إعلان

إلغاء الآخر .. بين التكنوقراطي والسياسي

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

07:00 م السبت 22 أغسطس 2026

تشهد العديد من دول العالم العربي، ومن بينها مصر، محاولات الزج بالتكنوقراط إلى الشأن السياسي. وتعتبر هذه المحاولات مخرجات النقاش المتواصل الذي يشهده الفكر السياسي المعاصر حول دور الخبراء والمتخصصين في إدارة الشأن العام، فيما يُعرف بـ "حكومات التكنوقراط". فبينما يُنظر إليهم غالباً كطوق نجاة للخروج من الأزمات الاقتصادية، تظل إشكالية علاقتهم بالسياسة والأيديولوجيا والمجتمع مثار جدل واسع.

وتبدو الإشكالية هنا أن كلا منهم يحاول إما إلغاء الآخر أو تحميله مسؤولية الفشل. فالسياسي الذي لا يهتم بالخبرة الفنية يقود الدولة بالنظريات وبالحدس. والخبير الذي ينبذ السياسة يعتقد أن الأرقام وحدها تملك الحل السحري لجميع مشكلات المجتمع!

وقبل محاولة فهم العلاقة بين الاثنين، من الأهمية أن يعرف القارئ من هو التكنوقراطي؟ يُعرّف التكنوقراط بأنهم نخبة من المتخصصين والفنيين والعلماء والأكاديميين الذين يُستعان بهم لتولي المناصب العامة بناءً على كفاءتهم وخبرتهم التقنية، لا على أساس شعبيتهم الحزبية. وعلاقتهم بالسياسة تبدو ظاهرياً كعلاقة "الإصلاح بالمعرفة"؛ فهم يزعمون الاعتماد على المعايير العلمية والموضوعية البحتة متجردين من الأهواء الحزبية، لكن القرار التكنوقراطي في جوهره قرار سياسي بامتياز، لأن اختيار الأولويات وتوزيع الموارد يعكسان دائماً خيارات انحيازية لطرف دون آخر.

وقد يعتقد التكنوقراطي أنه يعيش بعيداً عن السياسة ويرى أنه لا شأن له بالسياسة، إلا أن الواقع يشير إلى أنه لا يعيش في فراغ مجتمعي، فغالباً ما ينتمي التكنوقراطي إلى شبكات اجتماعية مهنية ومؤسسات أكاديمية ومالية كبرى، مثل البنوك المركزية، والشركات العابرة للقارات، والمنظمات الدولية. هذه الشبكات تفرض عليهم رؤى وقيم اقتصادية معينة -كالليبرالية الجديدة أو التقشف المالي أو الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية- مما يجعلهم ممثلين غير معلنين لجماعات مصالح قوية تستفيد من هذه السياسات، وإن ادعوا تمثيل الصالح العام المطلق. وعليه، لا يمكن اعتبار التكنوقراط طبقة منفصلة عن الواقع السياسي، حتى وإن انعزلت بواقعها الفني المهني عن الواقع السياسي. بل هم شريحة نخبوية وظيفية لجماعات مصالح سياسية. فالتكنوقراط يمتلكون أيديولوجية مقنعة: فإيمانهم المطلق بلغة الأرقام، والخصخصة، وكفاءة السوق يمثل عقيدة أيديولوجية صارمة قد لا يدركون أنهم يعتنقونها، معتقدين خطأً أن خياراتهم حيادية ولا تحتمل النقاش.

وبالتالي يصبح من المستحيل فصل قرار الحكومة التكنوقراطية عن السياق السياسي. فالإدارة الاقتصادية أو الخدمية تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين، مما يولد ردود فعل سياسية واجتماعية. التكنوقراط يفتقرون عادةً إلى المهارة السياسية اللازمة للتفاوض، وحشد التأييد، وإدارة الصراعات، مما يجعل قراراتهم عاجزة عن الاستمرار دون مظلة سياسية تحميها وتدفع تكلفتها الانتخابية والشعبية.

وعلى الرغم من هذه العلاقة الوثيقة بين التكنوقراطي والسياسي حتى وإن لم يكن على وعي بها، تتجسد مخاطر تولي التكنوقراط الحكم في إفراغ الحياة السياسية من مضمونها الديمقراطي. فعندما تُدار الدولة بمنطق "التكنوقراطي الفني" لا بمنطق "الممثل للشعب"، يتم تهميش البرلمان والأحزاب السياسية، وتتحول السياسة من تنافس برامجي إلى مجرد إدارة فنية محض. والأخطر من ذلك، أن حكومات التكنوقراط تُتخذ أحياناً كـ "واجهة" لتوزيع الحصص بين مراكز القوى أو النخب التقليدية، فتتحول كفاءة التكنوقراط إلى غطاء لتوازنات سياسية خفية، مما يعزز شعور المواطنين باغتراب سياسي عميق.

وبالانتقال إلى الحالة المصرية والجدل المحتدم حول من يتولى تشكيل الحكومة: التكنوقراطي أم السياسي، يشير الكاتب "تيموثي ميتشيل" في كتابه "حكم الخبراء: مصر، التكنو-سياسة، الحداثة". الكيفية التي تدار بها السلطة الحديثة خلال التقنيات، والمعارف الفنية، وأدوات الخبراء بدلاً من الأدوات السياسية. وقد أشار الكاتب إلى مثال للتكنو-سياسة مثل عندما تتداخل العناصر المادية والبيولوجية والعلمية (مثل الملاريا، وقصب السكر، ومشاريع الري والحروب) لإنتاج أشكال جديدة من السلطة. كما تناول "ميتشيل" كيف ساهمت أدوات القياس والتبادل الحديثة في خلق فكرة مجردة اسمها "الاقتصاد القومي" وكيف أدت محاولات ربطه بالواقع المعاش أمراً معقداً.

ووسط التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة، لا تستطيع حكومة التكنوقراط وحدها إنقاذ مصر سياسياً. فالأزمات في مصر ليست مجرد خلل محاسبي أو إداري يتطلب خبيراً مالياً لإصلاحه، بل هي أزمات هيكلية مرتبطة ببنية المشاركة السياسية، وعدالة توزيع الثروة، وبناء الثقة بين المواطن والدولة.

قد تنجح الحكومة التكنوقراطية في إدارة ملفات مالية محددة أو تنفيذ مشروعات كبرى بفضل الدعم الفني، لكنها تفشل سياسياً في خلق توافق وطني، أو تحفيز المشاركة الشعبية، أو توفير حاضنة ديمقراطية مستدامة.

إذن، التكنوقراط ليسوا بديلاً عن السياسة، فالسياسة ليست هي دائماً سبب الفشل، ومن الصعب أن يتمكن الخبراء من إدارة الدولة بعيداً عن الشأن العام وعن التنافس السياسي حول تخصيص الموارد والنفوذ. والإنقاذ الحقيقي يتطلب شراكة حقيقية تدمج الكفاءة التقنية بالرؤية السياسية والممارسة الديمقراطية، لأن الفن الإداري وحده لا يصنع وطناً ولا يحل أزمة سياسية متجذرة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان