تكريم "الشيطان الأبيض" في كارلوفي فاري الستين
"لم أكن من أذكى الطلاب".. هكذا حكى عن نفسه من بين ما حكى من أشياء حميمة. رغم تماثيل الأوسكار الثلاثة التي اقتنصها، إذ كانت الأوسكار الأولى عن عمله بفيلم "JFK" للمخرج أوليفر ستون. أما الثانية والثالثة فكانتا عن فيلمي "The Aviator" و"Hugo" للمخرج مارتن سكورسيزي. كما رُشِّح لجائزتي بافتا لأفضل تصوير سينمائي عن هذين الفيلمين، إضافة لجوائز أخرى عديدة. إنه مدير التصوير روبرت ريتشاردسون.
إذاً، ربما وكي تصبح فنانًا عبقريًا أو لتثبت ذلك فإنك تحتاج إلى مقياس آخر مغاير، ربما لا يتعلق الأمر بمفهوم الذكاء بالمقياس التقليدي. هل يكون للأمر علاقة بالشغف الذي يجعلك تكرس نفسك وحياتك لما تعشق، أم أنها الرغبة الملحة في إنقاذ النفس والإفلات من المصير التعس. هذه بعض من مشاعري وخواطري عنه وأنا أتأمل الفيلم الوثائقي عنه، ثم محادثاته للجمهور التشيكي، مقارنة مع قوة التصوير بأفلامه خصوصًا مع أوليفر ستون عن اغتيال “جون كينيدي” Jfk, أو تلك مع مارتن سكورسيزي وكوينتين تارانتينو.
“إنه الشيطان الأبيض نفسه”.. هكذا وصفه النجم هارفي كيتل عقب عرض الفيلم الوثائقي عنه “روبرت ريتشاردسون: الشيطان الأبيض”، والذي عُرض لأول مرة في مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي بدورته الستين، من توقيع المخرجة التشيكية جانا هوجدوفا، والتي تُعد من أبرز المصورين السينمائيين التشيكيين، والتي امتدحها ماتي تشلوباتشيك، أحد منتجي الفيلم، مؤكدًا قوة صبرها وصمودها حيث إنها: “عملت على هذا الفيلم الوثائقي لعشر سنوات..” فقد بدأت المخرجة هذا المشروع كخريجة حديثة في التصوير السينمائي من أكاديمية الفنون السينمائية والتلفزيونية في براغ، باختيارها لشخصية روبرت، ثم تطور الأمر بعد مفاجأتها بموافقة ريتشاردسون بالعمل معها عن شخصيته وأعماله.
بالفيلم كثير من المشاهد والحوارات التي تجعلنا نأخذ وقفة مع النفس ونتأمل كيف يحول الإنسان مسار حياته التعيسة إلى الاحتراف الإبداعي شديد التميز، فأثناء تلك المحاولات المشاغبة من المخرجة نعرف شذرات عن “طفولته التعيسة في كيب كود، أو إهمال والدته وإدمانها على الكحول، أو مرض شقيقه الراحل العقلي ومشاكل تعاطيه للمخدرات، أو إخفاقاته مع شريكات حياته كزوج، كذلك كأب كان يرى أطفاله أقل - وفي علاقة عكسية - كلما تقدمت مسيرته المهنية في هوليوود في منتصف الثمانينيات. فهو نفسه يقول: “إنه ينظر إلى مسيرته المهنية على أنها دراسة في كيفية الهروب".
بالفيلم لقاءات متعددة، منها لقاءات مع نجوم ونجمات، والأهم لقاءات مع ثلاثة من أبرز المخرجين يناقشون تجربته المهنية بمحبة وعمق كبيرين، إضافة إلى تجربتهم معه وهم: مارتن سكورسيزي، وأوليفر ستون، ثم كوانتين تارانتينو الذي تطرق للخلافات التي وقعت بينهما فيما يخص فيلمي "كيل بيل" و"أوغاد مجهولون". كذلك تحدثت زوجته السابقة مونونا والي التي تقول: “لطالما راود بوب حلم أن يصبح نجم روك، أما مهنة التصوير السينمائي فكانت ثانوية”.
الحقيقة أن وجود قامة فنية مثل روبرت ريتشاردسون في كارلوفي فاري تمنح طاقة كبيرة للشباب، تقدم نموذجًا يمكن - ليس فقط الاقتداء به - ولكن أيضًا الاستفادة كثيرًا من خبراته، آرائه، من تجربته الخصبة، والتي تمنح المستمع مزيدًا من الثقة بالنفس، فهذا الأسطورة كان للصدفة نصيب كبير في حياته ومسيرته الفنية، إذ يقول: “لم أكن من أذكى الطلاب. التحقت بجامعة فيرمونت واخترت دراسة علم المحيطات، رغم أن فيرمونت بعيدة كل البعد عن المحيط. لكنني حضرت مهرجانًا سينمائيًا وشاهدت أفلام إنغمار بيرغمان. كانت تلك نقطة التحول.. فبعد مغادرتي فيرمونت، أمضيت عامًا في إدارة دار للسينما، وشاهدت كل فيلم عدة مرات. ثم تقدمت بطلبات التحاق إلى جميع كليات السينما المتاحة”.
من الأشياء اللافتة في أحاديثه أنه على خلاف الكثيرين من مديري التصوير يمتلك ذلك الشغف والولع في تشغيل الكاميرا بنفسه، مثلما يحب كثيرًا لقطات الكاميرا وهي تتحرك.
كل ذلك ما سبق شاهدناه بمناسبة تكريم روبرت ريتشاردسون بجائزة الكريستال جلوب للإسهام المتميز في السينما العالمية وذلك أثناء فعاليات مهرجان كارلوفي فاري بدورة الستين الممتدة بين ٣-١١ يوليو ٢٠٢٦. وكان هارفي كيتل قد انضم إلى كل من المدير الفني للمهرجان كارل أوخ، والمدير التنفيذي كريستوف موخ - على مسرح القاعة الكبرى بفندق ثيرمال - لتسليم الأسطورة ومدير التصوير الكبير روبرت ريتشاردسون جائزة الكرة الكريستالية، وأضاف كيتل قائلًا: “أعددت كلمة لإلقائها بمناسبة تكريمه، لكنني مأخوذ، فبعد ما رأيته، أجد أن عمل بوب يتحدث عن نفسه. أمامنا الآن أحد أعظم مديري التصوير السينمائي.”
الظريف في الأمر أن ريتشاردسون رد على مديح كيتل - الذي تم تكريمه في المهرجان التشيكي الأهم في وسط وشرق أوروبا بعرض فيلمه “مين ستريت” إنتاج عام ١٩٧٣ من إخراج مارتن سكورسيزي - عقب تسلمه الجائزة قائلًا: “إنه لأمر مميز للغاية أن يسلمني الجائزة. خصوصًا أنني أعتقد أن هارفي كيتل أحد أعظم الممثلين على مرّ العصور. سأروي لكم قصة قصيرة. كان الجميع يُلحّ عليّ لمشاهدة فيلم روبرت دي نيرو، “Mean Streets”. كنت متشوقًا جدًا لمشاهدته. بعد فترة، اكتشفت أن هذا الممثل العظيم الذي ظننت أنه دي نيرو هو في الواقع هارفي كيتل. لا أقصد الإساءة لبوب، فنحن أصدقاء وهو ممثل عظيم. لكن هارفي كيتل كان استثنائيًا بكل معنى الكلمة.”
وعلى مسرح القاعة الكبرى قالت مخرجة الفيلم الوثائقي عنه بكلمات وصوت متأثر: “لا أصدق أننا نقف هنا اليوم. فأنا كنت أتردد على مهرجان كارلوفي فاري منذ أن كان عمري 15 عامًا. لذلك أتوجه بالشكر الجزيل لوالديّ، فلولاهما لما كنت هنا اليوم. كما أتوجه بالشكر لجميع أفراد الطاقم والمنتجين الذين آمنوا بي، رغم صعوبة الرحلة. وقبل كل شيء، شكرًا لروبرت ريتشاردسون.”
واختتم الشيطان الأبيض كلماته بجملة مؤثرة: “عندما أنظر حولي في شوارع كارلوفي فاري وهنا في هذه القاعة، أرى الكثير من الشباب. لذلك أعتبر أن هذه الجائزة هي تمثيل للمستقبل الذي نريده ونحتاج إليه. فالمهرجان يُقدّم أفلامًا تعد أعمالًا فنية لا نراها في أي مكان آخر. أتمنى أن يُعرض هذا العمل في بلدان أخرى ليتمكن الجميع من مشاهدته.”






جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع