إعلان

مدرجات المونديال كفضاء سياسي: كيف أعاد مصريو أمريكا وكندا صياغة علاقة المهاجر بالوطن؟

محمد جمعة

كتب - محمد جمعة

07:00 م الإثنين 29 يونيو 2026

في أدبيات العلاقات الدولية المعاصرة لم تعد الدبلوماسية حكراً على الدبلوماسيين أو أجهزة الدولة الرسمية؛ بل أصبحت البطولات الرياضية الكبرى أبرز أدوات "الدبلوماسية العامة" وصناعة الصورة الذهنية للدول. والحاصل أن الهتافات الحاشدة للجالية المصرية في كندا والولايات المتحدة، داخل مدرجات ملاعب سياتل وفانكوفر، ليست مجرد انعكاس لمؤازرة رياضية لمنتخب مصر في مونديال 2026، بل تجسد معاني سياسية وسوسيولوجية عميقة وبالغة الدلالة.

في هذه الآونة، تتحول الملاعب التي تشهد مباريات المنتخب المصري في كأس العالم، إلى فضاء عام تصهر فيه الجالية المصرية الضخمة (تستضيف أمريكا الشمالية نحو 2 مليون مصري) بمختلف شرائحها، عقوداً من الغربة والاغتراب لتُعيد إنتاج، وجدانها الوطني والقومي باقتدار وكفاءة. بحيث يمكن القول، ودون مبالغة، إن ما يحدث يُعد شاهداً على كيف يتحول تشجيع المنتخب المصري إلى أداة من أدوات الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة، وكيف تنجح "المواطنة العابرة للحدود" في تجاوز ثنائيات الاندماج والقطيعة الثقافية، لتقدم الجالية المصرية نموذجاً حياً لـ "الهوية الصلبة" التي تعيد صياغة علاقة المهاجر بالوطن الأم تحت مظلة المستطيل الأخضر.

***

لقد أثبتت الفاعليات الحاشدة للجالية المصرية في أمريكا الشمالية خلال المباريات الثلاث للمنتخب المصري، حتى الآن، أن الهوية الوطنية المصرية تمتلك "صلابة بنيوية" تقاوم الذوبان حتى بعد عقود من العيش في مجتمعات غربية تُعرف تاريخياً بقدرتها العالية على صهر واستيعاب المهاجرين. يبرز هذا على مستويين: أولهما، إعادة إنتاج المجال العام المصري، من خلال نقل الهتافات التقليدية في مدرجات أستاذ القاهرة وغيره من الملاعب المصرية ومزجها بالأغاني الوطنية، إلى جانب رفع الأعلام المصرية الضخمة في شوارع سياتل ومحيط ملعب "لومن فيلد"، والذي يُعد واحداً من أشهر الملاعب وأكثرها صخباً في أمريكا الشمالية (شهد حضوراً تخطى الـ 52,000 مشجع). وثانيهما، التوريث الثقافي العابر للأجيال، حيث لا يُعد المشهد حكراً على المهاجرين الأوائل الذين غادروا بلادهم منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ بل برز بوضوح جيل ثانٍ وثالث من الأبناء والأحفاد. إن اندماج هؤلاء الشباب والشابات والفتية الصغار وتوشحهم بالعلم المصري وترديدهم للأغاني الوطنية يثبت أن "المواطنة الثقافية" في الوجدان المصري تُورث كعقيدة بصرية وسمعية، ولا ترتبط حصراً بالولادة أو العيش داخل الحدود الجغرافية للدولة.

***

في سياق فهم الطبيعة البنيوية لهذا الحشد الجماهيري المصري الذي نشاهده حالياً، يمكن أن نميز بوضوح بين فئتين رئيسيتين داخل هذه الكتلة البشرية الضخمة، في طريقة تفاعلهما داخل مدرجات المونديال: الأولى، تمثل الأغلبية الساحقة للمصريين في أمريكا الشمالية (حوالي 90%) وهي فئة المصري المهاجر الذي حصل على الجنسية الأمريكية أو الكندية. حضور هذه الفئة في المونديال لا يعبر عن مجرد تشجيع كروي للمنتخب المصري في أكبر بطولة عالمية، بل يعكس "إعلاناً سياسياً" عن الهوية الأصلية. لقد اصطحب هذا المصري المهاجر أطفاله من الجيل الثاني والثالث ليريهم "مصر الوطن الأم" في لقطة فخر بالذات أمام مجتمعهم الغربي، مستحضراً حنينه الجغرافي والوجداني (النوستالجيا) عبر المستطيل الأخضر. أما الفئة الثانية، وهي الأقل عددا بكثير (10%) أي المصري المسافر للعمل أو للدراسة. في المدرجات، ظهر هذا "المغترب المؤقت" كـ امتداد حي ومباشر لإستاد القاهرة؛ فهو يعيش الغُربة بكافة أحوالها ولم تبتعد روحه عن بيئته المصرية، وجاء مشحوناً بحماس الملاعب المعتاد ليعلن أن غربته طارئة وأن ارتباطه اليومي بتفاصيل الوطن لم ينقطع.

لقد امتزجت هاتان الفئتان من المصريين في سبيكة واحدة داخل المدرج، لتتلاشى الفوارق القانونية والاقتصادية لصالح "العقد الاجتماعي الوجداني" الذي فرضه قميص المنتخب الوطني.

بل والأكثر من ذلك أن هذه اللوحة الجماهيرية المصرية الرائعة تخطت حدود التشجيع الكروي لتكتسب بعداً قومياً أخلاقياً تحول معها المدرج إلى منبر سياسي قيمي، والمدرجات والمسيرات الحاشدة إلى منصات لإعلان التضامن المصري من خلال الهتافات العفوية المؤيدة للقضية الفلسطينية (مثل "شمال يمين بنحبك يا فلسطين"). هذا التوظيف للمدرج الرياضي كـ "منبر ناعم" فرض الرواية والقيم المصرية العربية أمام الآلات الإعلامية الغربية المكثفة التي تغطي المونديال، معبراً عن انتماء ووعي سياسي مصري عابر للحدود الجغرافية.

***

تاريخياً، ارتبط مفهوم الهجرة التقليدي بنوع من "القطيعة الجغرافية"، إلا أن أحداث مونديال 2026 تثبت تحول هذا المفهوم إلى "الترابط الشبكي المستمر" بفضل ثورة الاتصالات والاتصال الوجداني. وفي هذا السياق نلاحظ أن التغطية الإيجابية والمكثفة لشبكات إعلامية عالمية (مثل The Athletic التابعة لـ New York Times وشبكة CBS Sports)، والتي أفردت مساحات للحديث عن الشغف والمظهر المنظم والحماسي للمشجعين المصريين في مدن أمريكا الشمالية، قدّمت خدمة دبلوماسية وثقافية مجانية لمصر؛ حيث رسمت صورة ذهنية للجاليات المصرية ككتلة بشرية حيوية، حضارية ومؤثرة في ثقافة المجتمعات الغربية، وذلك بعد أن نجحت هذه الجاليات – خلال ثلاث مباريات فقط - في جذب أنظار الإعلام الدولي، وأصبحت واحدة من العلامات المضيئة في البطولة الحالية.

إن الملحمة الجماهيرية لمصريي كندا والولايات المتحدة تُثبت أن الجاليات في الخارج تمثل ذخيرة استراتيجية وقوة كامنة لا تنفصل عن قضايا الوطن وهمومه.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان