كرة القدم بين مطرقة السوق وسندان النزاهة: حينما تحكم النيوليبرالية الملاعب
تتجاوز كرة القدم كونها مجرد لعبة، فهي ظاهرة اجتماعية وثقافية تمنح الشعوب هوية جماعية ومساحة للتحرر من ضغوط الحياة اليومية. لكن في العقود الأخيرة، اجتاحت "النيوليبرالية" أروقة اللعبة، محولةً إياها من نشاط رياضي إنساني إلى سلعة عالمية خاضعة لقوانين السوق المتوحش، حيث أصبحت الأرباح هي المحرك الأول للقرارات الاستراتيجية.
لقد أدى تغول نيوليبرالية السوق إلى تآكل "حيادية" كرة القدم. فالنيوليبرالية تفرض منطق "الخصخصة" و"الربح السريع"، وهو ما انعكس في تحول الأندية إلى كيانات استثمارية مملوكة لصناديق سيادية أو شركات عابرة للقارات. هذا التحول لم يكتفِ بتغيير هيكلية الأندية، بل أثر على نزاهة التنظيمات؛ إذ أصبحت قرارات الفيفا واليوفا رهينة لضغوط الشركات الراعية والجهات التي تضخ الأموال.
ويُعد الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) المظلة العالمية للعبة، وهو من المفترض منظمة غير ربحية تشرف على تنظيم كأس العالم وتوحيد قوانين اللعبة دوليًا، وتكمن مسؤوليته في تطوير كرة القدم عالميًا وضمان عدالة المنافسة بين الاتحادات القارية. في المقابل، يمثل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليوفا) كيانًا إقليميًا يتميز بتنظيمه لأكثر البطولات ربحية في العالم (مثل دوري أبطال أوروبا). بينما يركز الفيفا على الأبعاد السياسية والتمثيل العالمي، يركز اليوفا بشكل أكبر على تعظيم الإيرادات التجارية والتلفزيونية وعقود الرعاية، مما يجعله أكثر تأثرًا بضغوط اقتصاد السوق. وعلى الرغم من أن الفيفا (FIFA) واليوفا (UEFA) يشكلان هيكلًا هرميًا منظمًا لكرة القدم العالمية، إلا أن العلاقة بينهما تتسم بالتوتر التاريخي والمنافسة على النفوذ والموارد. ويمكن تلخيص أهم المشكلات والخلافات بين الكيانين في الصراع على أجندة المباريات الدولية، خاصة أن الفيفا يسعى إلى زيادة عدد بطولاته الخاصة (مثل توسيع كأس العالم أو إطلاق كأس العالم للأندية بنظامها الجديد) لتعظيم عوائده، في الوقت الذي يرى فيه اليوفا أن هذه التوسعات ترهق اللاعبين الذين ينتمون إلى الأندية الأوروبية، وتتعارض مع مواعيد بطولاته القارية (دوري الأبطال) والدوريات المحلية. هذا بالإضافة إلى الخلافات بين التنظيمين حول توزيع العوائد المالية، حيث تعتبر البطولات التي ينظمها اليوفا (دوري أبطال أوروبا واليورو) من أكثر البطولات ربحية في العالم. ويمكن القول إنها خلافات مصالح، حيث يطمح الفيفا - كونه الهيئة الحاكمة العالمية - إلى الحصول على حصة أكبر من أرباح البطولات القارية التي يديرها اليوفا لتمويل مشاريع التطوير العالمية.
كما يأتي تأثير المركزية الأوروبية والسعي نحو استقلالية القارة الأوروبية ليضيف بعدًا آخر للصدام بين التنظيمين، حيث يتمتع اليوفا بنفوذ هائل، فهو يمتلك أكبر اقتصاد رياضي في العالم وأفضل اللاعبين، مما يجعل من الصعب على الفيفا فرض سياساته في أوروبا. هذا الصدام يظهر بوضوح في تضارب المرجعيات القانونية.
وكانت السنوات الأخيرة قد شهدت احتداد الخلاف بين التنظيمين حول توقيتات إقامة البطولات الكبرى. على سبيل المثال، أدى إقامة كأس العالم 2022 في قطر في منتصف الموسم الأوروبي إلى حدوث فجوة كبيرة بين الفيفا واليوفا، حيث انتقد اليوفا بشدة تعطيل الدوريات المحلية الأوروبية التي تعد "العمود الفقري" لاقتصاد كرة القدم، بينما أصر الفيفا على قرار إقامة البطولة في الشتاء لأسباب مناخية ولوجستية، مما أجبر اليوفا على إعادة جدولة بطولاته بالكامل.
وإلى جانب الخلافات حول توقيتات إقامة البطولات، يوجد تباين بين التنظيمين في فلسفة تطوير اللعبة، حيث يروج الفيفا لنفسه كمنظمة تعنى بتطوير اللعبة في "دول العالم الثالث" (أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) عبر توزيع العوائد، في حين يركز اليوفا في فلسفته على "الاحترافية العالية" و"الاستدامة التجارية"، مما يجعل رؤيتهما لكيفية إنفاق الأموال وتطوير اللعبة متناقضة أحيانًا؛ إذ يرى اليوفا أن استثمارات الفيفا قد تكون أحيانًا "سياسية" ولا تخدم جودة كرة القدم الاحترافية.
كما شهد العالم هزات عنيفة لنزاهة هذه التنظيمات، لعل أبرزها فضيحة "فيفا غيت" عام 2015، التي كشفت عن شبكات رشاوى ممنهجة تتعلق بحقوق البث والترشح لاستضافة البطولات، وهو ما جسد تمامًا كيف يمكن التضحية بالأخلاق الرياضية من أجل المصالح المالية، خاصة أن زيادة عدد مباريات البطولات قد لا تقود بالضرورة إلى تطوير اللعبة، بل إلى زيادة عوائد البث، وبما يضع ضغوطًا بدنية هائلة على اللاعبين ويجعل "النزاهة" ثانوية أمام "معدلات الأرباح".
ويمكن القول إن الخلاف الجوهري هو خلاف "مركزي مقابل لامركزي"؛ فالفيفا يحاول فرض هيمنة عالمية مركزية، بينما يحاول اليوفا الحفاظ على خصوصية واستقلالية الكرة الأوروبية التي تعتبر "الدجاجة التي تبيض ذهبًا" للرياضة العالمية.
إن تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية واللعب النزيه (Fair Play) يتطلب إجراءات جذرية تتعلق بمزيد من الحوكمة المالية الصارمة وإعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي والثقافي وفصل الرقابة عن التنفيذ من خلال تقليص نفوذ الممولين والشركات الراعية في مراكز صناعة القرار داخل التنظيمين.
كرة القدم لغة عالمية مشتركة تعبر عن أحلام الشعوب وقيمها. ويؤدي تغليب المنطق النيوليبرالي على حساب الجوهر الإنساني والرياضي للعبة إلى تهديد اللعبة بتحويلها إلى مجرد أداة اقتصادية باردة. إن استعادة نزاهة كرة القدم تبدأ بالاعتراف بأن الأرباح يجب أن تخدم الرياضة، وليس العكس؛ فإذا فُقدت النزاهة في المستطيل الأخضر، فسيخسر العالم أحد أعظم ميادين التلاقي الإنساني في التاريخ المعاصر!
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع