إعلان

«بلوتوث».. تُعيد فتح ملف الاحتكار والإنتاج الدرامي

د. أمل الجمل

كتب - د. أمل الجمل

04:48 م الثلاثاء 03 نوفمبر 2026

التشويق، الإيقاع اللاهث، مشاهد الإثارة، أجواء المطاردات التي تأخذ الأنفاس، والقدرة على خلق العقبات المتتالية، بيُسر وتلقائية تُعد جميعًا من أبرز مميزات تلك الرواية التي يمكن أن تنتهي من قراءتها في أمسية كأنك تشاهد عملًا سينمائيًا مشوقًا ومسليًا. عمل أقدامه مغروسة في الواقع لكنه مصنوع بشكل فني معجون بالخيال. الشخصيات مرسومة بدقة ووضوح، ليس فقط الشخصيات الرئيسية مثل أحمد وزوجته هند، أو الأم فتحية وزوجها، أو هند ومروة، لكن أيضًا يتضح الاهتمام برسم ملامح وتفاصيل الشخصيات الثانوية مثل روحية زوجة البواب، أو رضا السايس الذي يُعد شخصية درامية بامتياز ويمكن استغلالها وتحويلها لشخصية رئيسية رغم هامشيتها. مع ذلك هناك تساؤلات تفجرها الرواية.

هل الكتابة للسينما والتليفزيون أصبح تنفيذهما دربًا من دروب الخيال بعد توقف عدد من الشركات الوطنية والقطاع الخاص عن الإنتاج؟ هل وجود روايات سينمائية يُمكن أن يُشجع على حل تلك المعضلة؟ هل يعني ذلك عدم وجود سيناريوهات بصرية كافية؟ هل تكمن المشكلة في غياب السيناريوهات أم في سياسة «الاحتكار» ورغبة تلك الشركات في إنتاج نوع معين فقط؟ تساؤلات عديدة طرحت نفسها عقب قراءتي لرواية «بلوتوث» - صدرت عن دار باتنة - لمؤلفها محمد عبد الحافظ ناصف الذي نال جائزة الدولة التقديرية مؤخرًا.

كُتبت «بلوتوث» منذ مولدها على شكل سيناريو سينمائي، ثم قرر المؤلف ألا يترك عمله سجين الأدراج في زمن عز فيه الإنتاج السينمائي إلا على نوعيات معينة نتيجة سياسة الاحتكار التي تسود صناعة السينما في مصر الآن. قام ناصف ببعض التعديلات التي تناسب شكل الرواية، وتختصر عدد صفحات السيناريو. الأهم من ذلك أنه وضع في الاعتبار أن بعض التفاصيل والخيوط تحتاج إلى مزيد من التوضيح البصري الدرامي الإضافي لتفعيل خيال القارئ. لأن السيناريو يُكتب لممثلين يقومون بسد الفجوات، وإحياء الشخصيات وضخ الدماء فيها، في ظل إضاءة وديكور وإكسسوار موسيقي، لذلك حين يغيب كل ذلك يُصبح على المؤلف تفعيل كل ما مُتنكر أو مستعصٍ على القارئ. مع ذلك فإن الرواية مكتوبة بلغة متقشفة، أو للدقة مقتصدة، كافية للتعبير عن الحالة الدرامية، وجاذبة للقراءة.

مناقشة بلوتوث

مناقشة الكبار للرواية

مجدي أبو عميرة ومحمد السيد عيد.. عَلَمان من أبرز صُناع الدراما في عهدها الذهبي في مصر. نجمان حفرا اسميهما بصناعة فن راقٍ، على مستوى رفيع سواء فكريًا أو تقنيًا، يهدف لتقديم نماذج إنسانية قد نقتدي بها، عائلات وأُسر بكل تشابكاتها وتعقيدات علاقتها، أناس نعيش معهم قصص الحب والكفاح، والصبر، أو نتعلم من أخطائهم وجشعهم ومصيرهم الذي يحصدونه بما جنت أيديهم. إنهما لا شك عَلَمان قدما عبر الفن - أو القوة الناعمة - دورًا جليلًا للمجتمع، وتعلقت بهما أفئدة جماهير غفيرة من جموع المشاهدين من مختلف الأعمار، من الرجال والنساء.

أبو عميرة - الذي طالما لُقب بالملك - والذي أخرج أعمالًا كانت حديث الشارع المصري من أبرزها «الضوء الشارد»، «المال والبنون» و«ذئاب الجيل» وغيرها من الأعمال الدرامية الممتعة - المميزة بالإيقاع الملتهب - والتي تناقش قضايا مجتمعية أو تاريخية أو شعبية دون أن تتخلى عن وجود قصص الحب. أيضًا محمد السيد عيد الكاتب والمفكر وصاحب سيناريوهات أعمال ساطعة كالشمس، موسومة بالرصانة ويمكن أن تكون نموذجًا لتدريس السيناريو - مثل «الزيني بركات» أو كما في «قاسم أمين» نموذج لمحرر المرأة، و«محمد عبده» رمز تحرير العقل، و«مصطفى كامل» مثالًا لتحرير الأمة سياسيًا.

ندوة بلوتوث

لا ننسى أن محمد السيد عيد كان له أسبقية في الإصرار على طباعة سيناريوهات مسلسلاته - طبعًا في السينما كان هناك نماذج سابقة - وهي خطوة لا بد من الإشادة بها لأنها تؤكد على أن سيناريو المسلسل الجيد الناجح لا يقل عن أي عمل أدبي كبير، وأنه بناء فني ليس يسيرًا أبدًا، لأنه يضع في اعتباره الإيقاع كركن أساسي في إنجاح العمل.

أهمية رسم الأماكن

إذًا، الفخر والاعتزاز شعور مؤكد يستحق الاحتفاء، حين تكون بصحبة هذين الكبيرين من صُناع الدراما في مصر والعالم العربي. ماذا لو أضفنا إلى تلك البهجة عَلَمًا آخر قادمًا من فن «الكوميكس» - بكل بلاغته اللفظية والبصرية، مبدع كتب العديد من السيناريوهات المسرحية والإذاعية وقصص الأطفال، إنه الروائي محمد عبد الحافظ ناصف المُكرم هذا العام بجائزة الدولة التقديرية، والذي صدر له حديثًا رواية سينمائية بعنوان «بلوتوث» شاركت كاتبة هذه السطور في مناقشتها، وأدار النقاش الصحفي القدير عبود مصطفى.

أثناء مناقشة بلوتوث وحديث أبو عميرة

الأماكن بطل رئيسي لا يقل أهمية عن الشخصيات، خصوصًا مشاهد الصحراء مكتوبة بوصف دقيق له جماليات نادرة، لا يخلو من دلالة رمزية جلية. هنا، المؤلف يسلط الضوء على أسس وركائز ثقافية مهمة فيما يخص المجتمع وعوامل انهياره، انطلاقًا من التطور التكنولوجي وخطورة الموبايل، في علاقته الحيوية بالأفراد داخل الأسرة وآثار اغتراب عائلها على مصير أولاده. علاقة الحكي والبوح بين البنت وأمها كما يحدث مع الابنة المتزوجة هند والأم فتحية، وحتى علاقة الأختين، ثم الشرخ في العائلة الأخرى، والأثر المباشر على ما حدث لمروة من انزلاق ومخاطر.

الثنائيات المتضادة

الأكثر أهمية ما يتعلق بالمراهقين، فهو يدق جرس إنذار بشأن الموبايل في أيدي الطالبات في المدارس في سن المراهقة، مما يؤدي إلى سلوكيات خاطئة تنتشر في المجتمع مثل النار في الهشيم، وحتى مع الكبار يجب الحرص منه لأنه أحد أخطر الجواسيس. تقوم الرواية بالكشف عن الجوانب السلبية للهواتف الذكية والتنبيه إلى مدى خطورتها في سياق درامي تشويقي مصنوع بتفاصيل فنية دون أن يقع في فخ المباشرة الفجة، إذ تعتمد على الاقتصاد اللغوي، تحكي عن ضرورات المشهد السينمائي فقط. لا وجود لاستطراد أو استفاضة رمزية، رغم أنها لا تخلو من الاستعارات والتخييل.

بصحبة مجدي أبو عمير ومحمد السيد عيد والمؤلف

وجود الثنائيات المتضادة من الأمور اللافتة بالرواية، مثلًا: أحمد وهند في مقابل ثنائية علي الدكش ومروة، ثنائية فتحية، الأم وزوجها عبد الرحمن، والدا هند، حيث نعايش الزوجين في حالة مودة ورحمة ويستمعان إلى أغنية أم كلثوم «رق الحبيب». في المقابل نرى النقيض تمامًا مع والدي مروة حيث أجواء الغضب الثوري في الكلام المتبادل والعصبية الزائدة جراء البعد وحياة الغربة المتبادلة، فالأب اغترب قبل سنوات، بينما أسرته تعيش اغترابًا داخليًا وحياة جافة من العواطف والدفء العائلي. بالتالي نتفهم مأزق الابنة.. هل كانت تبحث عن حب مفقود؟ هل الأب الغائب بنى له حياة ثانية ينفي بها غربته أم لا؟ تساؤلات تركها المؤلف غامضة، حمَّالة أوجه.

ثنائية رجال الشرطة الشرفاء المتعاونين مع الضحية في مواجهة ثنائية اللصوص ومروجي الدعارة. على صعيد آخر لا يمكن إغفال التفاصيل التي سيتم توظيفها في المطاردات ومنها الميدالية المحفور عليها اسم البطلة، وكسر المزهرية قبيل اكتشاف الخبر المرعب.

البناء الدرامي مصنوع بعناية، هناك بداية ووسط ونهاية، يتداخل معهم الصراع والذروة. هناك تعدد ذروات بالإضافة إلى الذروة الرئيسية. يميز الرواية أيضًا التمهيد وتقديم الشخصيات والتلميح لبداية مشاكلها، وصولًا إلى الذروة الرئيسية والمطاردات وانتهاءً بالحل.

تعد الرواية سيناريو فيلم يحمل كل طاقات الأكشن والإثارة، فيه خيال واضح. اهتم المؤلف برسم الصراع، الخارجي، وكذلك الداخلي كما في مأزق مروة وعلي الدكش، أو صراع هند مع نفسها، مثلما يجعل القارئ يشعر بالخوف على أبطاله فمثلًا الأم حين نراها مديرة مدرسة للطالبات حيث يتم ترويج فيديوهات خارجة عن حدود الأدب، فنشعر بالخوف على البطلة وأمها في آن واحد.

تحفظاتي تتلخص في أن بعض مناطق السرد تحتاج للتغذية الدرامية، فقد كان تصوير المشاعر اقتصاديًا جدًا أحيانًا، أو يقتصر على المطاردة وفقط. مثلًا ما يحدث بين البنات في المدرسة وخارجها يمكن أن يتم شحنه بمزيد من الأفكار لتعميقه أكثر. لماذا؟ لأهميته، لأنه يتماس مع شريحة كبيرة من المجتمع ألا وهي شريحة المراهقين في المدارس وهو أمر خطير جدًا.

كذلك، الأم هي مديرة مدرسة، ولا يتم تقديم مشاهد لها في المدرسة منذ مرحلة مبكرة ضمن الأحداث، لذا لا بد من إعادة النظر في مشاهدها، إضافة لمشهد وحيد يحتاج لضبط الإيقاع يخص انتظار هند لعودة زوجها، فليس ضروريًا أن يشعر القارئ بالملل حتى يصل إليه شعور الشخصية، بل يمكن تصوير ذلك عبر طرق متنوعة، بجمل مكثفة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع