ما بين الخطأ والهروب.. من يتحمل مسؤولية أزمة منتخب المصارعة
لم تعد أخبار هروب اللاعبين المصريين من البعثات الرياضية الخارجية مجرد وقائع عابرة يمكن التعامل معها باعتبارها تصرفات فردية من لاعب قرر فجأة ألا يعود إلى بلده.
واقعة زياد حجاج، لاعب منتخب مصر للمصارعة، في سلوفاكيا، ثم واقعة محمد مصطفى علي الشامي خلال ترانزيت بعثة المصارعة في روما، أعادتا الملف إلى الواجهة، بعدما قررت وزارة الشباب والرياضة إحالة الواقعتين إلى النيابة العامة.
لكن قبل أن نسأل: لماذا هرب اللاعب؟ يجب أن نسأل أولًا: لماذا وصل اللاعب إلى التفكير في الهروب؟
السؤال ليس دفاعًا عن الهروب، ولا محاولة لتبرير مخالفة القانون أو الإخلال بواجب تمثيل المنتخب الوطني. اللاعب الذي يسافر ضمن بعثة مصرية يحمل مسؤولية كبيرة، وقرار السفر والعودة ليس أمرًا شخصيًا يمكن التعامل معه باستهانة.
لكن في المقابل، لا يمكن أن تكون كل واقعة نهايتها سهلة: اللاعب أخطأ وانتهى الأمر.
لأن التفاصيل أحيانًا تكشف أن هناك منظومة كاملة تحتاج إلى المراجعة.
في واقعة زياد حجاج، ظهرت معلومات عن خطأ إداري يتعلق بجواز سفر اللاعب، وهو ما فتح بابًا مهمًا للتحقيق في الإجراءات التنظيمية التي سبقت الواقعة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من اللاعب نفسه: هل كانت هناك متابعة حقيقية للاعبين؟ هل تم تقييم حالتهم النفسية والاجتماعية قبل السفر؟ هل يعرف المسؤولون عن البعثات ما يدور داخل غرف اللاعبين بعيدًا عن الملعب؟ وهل كل لاعب يسافر مع المنتخب يكون مقتنعًا فعلًا بأنه ذاهب إلى بطولة ويعود بعدها إلى مصر، أم أن بعض اللاعبين يرون في السفر فرصة وحيدة للخروج من واقع رياضي لا يمنحهم ما يحلمون به؟
هذه الأسئلة لا تعني أن الهروب مقبول. لكنها تعني أن العقوبة وحدها لن تمنع تكرار الظاهرة.
اللاعب الصغير الذي يقضي سنوات في التدريب، ويصل إلى المنتخب، ثم يسافر لأول مرة إلى أوروبا، يرى بعينيه مستوى مختلفًا للحياة والرياضة والإمكانات.
إذا كان يشعر قبل السفر أن مستقبله الرياضي غير واضح، أو أن فرص الاحتراف محدودة، فقد يتحول السفر بالنسبة له من مجرد بطولة إلى فرصة يعتقد أنها قد لا تتكرر.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. نحن نريد من اللاعب أن يكون وطنيًا، وهذا حقنا. لكن الوطنية لا يجب أن تكون مجرد مطالبة اللاعب بالعودة.
الوطنية أيضًا أن يشعر اللاعب أن بلده لديها ما تقدمه له.
أن يجد طريقًا واضحًا من الناشئين إلى المنتخب، وأن يعرف كيف سيعيش من الرياضة، وأن يحصل على حقوقه، وأن يجد من يسمعه عندما تكون لديه مشكلة، وأن يشعر أن مستقبله لن يتوقف بمجرد انتهاء بطولة أو معسكر.
المؤلم أن مصر لا تعاني من نقص المواهب.
لدينا لاعبون قادرون على المنافسة، ولدينا بطولات وإمكانات وأجهزة فنية واتحادات ووزارة تتحمل مسؤولية إدارة المنظومة.
لكن صناعة البطل لا تنتهي عند الميدالية.
صناعة البطل تعني أيضًا صناعة الإنسان.
أن نعرف شخصيته، وطموحه، ومشكلاته، وأحلامه، وما الذي ينتظره بعد سنوات من التدريب.
أما أن نتذكر اللاعب فقط عندما يهرب، ثم نفتح التحقيقات والمحاضر ونبحث عن المسؤول، فهذا يعني أننا تعاملنا مع النتيجة وتركنا السبب.
ولهذا فإن إحالة واقعة زياد حجاج ومحمد مصطفى علي الشامي إلى النيابة يجب ألا تكون نهاية القصة، بل بدايتها.
بداية لتحقيق أوسع في منظومة البعثات.
من المسؤول عن البعثة؟
من تابع اللاعبين؟
هل كانت الإجراءات الإدارية مكتملة؟
هل توجد ثغرات في السفر والإقامة والمتابعة؟
وهل هناك آلية حقيقية لمعرفة مشكلات لاعبي المنتخبات قبل أن تتحول إلى أزمات؟
الأهم من كل ذلك:
هل نعاقب اللاعبين فقط أم نحاول أن نمنع أسباب الهروب؟
اللاعب المخطئ يجب أن يحاسب، والمسؤول المقصر يجب أن يحاسب، لكن إذا كانت هناك مشكلة في المنظومة فيجب إصلاحها أيضًا.
لأننا لو اكتفينا كل مرة بالقول إن لاعبًا «هرب»، ثم أغلقنا الملف، سنجد بعد فترة لاعبًا آخر يفعل الشيء نفسه.
وساعتها لن تكون المشكلة في لاعب واحد.
ستكون المشكلة في منظومة لم تتعلم من أخطائها.
المنتخب الوطني يجب أن يكون حلمًا للاعب، والسفر مع بعثة مصرية يجب أن يكون شرفًا لا فرصة للهروب.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج أكثر من لوائح وعقوبات.
يحتاج منظومة تجعل اللاعب عندما يخرج من مصر للمنافسة، يفكر في العودة إليها منتصرًا، لا في البقاء خارجها.
وهنا فقط يمكن أن نبدأ في علاج ظاهرة هروب اللاعبين المصريين، بدلًا من الاكتفاء بمطاردة الهاربين.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع