إعلان

"الوقت" كعامل ضغط في معادلة الحرب الأمريكية الإيرانية

محمد جمعة

كتب - محمد جمعة

07:00 م الأحد 19 يوليو 2026

خلال الأزمات الممتدة أو الصراعات والمواجهات العسكرية، لا يُنظر إلى عامل الوقت كعنصر محايد، بل يمثل متغيرًا حاسمًا يسهم بفاعلية في إعادة تشكيل موازين القوى وفي تحديد هوية الرابح والخاسر.

ولا يخرج التصعيد العسكري الراهن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن ضوابط هذه القاعدة، حيث يتحول عامل الوقت إلى سيف ذي حدين يضغط بقوة على متخذي القرار في الدولتين على حد سواء.

فبينما تبدو العقيدة العسكرية الأمريكية مدفوعة بالرغبة في الحسم السريع وتجنب الاستنزاف طويل الأمد، تتبنى طهران استراتيجية تقليدية قائمة على "الصبر الاستراتيجي" وإدارة حافة الهاوية لامتصاص الضربات وتفكيك جبهة الخصوم.


إن فهم كيفية تأثير الوقت على كلا الطرفين يتطلب تفكيك الضغوط الداخلية والخارجية التي يفرضها هذا العامل على مسرح المواجهات المشتعل.


بالنسبة للولايات المتحدة، يضغط الوقت عليها في ثلاثة محاور رئيسية، أولها: "كلفة العمليات العسكرية"، حيث تعتمد واشنطن على حشد بحري وجوي كبير متمثل في حاملتي طائرات لفرض حصار بحري مطبق وقصف الأصول والبنية العسكرية لإيران. هذا الاستهلاك الكثيف للذخائر الذكية وإبقاء آلاف الجنود (مع إرسال 5000 جندي من المارينز مؤخرًا) يكلف الميزانية الأمريكية مليارات الدولارات، في وقت تجاوزت فيه الطلبات الإضافية للحروب حاجز الـ87 مليار دولار.

وهذا معناه أنه كلما طال وقت الحرب تآكلت مخزونات السلاح الاستراتيجية، مما يضعف قدرة واشنطن على ردع الصين في تايوان أو مواجهة روسيا في أوروبا.


ثانيها: "أمن حلفاء الإقليم"، حيث تسعى واشنطن إلى إنهاء المعركة سريعًا لتقليص الأضرار التي تلحق بشركائها وحلفائها في المنطقة. وفي هذا السياق أظهرت الأحداث الميدانية فجر وصباح يوم 18 يوليو الجاري (على سبيل المثال) قيام إيران بقصف منشآت حيوية وقواعد في الكويت، والبحرين، والأردن.


إن استمرار هذه الضربات مع مرور الوقت سيشكل ضغطًا سياسيًا داخليًا هائلًا على حكومات هذه الدول، وقد يدفعها إلى تقييد استخدام واشنطن لأراضيها وأجوائها خشية تعرض بنيتها التحتية النفطية والخدمية للدمار الشامل.


ثالثها: "الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد"، حيث تحاول إدارة ترامب بكل الطرق فتح مضيق هرمز، إلا أن شلل حركة الملاحة في المضيق لدرجة عبور 8 سفن فقط يوميًا، يرفع تكاليف التأمين البحري العالمي بشكل جنوني. الوقت هنا يمثل ضاغطًا اقتصاديًا؛ فاستمرار الحصار البحري لأسابيع إضافية قد يؤدي إلى قفزة غير منضبطة في أسعار الطاقة العالمية توقظ التضخم الدولي وتثير غضب الناخب الأمريكي داخليًا.


بالنسبة لإيران، يضغط عنصر الوقت بعنف على مركز القرار عبر ثلاثة مستويات أيضًا، أولها: "تآكل البنية العسكرية ومفاصل القوة"، حيث تخلت الولايات المتحدة هذا الأسبوع عن حصر ضرباتها في خطوط السواحل ومضيق هرمز، وانتقلت إلى الموجة السابعة من الضربات في العمق الإيراني، مستهدفة الجسور والسكك الحديدية المؤدية إلى بندر عباس، ومستودعات الأسلحة المحصنة تحت الأرض لقطع الإمدادات. إن مرور الوقت في ظل هذا القصف المركب يمنع الحرس الثوري من ترميم دفاعاته الجوية أو إعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة والاتصال التي تعرضت لإعماء راداري ملحوظ.


ثانيها: "الضغط على هيكل اقتصادي مأزوم"، حيث تراهن طهران على "الصبر الاستراتيجي"، لكن الحصار البحري المفروض منذ أبريل 2026 أوقف بالكامل قدرتها على تصدير النفط أو تسييل أصولها. الوقت يعمل ضد إيران اقتصاديًا بشكل متسارع؛ فانقطاع الخدمات الأساسية (مثل انقطاع المياه عن قرى الجنوب جراء الغارات الأخيرة) وانهيار العملة يحرم النظام من القدرة على تمويل الحرب داخليًا أو دعم وكلائه في الخارج بشكل مستدام.


ثالثها: "شرعية النظام والاستقرار الداخلي"، حيث جاءت هذه الحرب في خضم جبهة داخلية مهتزة تعاني من تبعات احتجاجات شعبية واسعة. انتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي، وتحت ضغط القصف اليومي، يضع النظام في سباق مع الزمن؛ فإذا لم يستطع تحقيق توازن ردع سريع، فإن التذمر الداخلي من الفقر وتدهور الخدمات قد يتحول إلى انفجار اجتماعي يهدد أركان الدولة من الداخل.


إن انهيار "مذكرة تفاهم إسلام آباد المؤقتة" مطلع هذا الشهر، وانزلاق الطرفين إلى مواجهة عسكرية مباشرة من جديد، يشير إلى أن الوقت لم يعد يُدار خلف طاولات المفاوضات المغلقة، بل أصبح يُقاس بـكثافة الغارات الجوية الأمريكية التي دخلت ليلتها الثامنة على التوالي، وفي المقابل، بمدى قدرة طهران على توسيع رقعة القصف الصاروخي والمسيرات لتشمل العمق الإقليمي.


باختصار، لم يعد الصراع يتعلق بمن يمتلك قوة ونفوذًا أكبر، بل بمن يستطيع الصمود وتلقي الضربات لفترة أطول دون أن تتفكك جبهته الداخلية أو تفرغ مستودعات أسلحته الاستراتيجية.


إن إدارة الوقت في هذه المرحلة الحرجة باتت مسألة صمود وجودي للنظام الإيراني تحت قيادة مجتبى خامنئي، وحجر زاوية لاستراتيجية "الضغط الأقصى العسكري" التي تتبناها إدارة ترامب لفرض شروطها.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

عفوا.. لا يوجد مباريات اليوم

إعلان