ما الذي تغيّر فينا؟
ليس السؤال الحقيقي: هل كان الماضي أفضل من الحاضر؟ فهذه مقارنة ظالمة، لأن لكل زمن مشكلاته، ولكل جيل أوهامه وانتصاراته وانكساراته. السؤال الأكثر إلحاحًا هو: ما الذي تغيّر فينا؟
تغيّرت الأشياء من حولنا بصورة هائلة. تبدلت المدن، وتسارعت وسائل الاتصال، وتغيرت طبيعة العمل، واتسعت المعرفة، وأصبحت المسافة بين الإنسان والعالم لا تتجاوز شاشة صغيرة يحملها في يده. لكن وسط هذا التحول كله، هناك شيء آخر يستحق التأمل: ماذا حدث للقيم التي كانت تمنح الحياة معناها، وللمبادئ التي كانت تضبط سلوك الإنسان حتى عندما لا يراه أحد؟
كان الإنسان القديم يعيش في عالم أقل سرعة، لكنه لم يكن بالضرورة أقل تعقيدًا. كانت الكلمة لها وزن، والوعد له قيمة، والجار يعرف جاره، والكبير يحتفظ بمكانته، والمعلم لا يؤدي وظيفة فحسب، وإنما يمثل نموذجًا، وكانت الأسرة أكثر حضورًا في تشكيل شخصية أبنائها. لم يكن القانون حاضرًا في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، لأن الضمير كان يقوم أحيانًا بدور القانون.
اليوم أصبحنا أكثر قدرة على التواصل، لكننا في أحيان كثيرة أقل قدرة على الحوار. نستطيع أن نتحدث إلى شخص يبعد عنا آلاف الكيلومترات في لحظة، لكننا قد نعجز عن الاستماع إلى من يجلس بجوارنا. أصبح العالم أكثر قربًا، بينما أصبح الإنسان في بعض الأحيان أكثر عزلة.
وهنا تكمن المفارقة.
لقد كسبنا السرعة، لكننا خسرنا شيئًا من التأمل. كسبنا وفرة المعلومات، لكننا لم نضمن بالضرورة وفرة الحكمة. أصبح بإمكان أي إنسان أن يعرف ماذا يحدث في أقصى العالم خلال ثوانٍ، لكنه قد لا يعرف ماذا يحدث في قلب أقرب الناس إليه.
وفي الماضي، كانت الخصوصية قيمة طبيعية. للبيت أسراره، وللأسرة مساحتها، وللإنسان حق في أن يحتفظ ببعض حياته لنفسه. أما اليوم، فقد أصبح كثيرون يضعون تفاصيل حياتهم أمام جمهور لا يعرفونه، وكأن الإنسان لم يعد يشعر بوجوده إلا إذا رآه الآخرون.
حتى الشهرة تغير معناها.
كانت الشهرة في كثير من الأحيان نتيجة لعمل طويل، يكتب فيه الكاتب ويجتهد الفنان ويبدع العالم ثم يعرف الناس اسمه. أما اليوم، فقد تتحول الشهرة نفسها إلى غاية، ويصبح السؤال: كيف أصبح مشهورًا؟ قبل أن نسأل: ماذا سأقدم بعد أن أصبح مشهورًا؟
وهذا التحول ليس بسيطًا، لأنه يكشف تغيرًا أعمق في ترتيب الأولويات. عندما تصبح الصورة أهم من الحقيقة، والانطباع أهم من الجوهر، وعدد المتابعين أهم من قيمة ما يقدمه الإنسان، فإننا لا نكون أمام تغير في وسائل الاتصال فقط، بل أمام تغير في بعض معايير القيمة الاجتماعية.
حتى الاختلاف تغير.
كان الناس قديمًا يختلفون، ويتخاصمون، وربما يقاطع بعضهم بعضًا، لكن الاختلاف لم يكن دائمًا يعني إلغاء الآخر. اليوم، وفي زمن المنصات المفتوحة، أصبح الرأي أحيانًا بطاقة هوية، فإذا اختلفت معي فأنت ضدي، وإذا لم توافقني فأنت خصمي. وكأن المجتمع لم يعد يحتمل المساحات الرمادية التي يعيش فيها العقل الحقيقي.
والأخطر من ذلك أن بعض القيم أصبحت مرتبطة بالمصلحة.
كان الإنسان يخجل من أن يُمسك عليه كذب أو غدر أو خيانة للوعد، لأن المجتمع كان يرى في هذه الأفعال عيبًا قبل أن يراها جريمة. أما اليوم، فقد نجد من يبحث عن مبرر لكل شيء، فإذا استفاد من الخطأ سماه «شطارة»، وإذا فعل ما لا يليق سماه «ذكاء»، وإذا تراجع عن وعده قال إن الظروف تغيرت.
وهنا لا تكون المشكلة في تغير الظروف، وإنما في تغير اللغة التي نستخدمها لتبرير أفعالنا.
فاللغة ليست مجرد كلمات. إنها مرآة الضمير.
حين كان الناس يقولون «عيب»، كانت الكلمة تحمل خلفها تاريخًا طويلًا من التربية والخبرة الاجتماعية. وحين كانوا يقولون «هذه أمانة»، لم تكن العبارة تحتاج إلى عشر صفحات من العقود حتى يكون لها معنى. وحين كان الأب يقول لابنه «عيب تجرح فلانًا»، كان يحاول أن يبني داخله رقيبًا لا يحتاج إلى شرطي يقف بجواره.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول الماضي إلى أسطورة.
لم يكن الماضي زمنًا مثاليًا، وكانت فيه أخطاء وظلم وتناقضات كثيرة. كما أن الحاضر ليس زمنًا بلا قيم. ما زال في المجتمع أناس يحفظون العهد، ويكرمون الكبير، ويقفون بجوار المريض، ويساعدون الغريب، ويعملون في صمت دون انتظار تصفيق.
المشكلة إذن ليست أن القيم اختفت، وإنما أن صوتها أصبح أضعف وسط ضجيج الأشياء.
نحن لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي، فهذا مستحيل وغير مطلوب. ولا نحتاج إلى رفض الحاضر، فالحاضر يحمل منجزات عظيمة لا يمكن إنكارها. ما نحتاجه هو أن نأخذ من الماضي ما يستحق البقاء، ومن الحاضر ما يستحق التطور.
نحتاج إلى أن نعيد تعريف النجاح، فلا يكون المال وحده معيارًا له، وأن نعيد تعريف القوة، فلا تكون في القدرة على إيذاء الآخرين، وأن نعيد تعريف الحرية، فلا تتحول إلى فوضى، وأن نعيد تعريف الثقافة، فلا تكون عدد الكتب التي قرأناها، وإنما مقدار ما غيّرته هذه الكتب في أخلاقنا ونظرتنا إلى الإنسان.
فالثقافة التي لا تصنع ضميرًا تتحول إلى معلومات، والمعرفة التي لا تصنع حكمة تتحول إلى استعراض، والحرية التي لا يحرسها احترام الآخرين تتحول إلى أنانية.
ربما لم يتغير الإنسان كله، وإنما تغيرت البيئة التي يعيش فيها، وتغيرت الأدوات التي يستخدمها، وتغيرت سرعته، وتغيرت الطريقة التي يرى بها نفسه والآخرين.
لكن السؤال سيظل قائمًا:
هل نستطيع أن نتقدم في التكنولوجيا دون أن نتراجع في الأخلاق؟
وهل يمكن أن يصبح الهاتف أكثر ذكاءً، دون أن يصبح الإنسان أقل حكمة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي لهذا الزمن.
فالمجتمعات لا تنهار عندما تتغير مبانيها، ولا عندما تتبدل وسائلها، وإنما تبدأ في فقدان توازنها عندما تفقد القدرة على التمييز بين ما يجب أن يتغير، وما يجب أن يبقى.
ولعل أعظم ما نحتاج إلى استعادته ليس الماضي، وإنما المعنى.
أن نعرف مرة أخرى لماذا نقول الصدق، ولماذا نحفظ العهد، ولماذا نحترم الكبير، ولماذا نرحم الضعيف، ولماذا نختلف دون أن نكره، ولماذا ننجح دون أن ندوس على الآخرين.
عندها فقط يمكن أن نقول إن الزمن تغيّر فعلًا، لكن الإنسان لم يضع نفسه في الطريق.
فليس السؤال: ماذا خسرنا من الماضي؟ بل ماذا ينبغي أن نحمل منه إلى المستقبل؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع