1940، قفز السرطان من المركز الثامن إلى المركز الثاني كسبب للوفاة بعد أمراض القلب مباشرة، ملقيًا ظله طويلًا فوق تصوراتنا عن الوفيات منذ ذلك الحين. اليوم، حوالي 40% منا سيكتشفون أنهم مرضوا بالسرطان في مرحلة من حياتهم. نسبة أكبر بكثير سينمو السرطان في أبدانهم دون أن يعرفوا، وسيموتون بأسباب أخرى تسبقه. نصف الرجال فوق الستين، وثلاثة أرباعهم فوق السبعين -على سبيل المثال- لديهم حين يموتون سرطان بالبروستاتا، وهم لم يعرفوا به وهم أحياء. ومن المعتقد في الحقيقة، أن كل الرجال إذا عاشوا بما يكفي، سيكون لديهم جميعًا سرطان بالبروستاتا.
السرطان في القرن العشرين لم يعد فقط الرعب الأكبر، ولكنه أيضًا العار الأكبر. إن استبيانًا بين الأطباء في أميركا، عام 1961، أوضح أن 9 من كل 10 منهم لم يخبروا المرضى بأن ما بهم هو السرطان، اتقاءً لأحاسيس العار والهلع الرهيبين تجاهه. استبيان مماثل في بريطانيا في الوقت نفسه تقريبًا، أوضح أن المرضى تمنوا أن يعرفوا إذا ما كانوا في سبيلهم للموت، ولكن 70-90% من الأطباء نأوا بأنفسهم عن إخبارهم بأي حال.
إننا نميل إلى الظن أن السرطان يصيبنا مثلما تصيبنا العدوى بالكتيريا، ولكن في الحقيقة، السرطان منشؤه داخلي تمامًا، هو حالة تحوّل للجسم ضد ذاته.
إن الحقيقة المروعة هنا أن السرطان ما هو إلا اجتهاد جسدك بأقصى ما يمكنه ليقتلك؛ أو أنه انتحارك بدون إذنك. والسرطان ليس كغيره من الأسقام، فهجماته غالبًا ما تكون بلا هوادة، والانتصار عليه صعب على الدوام، ويكلف الكثير على حساب الصحة العامة لضحاياه. إنه قد يتراجع أمام تقدّم العلاج، لكنه يلمّ شتاته ويكر مهاجمًا من جديد بعنف أشد. حتى عندما يبدو أنه انهزم، يكون قد ترك وراءه خلايا نائمة، تكمن ربما لسنوات، ثم تطل من مكامنها للحياة مجددًا. فوق كل شيء خلايا السرطان أنانية. من الطبيعي أن خلايا الجسم تقوم بوظائفها، إلى أن تأتيها التعليمات بالنهاية، فتموت لصالح الجسم ككل. خلايا السرطان ليست هكذا، إنها تتكاثر لرغبتها المنفردة في ذلك؛ يقول فورمور عنها إنها «تتطور لتفادي اكتشافها.. يمكنها الاختباء من العقاقير.. يمكنها تطوير مقاومتها.. يمكنها تجنيد خلايا أخرى لمساعدتها.. يمكنها الدخول في سبات وانتظار ظروف أكثر ملاءمة.. إن بإمكانها عمل أي عدد من الأشياء التي تصعب علينا مهمة قتلها».
شيء أدركناه مؤخرًا فقط، أن الأورام قبل أن تبعث إرسالياتها، يكون لديها القدرة على تمهيد الأرض الجديدة للغزو القادم، في ذلك العضو البعيد، وذلك عبر إشارات كيميائية. هذا يعني أن الخلايا المرسلة (النقيلة)، لا تذهب كأغراب تائهين يبحثون عن الأفضل، وإنما يكون في انتظارها معسكر انطلاق حيثما تحط في عضو ما. أما لماذا هناك سرطانات معينة ترسل نقيلاتها إلى أعضاء معينة بعيدة، فهذا يظل لغزًا لم نحله.
السرطان في الحقيقة ليس مرضًا واحدًا، بل طاقم من أكثر من مئتي نوع، تختلف كثيرًا في المسببات وفي تطور المرض. 80% من السرطانات تسمى كارسينوما وهي سرطانات تنشأ من الخلايا الطلائية، أي التي تغطي الجسد (الجلد) أو التي تبطن تجاويف الجسم. سرطان الثدي على سبيل المثال لا ينمو عشوائيًا في كتلة الثدي، بل يبدأ في الخلايا المبطنة لقنوات اللبن. إن الخلايا الطلائية مُعرضة بصفة خاصة للتحول السرطاني؛ لأنها تنقسم باستمرار وبسرعة. 1% فقط من السرطانات ينشأ من الأنسجة الضامة، وهي ما تسمى ساركوما.
والسرطان، قبل كل شيء، متعلق بسن المريض. بين عمر 1-40 فرصة حدوثه في الرجال واحد من بين 71، وفي النساء واحدة من بين 51، ولكن فوق الستين تتغير النسبة إلى 1 من كل ثلاثة رجال، وواحدة من كل أربع نساء. أما الشخص الذي بلغ الثمانين، فهذا يصاب بالسرطان بمعدل 1000 مرة ما يصاب به سن الصبا.
نمط الحياة عامل ضخم في تحديد من سيصاب بالسرطان. أكثر من نصف الحالات -في بعض الحسابات- سببتها أشياء يمكن أن نفعل شيئًا حيالها، كالتدخين والإفراط في الكحوليات والإفراط في الطعام. لقد وجدت الجمعية الأميركية للسرطان تلازمًا يستحق الاعتبار بين البدانة المفرطة وسرطان الكبد والثدي والمريء والبروستاتا والقولون والبنكرياس والكلى وعنق الرحم والغدة الدرقية والمعدة، يمكن القول باختصار السرطان في كل مكان. كيف للوزن أن يختل بتوازن الجسم، هذا ليس مفهومًا تمامًا، ولكنه بالتأكيد يبدو فاعلًا ذلك.
التعرّض البيئي كذلك مصدر مهم للتسرطن، أكثر ربما مما يدرك أغلبنا. كان أول شخص ينتبه للعلاقة بين البيئة والسرطان هو الجراح البريطاني بيرسيفال بوت، الذي لاحظ عام 1770 أن سرطان كيس الصفن منتشر بين عمال تنظيف المداخن بأكثر من النسب المعروفة. لقد كان حقًا مختصًا بتلك المهنة، حتى لقد سُمي المرض بـ«سرطان ماسحي المداخن».
الفيروسات والبكتيريا تسبب السرطان أيضًا. في عام 2011، كان تقدير هيئة الصحة العالمية، أن نسبة 6% من حالات السرطان في البلاد المتقدمة، و22% في البلاد متوسطة ومنخفضة الدخل، تعزى إلى الفيروسات وحدها. لقد كانت هذه -في وقت ما- فكرة متطرفة جدًا. في 1911، عندما وجد بيتون روس، الباحث حديث التأهل من معهد روكفلر في نيويورك، أن فيروسًا تسبب في إصابة الدجاج بالسرطان، رفض العالم بأسره اكتشافه. وأمام تلك المعارضة التي وصلت أحيانًا إلى السخرية، أهمل روس الفكرة وانتقل لبحث آخر. احتاج الأمر لنصف قرن من الزمان، حتى رُد إليه اعتباره عام 1966، وقد حاز جائزة نوبل. إننا الآن نعرف الميكروب المسبب لسرطان عنق الرحم، وهو المسمى بفيروس الورم الحليمي البشري، وكذلك بعض أنواع أورام بيركت التي تصيب الغدد الليمفاوية وسرطان الكبد، وأنواع أخرى كثيرة. وإجمالًا تُقدّر الميكروبات بمقدار الربع بين مسببات السرطان على مستوى العالم.
وفي بعض الأحيان، يبدو السرطان عشوائيًا قاسيًا. حوالي 10% من الرجال و15% من النساء الذين يصابون بسرطان الرئة غير مدخنين، ولم يتعرضوا لبيئة ضارة، ولا واجهوا أيًا من المخاطر المعروفة، على حد ما يخبرون له، لقد كانوا فقط -كما يبدو- سيئي الحظ جدًا جدًا. ولكن يظل السؤال هل معنى كلمة «سيء الحظ» هو المعنى الدارج أم أنه أمر جيني؛ تلك مسألة لم تُحسم بعد.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع